آخر الأخبار

التحشيد ضد إيران.. رسائل سياسية أمريكية بأدوات عسكرية

شارك

د. إبراهيم فريحات: الهدف لهذه التحركات الضغط السياسي والنفسي لتحسين شروط التفاوض مع إيران وليس الذهاب تلقائياً لخيار الحرب
د. رائد الدبعي: المؤشرات السياسية والعسكرية لا تدل على اقتراب حرب شاملة مع إيران بل على إدارة الصراع ضمن مستويات محسوبة من التصعيد
عدنان الصباح: الولايات المتحدة تسعى إلى تطويق إيران عبر محيطها الإقليمي بتحريض أطراف مختلفة ضدها ومحاولات تفتيت دول مجاورة
د. حسن أيوب: إخضاع إيران دون حرب شاملة يبقى قائماً في ظل حالة التحشيد السياسي والعسكري عبر الأطلسي وضعف ردود الفعل الدولية
د. رائد أبو بدوية: ما يجري ليس تمهيداً لحرب كبرى بل إدارة توتر مدروسة تحقق للولايات المتحدة أقصى فائدة سياسية بأدنى كلفة عسكرية
داود كُتّاب: ما يجري ضمن سياسة الضغط القصوى لتحسين شروط التفاوض مع طهران وربما التوصل لصيغة قريبة من الاتفاق النووي السابق



رام الله - خاص بـ"القدس"-

تشهد المنطقة في الآونة الأخيرة تصاعداً لافتاً في التحركات العسكرية الأمريكية، شمل إرسال بوارج حربية، ونقل أسلحة، وارتفاع نبرة الخطاب السياسي للرئيس الأمريكي دونالد ترمب الملوّح بالخيار العسكري ضد إيران، ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات واسعة حول طبيعة هذه التحركات وما إذا كانت تمهيداً لحرب مفتوحة أم جزءاً من لعبة ضغط سياسية أكثر تعقيداً.
وتتقاطع قراءات عدد من الخبراء والمحللين السياسيين وأساتذة الجامعات في أحاديث منفصلة مع "ے"، عند اعتبار أن هذه التحركات لا يمكن فصلها عن سياق إدارة الصراع مع طهران، حيث يُنظر إلى الحشد العسكري والتصعيد الإعلامي باعتبارهما أدوات تفاوضية تهدف إلى تحسين شروط التفاوض، وردع الخصم، وإبقائه تحت ضغط دائم، دون الانجرار بالضرورة إلى مواجهة عسكرية شاملة ذات كلفة إقليمية ودولية مرتفعة.
في المقابل، تتباين التقديرات حول السيناريوهات المحتملة، بين من يرجّح استمرار سياسة الاحتواء والتصعيد المُدار، ومن لا يستبعد توجيه ضربات محدودة وموجعة ضمن سقف سياسي وعسكري مضبوط، وبين من يرى أن واشنطن تعمل على إدارة شبكة أوسع من النزاعات الإقليمية والدولية لخدمة أهدافها الاستراتيجية، في إطار صراع طويل الأمد يتجاوز إيران ليطال شكل النظام الدولي وتوازناته.

أدوات عسكرية لإدارة التفاوض

يوضح أستاذ النزاعات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا، د. إبراهيم فريحات، أن إرسال البوارج البحرية الأمريكية إلى المنطقة، ونقل الأسلحة، وتصاعد الخطاب السياسي الملوّح بالخيار العسكري ضد إيران، لا يعني بالضرورة اقتراب توجيه ضربة عسكرية، مؤكداً أن هذه التحركات تندرج أساساً ضمن أدوات العملية التفاوضية وليست مؤشراً حتمياً على اندلاع مواجهة عسكرية.
ويشير فريحات إلى أن ما يجري على صعيد التحضيرات العسكرية والتصريحات التصعيدية يُفهم في إطار ما يُعرف بـ"التلويح باستخدام القوة"، وهو أسلوب شائع في إدارة التفاوض الدولي، وغالباً ما يكون أكثر فاعلية من الاستخدام الفعلي للقوة.
ويبيّن أن الهدف من هذه التحركات هو الضغط السياسي والنفسي لتحسين شروط التفاوض مع إيران، وليس الذهاب تلقائياً إلى خيار الحرب.
ويشير فريحات إلى أن التلويح بالقوة يشكّل جزءاً أساسياً من العملية التفاوضية الجارية بين واشنطن وطهران، والتي تتمحور، بحسب الرؤية الأمريكية، حول جملة من الملفات، في مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، والبرنامج الصاروخي، إضافة إلى الجوانب الاقتصادية، وما يمكن أن تحققه الولايات المتحدة من مكاسب اقتصادية في حال التوصل إلى تفاهمات أو اتفاقات.

الحسم في اللحظات الأخيرة

ويؤكد فريحات أن قرار توجيه ضربة عسكرية من عدمه لا يُتخذ في المراحل المبكرة، بل يُحسم عادة في اللحظات الأخيرة جداً، وقد يكون قبل دقائق أو ساعات قليلة من بدء أي عملية محتملة.
ويلفت إلى أن المفاوضات تبقى مفتوحة ومستمرة حتى آخر لحظة، بالتوازي مع الجاهزية العسكرية الكاملة، بحيث تظل جميع الخيارات مطروحة إلى أن يُتخذ القرار النهائي من قمة هرم صنع القرار.
ويوضح فريحات أن التحضير العسكري، من وضع الخطط ونقل الأسلحة وتجهيز القوات، هو مسار مستمر بطبيعته، ويخدم هدف التلويح باستخدام القوة، دون أن يعني بالضرورة نية استخدامها فعلياً.
ويشير فريحات إلى أنه أن حتى القيادة الأمريكية نفسها، بما في ذلك الرئيس الأمريكي، لا تكون قد حسمت خيار الضربة من عدمه في هذه المرحلة، بل تبقى تتلقى التقارير والتقييمات والخيارات المختلفة إلى أن يُتخذ القرار في اللحظة الأخيرة.

عمل عسكري محدود

وفيما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة، يرجّح فريحات أنه في حال جرى اللجوء إلى عمل عسكري، فسيكون محدوداً من حيث الزمن والنطاق، انسجاماً مع نمط الإدارة الأمريكية الحالية، التي لا تميل إلى الانخراط في حروب طويلة الأمد أو مشاريع "بناء الدول" و"بناء الأمم".
ويوضح فريحات أن أي ضربة محتملة ستكون قصيرة المدى، قد تستمر لساعات أو أيام، ولها بداية ونهاية واضحتان.
ويشير إلى أن إيران، بوصفها الطرف الأضعف في هذه المعادلة، غالباً ما تتوقف عن التصعيد عند توقف الجانب الأمريكي، وأن أي ردود إيرانية محتملة ستكون محدودة وموجهة نحو أهداف عسكرية بعينها، مثل قواعد عسكرية في المنطقة، مع تأثير محدود لا يرتقي إلى مستوى حرب إقليمية شاملة.
ويوضح فريحات أن ضعف حلفاء إيران الإقليميين في المرحلة الراهنة، مثل حزب الله وحماس، يقلل من احتمالات توسع الصراع، ويعزز التقدير بأن أي مواجهات عسكرية محتملة، إن وقعت، ستبقى ضمن حدود ضيقة ومحسوبة، دون الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة.

الحرب الهجينة ومحاولة إضغاف النظام

يعتقد أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية، د. رائد الدبعي، أن الولايات المتحدة لا تتجه نحو خوض حرب تقليدية شاملة مع إيران، بل تدير فعلياً صراعاً طويل الأمد يقوم على منطق الحرب الهجينة، الهادفة إلى استنزاف النظام الإيراني واحتواء سلوكه الإقليمي والنووي، دون السعي إلى إسقاطه بالقوة العسكرية المباشرة.
ويوضح الدبعي أن هذا الخيار الأمريكي يستند إلى إدراك عميق لطبيعة النظام الإيراني، الذي يتمتع ببنية أمنية شديدة التماسك، تسيطر على مفاصل القرار السياسي والأمني والاقتصادي في آن واحد.
ويشير الدبعي إلى أن مراكز القوة في إيران، وعلى رأسها الحرس الثوري، لا تعمل بوصفها أجهزة أمنية فقط، بل تمثل "دولة داخل الدولة"، تمتلك نفوذاً اقتصادياً واسعاً مكّن النظام من بناء اقتصاد موازٍ، قادر على الالتفاف على العقوبات والاستمرار في ظل الضغوط المتراكمة.
ويبيّن الدبعي أن صانع القرار الأمريكي يدرك محدودية الرهان على التغيير الداخلي في إيران، في ظل واقع معارضة تعاني من انقسام بنيوي حاد، وتفتقر إلى قيادة جامعة أو مشروع سياسي بديل متماسك.
ويشير الدبعي إلى أن المعارضة الإيرانية، رغم حضورها الإعلامي والسياسي، لم تنجح حتى الآن في امتلاك أدوات ضغط فعّالة، مثل إضرابات عامة طويلة الأمد أو عصيان مدني شامل، يمكن أن يشلّ مؤسسات الدولة أو يكسر القبضة الأمنية للنظام، ما يجعل سيناريو التغيير الداخلي السريع غير واقعي من المنظور الأمريكي.
ويشير إلى أن الولايات المتحدة اختارت توسيع نطاق الحرب الهجينة ضد إيران، عبر مزيج من العقوبات المالية المركّزة، والضغط الدبلوماسي، والحرب السيبرانية، وحرب المعلومات، إلى جانب استخدام ساحات إقليمية غير مباشرة لرفع كلفة السلوك الإيراني، دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
ويلفت الدبعي إلى أن هذه الاستراتيجية لا تستهدف إسقاط النظام، بل إضعاف قدرته على الحركة، وتقييد نفوذه الإقليمي، وإبقائه تحت ضغط دائم وممنهج.
ويؤكد الدبعي أن واشنطن تأخذ في الحسبان امتلاك إيران قدرات ردع غير تقليدية، تتيح لها خلق مستويات عالية من عدم الاستقرار، سواء عبر التهديد بالمضائق البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، أو التأثير في حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة، أو من خلال شبكاتها الإقليمية.
ويشير الدبعي إلى أن البيئة الإقليمية لا تبدو مهيّأة لحرب حاسمة؛ فإسرائيل، رغم خطابها التصعيدي، قد لا تكون مستعدة لحرب طويلة ومتعددة الجبهات، في حين لا تُظهر دول الخليج رغبة في مواجهة عسكرية مفتوحة قد تهدد أمنها الاقتصادي واستقرارها الداخلي.

مستويات محسوبة من التصعيد

وفي قراءته للسيناريوهات المحتملة، يوضح الدبعي أن المؤشرات السياسية والعسكرية لا تدل على اقتراب حرب شاملة مع إيران، بل على إدارة الصراع ضمن مستويات محسوبة من التصعيد.
ويعتبر الدبعي أن السيناريو الأول وهو الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار سياسة الاحتواء والتصعيد المُدار، حيث تواصل الولايات المتحدة رفع مستوى الضغط العسكري والاقتصادي والسياسي، مع تجنب المواجهة المباشرة، بهدف ردع إيران وتغيير سلوكها، مع الإبقاء على قنوات اتصال غير مباشرة لمنع الانفجار.
أما السيناريو الثاني، وفق الدبعي، فيتمثل في ضربة محدودة أو انتقائية، سيبرانية أو عسكرية دقيقة، في حال حدوث تطور تعتبره واشنطن تجاوزاً للخطوط الحمراء، كتصعيد نووي نوعي أو استهداف مباشر لمصالح أمريكية أو إسرائيلية.
ويرى الدبعي أن هذا النوع من الضربات لا يهدف إلى تغيير النظام، بل إلى إعادة ضبط ميزان الردع، وإرسال رسالة سياسية محسوبة، مع الحرص على احتواء أي رد إيراني.
ويشير الدبعي إلى أن السيناريو الثالث يقوم على تصعيد أفقي غير مباشر تقوده إيران، عبر أدواتها الإقليمية أو التلويح باستهداف الملاحة الدولية والطاقة، دون مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، بما يعكس منطق الرد الإيراني التقليدي القائم على توسيع ساحة الصراع ورفع كلفته على الخصوم.
ويعتقد الدبعي أن سيناريو المواجهة المفتوحة يبقى الأقل ترجيحاً، نظراً لإدراك جميع الأطراف أن كلفة الحرب الشاملة ستكون باهظة وغير قابلة للضبط، مرجحاً استمرار أزمة طويلة الأمد تُدار بأدوات هجينة تجمع بين الضغط الاقتصادي، والاستنزاف السياسي، والردع العسكري المحدود، وصراع الإرادات، دون حسم عسكري نهائي.

عسكرة العالم

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح أن الولايات المتحدة، منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، تتجه بشكل متسارع نحو عسكرة العالم، وتسعى إلى تحقيق أهدافها الاستراتيجية عبر استغلال الأزمات والنزاعات في مختلف مناطق الكرة الأرضية، مشيراً إلى أن واشنطن تعمل على تحويل البحار والممرات الدولية إلى مناطق عسكرية خاضعة لنفوذها.
ويوضح الصباح أن الولايات المتحدة عمدت خلال الفترة الماضية إلى عسكرة المحيط الأطلسي، والبحر الأبيض المتوسط، والمحيط الهندي، والبحر الأسود، إضافة إلى توظيف الحرب على غزة كمدخل لتعزيز وجودها العسكري البحري، في إطار مخطط أوسع يهدف إلى تحويل العالم إلى شبكة من القواعد العسكرية الأمريكية، ليس فقط في سياق المواجهة مع إيران، بل للسطو على مناطق النفوذ العالمية كافة.
ويشير الصباح إلى أن واشنطن تستغل كل حدث وكل توتر إقليمي لإشعال النزاعات وتحويل المناطق المختلفة إلى بؤر صراع، لافتاً إلى أنها تسعى لصناعة نزاعات بينية داخل الأقاليم نفسها، كما تحاول فعله في الصراع الروسي–الأوكراني، من خلال تحويله إلى صراع بين شرق أوروبا وغربها.
ويلفت الصباح إلى أن الولايات المتحدة تؤجج أيضاً التوتر في بحر الصين الجنوبي عبر تايوان والدول المحيطة بالصين، وكذلك تحرض الأرجنتين ضد الصين، وتحرض دولاً مثل اليابان وكوريا الجنوبية، بما يخدم استراتيجيتها في استنزاف القوى الكبرى.
ويبيّن الصباح أن واشنطن لا تعمل على إخماد النزاعات، وإن تدخلت أحياناً لتهدئة بعضها، فإن ذلك يكون مؤقتاً ووفق حسابات مصالحها، كما حدث في بعض النزاعات بين الهند وباكستان، أو بين تايلاند وكمبوديا.
ويشير الصباح إلى استمرار إشعال الولايات المتحدة أو تغذيتها لنزاعات أخرى، مثل النزاع بين مصر وإثيوبيا، والصراعات في اليمن والعراق والسودان، بهدف إضعاف الجميع والسيطرة لاحقاً على مخرجات هذه الصراعات.

صناعة الحروب بين الأطراف المختلفة

وفيما يخص إيران، يؤكد الصباح أن الولايات المتحدة لن تذهب إلى حرب مباشرة معها ما لم تتوفر لها فرصة داخلية مناسبة، تتمثل في فعل داخلي إيراني وقوى قادرة على التأثير يمكن لواشنطن دعمها والارتكاز عليها.
ويلفت الصباح إلى أن السياسة الأمريكية تقوم على صناعة الحروب بين الأطراف المختلفة، ثم التدخل في اللحظة المناسبة لفرض السيطرة، كما فعلت في سوريا، حين تركت أطراف الصراع تستنزف بعضها قبل أن تتدخل وتفرض ما تريد.
ويعتقد الصباح أن الولايات المتحدة تسعى إلى تطويق إيران عبر محيطها الإقليمي، من خلال تحريض أطراف مختلفة ضدها، ومحاولات تفتيت دول مجاورة، والتوجه نحو أذربيجان، بما يجعل إيران محاطة بأطراف يمكن أن تشكل رأس حربة لتنفيذ الأهداف الأمريكية، في إطار استراتيجية طويلة الأمد لإدارة النزاعات لا خوضها مباشرة.

استراتيجية "السلام بالقوة"

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي والمختص بالشأن الأمريكي د. حسن أيوب أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب دخلت مرحلة جديدة ومتقدمة من تطبيق استراتيجية "السلام بالقوة"، مشيراً إلى أن الشعار التقليدي لترمب "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً" لم يعد سياسياً أو اقتصادياً فحسب، بل بات مقروناً باستخدام القوة الصلبة كأداة مركزية لتحقيق الأهداف الأمريكية.
ويوضح أيوب أن ما تشهده السياسة الأمريكية اليوم يمثل إعادة إنتاج واضحة لنهج المحافظين الجدد في عهد الرئيس الأسبق جورج بوش الابن، لكن مع اختلافين جوهريين؛ أولهما تجنب التورط في غزو عسكري مباشر وواسع للدول المستهدفة، وثانيهما التخلي عن الخطاب الليبرالي التقليدي الذي كان يبرر التدخلات تحت عناوين نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، لصالح خطاب صريح قائم على فرض الإرادة بالقوة.
ويبيّن أيوب أن هذه الاستراتيجية بدأت تتجسد عملياً في أمريكا الجنوبية، وخصوصاً في فنزويلا، قبل أن تتشعب حالياً في اتجاهين رئيسيين يهدفان إلى إحداث تغييرات جيوسياسية بعيدة المدى، حتى وإن جاءت على حساب الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة في أوروبا والشرق الأوسط.
ويتمثل الاتجاه الأول وفق أيوب، بمحاولة الاستيلاء على جزيرة غرينلاند، فيما يتمثل الاتجاه الثاني والأكثر خطورة بتوجيه ضربة عسكرية قاصمة لإيران.
ويشير أيوب إلى أن الهدف المركزي لهذه المقاربة هو ترسيخ نظام دولي يقوم على "القوة العارية" دون ضوابط أو قيود، في خطوة استباقية تهدف إلى عرقلة أو تأخير تشكل نظام دولي متعدد الأقطاب تكون فيه الصين وروسيا قوتين مقررتين.
ويعتقد أيوب أنه وفق هذا التصور، فإن إخضاع إيران، سواء عبر ضربة عسكرية واسعة أو من خلال التلويح الجدي بالقوة، يُعد شرطاً أساسياً لنجاح هذه الاستراتيجية الأمريكية.
ويلفت أيوب إلى أن السيناريو العسكري قد يتخذ شكل ضربة واسعة النطاق تُرافقها عمليات استخباراتية داخل إيران لإشعال حالة من الفوضى، بما يفضي إما إلى إعادة تشكيل النظام الإيراني بما يخدم المصالح الأمريكية، أو إلى تحويل إيران إلى دولة فاشلة.

إخضاع إيران دون حرب شاملة

وفي المقابل، يؤكد أيوب أن سيناريو إخضاع إيران دون حرب شاملة يبقى قائماً، في ظل حالة التحشيد السياسي والعسكري عبر الأطلسي ضد طهران، واستثمار واشنطن لضعف ردود الفعل الدولية على تجارب سابقة، مثل التعاطي مع الملف الفنزويلي.
ويشير أيوب إلى أن إدارة ترمب لا تُعير اهتماماً حقيقياً لحسابات ومخاوف حلفائها الإقليميين، لا سيما دول الخليج وتركيا، في مقابل تنسيق شبه كامل مع حليفها الأهم، إسرائيل.
ويعتبر أيوب أن تل أبيب هي المستفيد الثاني، وربما الأول، من أي تحرك أمريكي ضد إيران، في ظل تحوّل الدول المحيطة بها إلى كيانات مفككة أو دول فاشلة، ما يفتح المجال أمام هيمنة إسرائيلية طويلة الأمد على الإقليم.
ويشير أيوب إلى أن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول مكانة إسرائيل كقوة إقليمية كبرى، وربما دولية، تعكس هذا المسار، لافتاً إلى أن سعي تل أبيب لتعزيز استقلاليتها العسكرية عن واشنطن ينسجم مع أولوية إسرائيلية واضحة تتمثل في تحطيم إيران أو إسقاط نظامها، ما يعزز احتمالات توجيه ضربة عسكرية أمريكية، ويجعل السؤال المطروح لا يدور حول هل ستقع، بل متى، وما إذا كانت تطورات ما قد تحول دون حدوثها.

مناورة استراتيجية محسوبة

يؤكد أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية د. رائد أبو بدوية أن التهديدات الأمريكية المتصاعدة بشن حرب على إيران لا تعكس استعداداً فعلياً لحرب شاملة أو لضربة قاصمة تُسقط النظام الإيراني، بل تندرج في إطار مناورة استراتيجية محسوبة تهدف إلى تنفيذ ضربة موجعة ومحدودة، مدروسة التوقيت والأهداف، دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
ويوضح أبو بدوية أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تدرك جملة من الحقائق الاستراتيجية التي تجعل خيار إسقاط النظام الإيراني غير واقعي في المرحلة الراهنة، أبرزها غياب بديل سياسي جاهز يمكن التعويل عليه، وخطورة أي انهيار داخلي في إيران قد يفضي إلى فوضى إقليمية غير قابلة للضبط، إضافة إلى عدم استعداد الولايات المتحدة لتحمل الكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية لإعادة هندسة دولة بحجم إيران وتعقيداتها.
ويبيّن أبو بدوية أن الخيار الأمريكي المطروح يتمثل في توجيه ضربة قوية دون السعي إلى تغيير النظام، على نحو يعيد تثبيت الهيمنة الأمريكية، ويفرض سقفاً جديداً للسلوك الإيراني إقليمياً ونووياً، فضلاً عن توظيف هذه الضربة داخلياً في الولايات المتحدة وإسرائيل بوصفها دليلاً على الحزم والقدرة على فرض الردع.

حافة الحرب

ويعتبر أبو بدوية أن هذا النهج يعكس بوضوح سياسة "حافة الحرب" لا قرار الحرب، أي الاقتراب من المواجهة إلى أقصى حد ممكن دون القفز إلى الهاوية.
ويشير أبو بدوية إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في تنفيذ ضربة عسكرية أمريكية، أو أمريكية–إسرائيلية منسقة، ذات طابع محدود لكنها موجعة، تستهدف منشآت عسكرية حساسة، وبنى تحتية استراتيجية، وقدرات صاروخية أو سيبرانية محددة، على أن تكون عملية قصيرة زمنياً، بسقف سياسي واضح، دون إعلان حرب أو انخراط بري.
ويعتقد أبو بدوية أن هذه الضربة ستحمل رسائل متعددة الاتجاهات، لإيران بهدف كبح طموحاتها الإقليمية والنووية، وللعالم لتأكيد أن واشنطن لا تزال قادرة على فرض قواعد اللعبة، ولإسرائيل عبر دعم مباشر يخدم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في ظل حسابات داخلية وانتخابية.

الرد الإيراني المحسوب

ويتوقع أبو بدوية أن يكون الرد الإيراني محسوباً بدوره، عبر رد رمزي أو غير مباشر، ومن خلال أدوات ضغط إقليمية دون تجاوز الخطوط الحمراء، حفاظاً على توازن الردع ومنع الانزلاق إلى حرب شاملة.
ويؤكد أبو بدوية أن ما يجري لا يشكل تمهيداً لحرب كبرى، بل إدارة توتر مدروسة تحقق للولايات المتحدة أقصى فائدة سياسية بأدنى كلفة عسكرية، عبر إضعاف إيران دون إسقاطها، وضربها دون تحمل تبعات ما بعد الضربة، في ظل نظام دولي هش لا يحتمل انفجاراً واسع النطاق.

تحسين شروط التفاوض

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي داود كُتَّاب أن التهديدات التي يطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشن حرب على إيران، بالتوازي مع إرسال بوارج حربية إلى المنطقة، تعكس مستوىً عالياً من الجدية، لكنها لا تعني بالضرورة التوجه نحو حرب واسعة وشاملة في المرحلة الحالية.
ويوضح كُتَّاب أن الحشد العسكري الأمريكي يندرج في إطار سياسة الضغط القصوى، بهدف تحسين شروط التفاوض مع طهران، مرجحاً أن تسعى واشنطن وإيران إلى صيغة تفاهم قريبة من الاتفاق النووي السابق الذي مزّقه ترمب خلال ولايته الأولى، استجابة لضغوط إسرائيلية قادها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ويشير كُتَّاب إلى أن هذا الاتفاق قد يعود ليحتل موقعاً محورياً في أي مفاوضات مقبلة، مع إدخال تعديلات تتعلق ببرنامج الصواريخ الباليستية الإيراني إلى جانب الملف النووي.
ويبيّن كُتَّاب أن إيران، في ظل محدودية قدرتها على حماية أجوائها بشكل كامل، قد لا تكون على استعداد لتقديم تنازلات في ملف الصواريخ.
وفيما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة، يتوقع كُتَّاب زيادة مستوى الضغط العسكري الأمريكي لتحقيق اختراق تفاوضي، مع احتمال تنفيذ ضربة محدودة وسريعة لإثبات الجدية الأمريكية دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
ويعتقد كُتَّاب أن غالبية الدول العربية والإسلامية، إضافة إلى تيارات مؤثرة داخل الحزب الجمهوري، لا تؤيد خوض حرب قصيرة أو طويلة مع دولة لا تُعد في حالة عداء مباشر مع الولايات المتحدة، ما يعزز فرضية أن التصعيد الحالي يبقى ضمن حدود المناورة السياسية والعسكرية.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا