آخر الأخبار

معبر رفح.. منح دراسية معلّقة وآلاف الطلبة ينتظرون حلمهم المؤجل

شارك

الحدث - مثنى النجار

لا يمثل إغلاق معبر رفح في وجه طلبة قطاع غزة مجرد إجراء حدودي أو عائقٍ لوجستي عابر، بل هو عملية "إعدام أكاديمي" ممنهجة لطموحات جيلٍ بأكمله. فخلف تلك البوابات المغلقة، لا تضيع فقط المنح الدراسية والمقاعد الجامعية، بل تتبدد استراتيجيات الصمود التي يتخذها الفلسطيني من التعليم سلاحاً وحيداً للبقاء في ظل محاولة الاحتلال إبادة المنظومة التعليمية في قطاع غزة.

إن تحويل حق التنقل والتعلم إلى "ورقة مساومة" سياسية أو ذريعة أمنية، وضع أكثر من 1500 طالب وطالبة في مواجهة "فراغٍ زمني" قاتل؛ حيث تتآكل الفرص مع كل يوم تأخير، وتتحول أوراق القبول الجامعي من تذاكر عبور نحو النجاة إلى وثائق تثبت حجم الخذلان الدولي. في غزة اليوم، لم يعد المعبر فاصلاً جغرافياً فحسب، بل صار جداراً عازلاً يفصل بين جيلٍ يسابق الزمن لاقتناص مستقبله، وواقعٍ مرير يسعى لتجميد هذا المستقبل عند نقطة الصفر.

وفي ظل الإجراءات الإسرائيلية والحصار الخانق؛ لم يعد إغلاق معبر رفح مجرد إجراء أمني أو قرار سياسي مؤقت، بل تحوّل إلى أزمة إنسانية وتعليمية خانقة، تهدد مستقبل جيلٍ كامل من طلبة قطاع غزة. فمع استمرار إغلاق المعابر، يقف آلاف الطلبة، الذين حصلوا على منح دراسية رسمية وموافقات جامعية في الخارج، عاجزين عن مغادرة القطاع، في انتظارٍ مفتوح قد يفضي إلى فقدان فرصهم التعليمية وضياع سنوات من أعمارهم.

بالنسبة لهؤلاء الطلبة، لا تمثل المنحة الدراسية مجرد شهادة أكاديمية، بل نافذة نجاة من واقع الحرب والحصار، وبوابة أمل لبناء مستقبل آمن، لأنفسهم ولعائلاتهم بعد معاناة مريرة مروا بها خلال حرب الإبادة، إلا أن هذا الأمل يصطدم ببوابة مغلقة، تُعلّق الأحلام وتحوّل الطموح إلى قلق يومي.

حلم مؤجل والسبب.. إغلاق معبر رفح

تعد الطالبة نغم أبو غالي واحدة من آلاف الطلبة الذين استكملوا جميع إجراءات السفر، وحصلوا على موافقات رسمية لاستكمال تعليمهم خارج قطاع غزة.

تقول أبو غالي إنها تنتظر، أسوة بزملائها، لحظة فتح المعابر، مؤكدة أن استمرار الإغلاق لا يجمّد مستقبلها الأكاديمي فحسب، بل يهدد بضياع منحة انتظرتها لسنوات.

وتؤكد أبو غالي أن التعليم حق أساسي، لا يجب أن يكون ضحية للظروف السياسية، متمنية أن يُسمح لها بمغادرة القطاع في أقرب وقت، قبل أن تفقد جامعتها الخارجية صبرها وتلغي قبولها.

التعليم كوسيلة للبقاء

أما الطالبة ضحى عدنان عكاشة (28 عامًا) تختصر حجم المأساة التي يعيشها طلبة غزة، لا سيما النساء والأمهات. فضحى، القادمة من معسكر جباليا شمال القطاع، وجدت نفسها نازحة في مخيم المغازي بعد استشهاد زوجها أمجد زهير عكاشة وطفلتها ذات الخمس سنوات، لتتحمل مسؤولية ثلاث طفلات: سيلا، حنان، وشام.

ورغم الفقد والنزوح، أصرت على مواصلة تعليمها، وحصلت على منحة دراسية كاملة في جامعة إسبانية، وتقول ضحى إن هذا القبول لم يكن إنجازًا شخصيًا بل فرصة لإنقاذ مستقبل أبنائها، وبدء حياة جديدة بعيدًا عن الخوف والقصف والجوع.

وتضيف أن وجود عائلتها في إسبانيا كان سيمنحها شبكة أمان ودعم، وفرصة للعمل والدراسة وتأمين حياة كريمة لأطفالها، إلا أن إغلاق معبر رفح المنفذ الوحيد للفلسطينيين في غزة نحو العالم، أبقاها عالقة في غزة، مثقلة بالفقد والمسؤولية، تحمل في يدها أوراق قبول جامعي لا تستطيع الوصول بها إلى الجامعة.

وتخاطب ضحى ضمير العالم، مؤكدة أن التعليم حق، وأن إنقاذ فرصة واحدة قد يحمي عائلة كاملة من الضياع.

تدرس بانتظار الإجلاء

من شمال غزة، يروي زيد الحليمي معاناة شقيقته رهف (19 عامًا)، الطالبة في السنة الأولى تخصص طب الأسنان، ويشرح زيد كيف تنقلت العائلة بين مناطق القطاع في رحلة نزوح قاسية شملت خانيونس ورفح ومواصي خانيونس، قبل العودة إلى غزة.

ورغم حصول رهف على منحة دراسية خارج القطاع، حال إغلاق معبر رفح دون سفرها، ما اضطرها للالتحاق بجامعة الأزهر مؤقتًا، حتى لا تضيع سنواتها الدراسية سدى.

ويضيف زيد أن شقيقه الأكبر استشهد خلال الحرب، وكان بمثابة صديق مقرب، وأن الاستمرار في التعليم بات شكلًا من أشكال التمسك بالحياة، رغم الظروف القاسية. ويؤكد أن رهف، مثل مئات الطلبة، تعيش حالة انتظار مؤلمة، بين حلم مؤجل وواقع لا يرحم.

الحرب والحصار أضاعا عامين من التعليم

أما الطالب صابر أبو تيم، فيحمل قصة انتظار طويلة بدأت قبل الحرب، ففي السابع من حزيران/يونيو 2023، حصل على شهادة البكالوريوس من جامعة محمد بوضياف في الجزائر، وكان يستعد لمرحلة جديدة من حياته الأكاديمية. لكن دخول والدته المستشفى بحالة خطيرة دفعه للعودة سريعًا إلى غزة، عودة إنسانية ظنّها مؤقتة، قبل عودته، أنجز صابر جميع إجراءات استكمال دراسته في الجزائر، على أمل العودة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، إلا أن اندلاع الحرب وإغلاق معبر رفح حوّلا المؤقت إلى انتظار طويل.

يؤكد صابر أن عامين دراسيين ضاعا بالكامل، ليس بسبب تقصير أو فشل، بل نتيجة الحصار المشدد، مضيفًا أن الحل الوحيد الذي سمعه مرارًا كان: “فتح المعبر” الذي لم يفتح.

وخلال هذه الفترة، لم يعش هو وعائلته انتظار السفر فقط، بل عايشوا الموت اليومي كباقي المواطنين في غزة، و النزوح أربع عشرة مرة ، وتدمير منزلهم بشكل كامل، إلى جانب المجاعة ونقص الدواء والخوف المستمر.

وبين أوراق القبول الجامعي وحقائب السفر التي لم تُفتح، يقف طلبة غزة عالقين في فراغ قاسٍ، لا حرب تنتهي ولا معابر تُفتح، وإغلاق معبر رفح لم يوقف حركة السفر فقط، بل علّق مستقبل جيل كامل يرى في التعليم حقًا أساسيًا وطوق نجاة أخير. وفي الوقت الذي تُعلّق فيه إسرائيل إغلاق معبر رفح تحت ذرائع أمنية متكررة واهية، يدفع طلبة غزة الثمن الأكبر، حيث يتحول هذا الإغلاق إلى أداة عقاب جماعي. ومع كل يوم يمر، تتآكل الفرص، وتتبدد المنح.

وخلال عام 2025؛ دمر الاحتلال الإسرائيلي 30 مؤسسة تعليمية تدميراً كلياً، و39 تدميراً جزئياً، كما تضرر 95% من مدارس قطاع غزة، بالإضافة إلى استشهاد أكثر من 1,000 طالب في عام 2025 وحدة، وحرمان 785,000 طالب من حقهم في التعليم، وكذلك استشهاد 88 معلماً و45 أكاديمياً وباحثاً كذلك خلال العام الماضي.

ووفق المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة (إحصائية نشرت في أكتوبر 2025 تشمل عامين من حرب الإبادة)؛ فإن أكثر من 95% من مدارس قطاع غزة لحقت بها أضراراً مادية نتيجة القصف والإبادة. وأكثر من 90% من المباني المدرسية تحتاج إلى إعادة بناء أو تأهيل رئيسي، و668 مبنى مدرسياً تعرض لقصف مباشر ونحو 80% من إجمالي المدارس.

وأشار في بيان سابق، إلى أن 165 مدرسة وجامعة ومؤسسة تعليمية دمرها الاحتلال كلياً، و392 مدرسة وجامعة ومؤسسة تعليمية دمرها الاحتلال جزئياً، وأكثر من 13,500 طالب قتلهم الاحتلال الإسرائيلي، وأكثر من 830 معلماً وكادراً تربوياً قتلهم الاحتلال الإسرائيلي خلال الحرب، بالإضافة إلى أكثر من 193 عالماً وأكاديمياً وباحثاً قتلهم الاحتلال الإسرائيلي خلال الحرب.

وتشير الأرقام المفزعة التي خلفتها حرب الإبادة في عام 2025، إلى أن استهداف المنظومة التعليمية ليس أثراً جانبياً للحرب، بل هو جوهر استراتيجية الاحتلال الساعية لتجهيل المجتمع الفلسطيني وكسر إرادة النهوض لديه. وفي هذا السياق، يتحول معبر رفح الموصد من مجرد نقطة حدودية إلى أداة تكميلية لهذا المخطط؛ فكل يوم يمر والطلبة عالقون خلف بوابته، هو يومٌ إضافي من الإبادة التعليمية التي تلتهم أحلام نغم وضحى وصابر وغيرهم من آلاف العقول التي ترفض الاستسلام لواقع الركام.

كما يؤكد مختصون، أن بقاء هؤلاء الطلبة رهائن للذرائع الأمنية الواهية، بينما تحمل حقائبهم أوراق قبول من جامعات العالم، يمثل وصمة عار في جبين منظومة حقوق الإنسان الدولية التي تقف عاجزة عن تأمين ممرٍ آمن للفلسطينيين في قطاع غزة الذي يعتبر أهله التعليم الذخيرة الحقيقية للبقاء، لذا، لم يعد "فتح المعبر" مجرد مطلب إنساني، بل هو ضرورة قصوى لإنقاذ جيلٍ كامل من الضياع، وضمان ألا تتحول منحهم الدراسية إلى مجرد ذكريات مؤلمة في أرشيف الحرب.

الحدث المصدر: الحدث
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا