في تطوّر يعكس حساسية ملف فلسطين داخل المؤسسات الحقوقية الدولية، قدّم عمر شاكر، مدير برنامج إسرائيل-فلسطين في منظمة "هيومن رايتس ووتش"، استقالته احتجاجاً على قرار قيادي بتجميد تقرير كان مقرراً نشره في 4 كانون الأول الماضي، وخلص إلى أن سياسة إسرائيل المستمرة منذ عقود في منع اللاجئين الفلسطينيين من "حق العودة" إلى ديارهم وأراضيهم ترقى إلى "جريمة ضد الإنسانية".
واعتمد التقرير على مقابلات مع 53 لاجئاً فلسطينياً، وأعمال ميدانية في مخيمات بالأردن وسوريا ولبنان. كما ربط بين عمليات الطرد والتهجير عام 1948 وسياسات الإقصاء اللاحقة وصولاً إلى المرحلة الراهنة، بما في ذلك تفريغ مخيمات في غزة والضفة الغربية خلال العامين الماضيين. وكان شاكر يأمل، وفق ما نقل عنه، أن يفتح التقرير "مساراً نحو العدالة للاجئين الفلسطينيين"، لا أن يبقى حق العودة قضية أخلاقية معلّقة خارج نطاق المساءلة.
وفي اعتراضه (بحسب منصة دروب سايت)، طرح فريليك أسئلة قانونية تتصل بشرط "القصد" في القانون الدولي: هل هدف إسرائيل من منع العودة هو إيقاع معاناة جسيمة، أم أن دوافعها تتمثل في اعتبارات أمنية أو هندسة ديمغرافية، بما يجعل المعاناة "نتيجة جانبية" لا مقصودة؟ كما أثار جدلاً حول استمرارية مطالبات أحفاد اللاجئين عبر الزمن، وتأثير حصول بعض اللاجئين على جنسيات أخرى، وما إذا كانت هذه المطالبات استثنائية مقارنة بحالات نزوح أخرى عبر التاريخ.
وكتب أحد المراجعين القانونيين بعد تجميد التقرير – جيم روس – مذكرة داخلية تدعو إلى تعزيز العرض الوقائعي للتقرير، عبر تقديم أمثلة أكثر إقناعاً على "المعاناة الجسيمة" أو "الأذى النفسي" الذي يترتب على حرمان اللاجئين من العودة، وربط ذلك بشكل مباشر بعناصر الجريمة ضد الإنسانية. وأشار روس إلى أن الاعتماد على شهادات اللاجئين وحدها قد لا يكفي لإقناع "القراء المتشككين"، داعياً إلى التركيز على الحالات التي تكون فيها المعاناة مرئية وواضحة، مثل أوضاع المخيمات والفقر المدقع.
ومع ذلك، لم توافق القيادة العليا على إعادة التقرير بصيغته الأصلية. وبحسب ما نقل، فإنها لم تُبدِ استعداداً للسير قدماً إلا بشرط تقليص نطاقه ليقتصر على الفلسطينيين الذين نزحوا منذ 2023 داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، مع استبعاد لاجئي 1948 و1967 المقيمين خارج فلسطين. وهو شرط رآه كثيرون داخل المنظمة تقويضاً لجوهر القضية، إذ يحوّل حق العودة من مسألة تأسيسية في القانون والسياسة إلى ملف نزوح حديث محدود.
وفي بيان رسمي ردّاً على استفسارات "دروب سايت"، قالت المنظمة إن التقرير يثير "قضايا معقدة وعواقب كبيرة"، وإن بعض جوانب البحث والأساس الوقائعي للاستنتاجات القانونية بحاجة إلى تقوية كي تلبي "معايير المنظمة العالية"، ولذلك تم إيقاف النشر بانتظار تحليل وبحث إضافيين. كما أعلن بولوبـيون لاحقاً أن المنظمة ستستعين بمكتب محاماة (Jenner & Block) لمراجعة الإجراءات الداخلية.
في المقابل، خرج المدير التنفيذي السابق للمنظمة كين روث مدافعاً عن قرار بولوبـيون، واعتبر أن التقرير استخدم نظرية قانونية "جديدة وغير مدعومة" وأنه مرّ بسرعة خلال مرحلة انتقال إداري. أما سارة ليا ويتسون، المديرة السابقة لقسم الشرق الأوسط التي عيّنت شاكر عام 2016، فرأت أن ما حدث يعيد إنتاج ما سمّته "استثناء إسرائيل" داخل المنظمة، أي إخضاع التقارير المتعلقة بإسرائيل لتدقيق استثنائي وإجراءات لا تُفرض على ملفات دول أخرى.
استقال شاكر، ومعه الباحثة الفلسطينية ميلينا أنصاري، لتتحول القضية من خلاف حول تكييف قانوني إلى اختبار علني لمصداقية مؤسسة حقوقية لطالما بنت سمعتها على الاستقلال والاتساق. وفي ختام رسالته، حذّر شاكر من أن "فلسطين كانت دائماً اختباراً لكل مؤسسة كبرى"، وأن "الاستثناء الفلسطيني" قد يفتح الباب لتنازلات أخرى تمسّ مبادئ العمل الحقوقي نفسه.
وفي المحصلة، لا تبدو القضية مجرد تقرير مؤجل، بل أزمة ثقة تضرب في عمق العلاقة بين القانون والقرار داخل المنظمات الحقوقية. فحين يكتمل مسار المراجعة التقنية ثم يُوقف النشر بقرار إداري، يصبح السؤال الجوهري: من يملك الكلمة الأخيرة، الوقائع أم الحسابات؟ والخطر الأكبر أن تتحول "المعايير" من أداة لضبط المهنية إلى أداة مرنة تُشدّ أو تُرخى وفق حساسية الملف لا وفق صلابته.
وفي الوقت نفسه، فإن الاعتراض على توصيف منع حق العودة كجريمة ضد الإنسانية يظل نقاشاً قانونياً مشروعاً من حيث المبدأ، لكن توقيته وسياقه يفتحان الباب لشكوك أوسع. فالقانون الدولي لا يُدار بالخوف من "سوء الفهم الديمغرافي"، بل بتراكم الوقائع والنية والنتائج. وعندما تُطرح أسئلة عن "شرعية معاناة الأحفاد" كأنها تقلّ بمرور الزمن، يبدو الأمر أقرب إلى منطق سياسي يتسلل إلى لغة حقوقية، لا إلى جدل قانوني بارد ومحايد.
أما الأثر الأبعد، فيتجاوز ملف فلسطين نفسه. فالمنظمات الحقوقية تعيش على رأس مال واحد: المصداقية. وحين ينكسر هذا الرأس مال في قضية مركزية وحساسة مثل فلسطين، لا يبقى الخلل محصوراً في تقرير واحد، بل يمتد إلى كل تقرير لاحق. إن حديث موظفين عن "استثناء إسرائيل" ليس مجرد اتهام عابر، بل تشخيص لمعضلة أوسع: خوف المؤسسات من كلفة الحقيقة حين تمسّ حلفاء أقوياء. وهذا الخوف، إن تُرك بلا مساءلة داخلية شفافة، يفرغ الخطاب الحقوقي من معناه، ويحوّل الدفاع عن الضحايا إلى معركة داخلية ضد البيروقراطية والتوازنات قبل أن يكون مواجهة مع الجناة.
المصدر:
القدس