الحدث الفلسطيني
تقف القضية الفلسطينية اليوم أمام منعطف تاريخي يتجاوز البعد السياسي المعتاد، ليدخل في أتون معركة وجودية عنوانها البقاء الاقتصادي والإنساني. فمع إعلان انطلاق أعمال اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، والمعروفة إعلامياً بلجنة التكنوقراط، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام كيان إداري وُلد من رحم المعاناة، محاولاً لملمة جراح قطاع أنهكته سنتان من الحرب الطاحنة التي لم تبقِ حجراً على حجر، ولم تترك قطاعاً إنتاجياً إلا وحولته إلى ركام. هذه اللجنة، التي تبدأ مشوارها من العاصمة المصرية القاهرة، لا تحمل في حقيبتها مجرد خطط إدارية، بل تحمل آمال مليوني إنسان باتوا يعيشون في بيئة تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة الكريمة، وسط تركة ثقيلة من الانهيار الذي أعاد غزة عقوداً إلى الوراء.
اختبار الإرادة في زمن الانهيار الكبير
إن المشهد الذي تتصدى له لجنة التكنوقراط ليس مجرد أزمة اقتصادية عابرة، بل هو انهيار هيكلي شامل مسّ عصب الحياة اليومية. فالدراسات الميدانية والمؤشرات الرقمية ترسم صورة قاتمة للواقع الغزي؛ حيث بلغت معدلات البطالة مستويات فلكية تجاوزت حاجز السبعة وسبعين بالمئة خلال العام الجاري. هذا الرقم يعكس توقفاً شبه كامل للدورة الدموية في الاقتصاد المحلي، حيث بات تأمين لقمة العيش اليومية رحلة شاقة محفوفة بالمخاطر. وفي ظل هذا الانسداد، يبرز السؤال الجوهري حول قدرة مجموعة من الخبراء والمتخصصين على انتشال قطاع يعاني من شلل في قطاعاته الإنتاجية كافة، بدءاً من الإنشاءات التي انهارت بنسبة تكاد تكون مطلقة، وصولاً إلى النشاط الصناعي والخدماتي الذي تراجع إلى مستويات دنيا غير مسبوقة في التاريخ الحديث للقطاع.
المشهد الذي تتصدى له لجنة التكنوقراط ليس مجرد أزمة اقتصادية عابرة، بل هو انهيار هيكلي شامل مسّ عصب الحياة اليومية
ولا تقتصر التحديات على الأرقام الصماء، بل تمتد لتشمل التعقيدات الجيوسياسية التي تحكم حركة المعابر وتدفق المساعدات. فاللجنة الوطنية تبدأ مهامها في ظل استمرار إغلاق الشرايين الحيوية للقطاع، وتعثر الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، ما يجعل أي جهد إغاثي مرهوناً بمدى القدرة على اختراق جدار التعنت الأمني والسياسي الذي يفرضه الاحتلال. هذا الواقع يضع اللجنة أمام اختبار حقيقي لقدرتها على المناورة بين الاحتياجات الإنسانية الملحة والقيود الميدانية المفروضة، وهو ما يتطلب تنسيقاً دولياً وإقليمياً عالي المستوى يتجاوز مجرد الوعود اللفظية إلى الالتزامات العملية على أرض الواقع.
وعود دولية في ميزان التطبيق العملي
وأكد رئيس اللجنة، علي شعث، أن الانطلاقة الرسمية من القاهرة تهدف إلى بناء جسور من التنسيق مع القوى الإقليمية والدولي ة الفاعلة، مشيراً إلى تلقي اللجنة وعوداً بتقديم دعم مالي ضخم. هذه الوعود تمثل حجر الزاوية الذي ستقوم عليه جهود الإغاثة والإعمار، لكن التجربة التاريخية في غزة تجعل الشارع الغزي ينظر إلى هذه التعهدات بحذر مشوب بالأمل. فالتحول من إدارة الأزمة إلى إدارة التعافي يتطلب تدفقاً مالياً مستداماً ومنتظماً، لا يقتصر على المساعدات الغذائية العاجلة، بل يمتد ليشمل إعادة بناء البنية التحتية المدمرة، وإصلاح شبكات المياه والكهرباء التي باتت معطلة بشكل شبه كامل، مما يهدد الأمن الصحي والغذائي للسكان.
التحول من إدارة الأزمة إلى إدارة التعافي يتطلب تدفقاً مالياً مستداماً ومنتظماً
إن الانهيار الذي طال القطاع الزراعي، والذي فقد أكثر من 90% من قدرته الإنتاجية مقارنة بما قبل عامين، يضع اللجنة أمام مسؤولية استعادة السيادة الغذائية للقطاع. فالمزارع الغزي الذي فقد أرضه ومعداته يحتاج إلى أكثر من مجرد إعانات، إنه يحتاج إلى خطة شاملة لاستصلاح الأراضي وتوفير المدخلات الإنتاجية وفتح الأسواق. وفي ذات السياق، يبرز تعطل المصانع والمنشآت التجارية كعقبة كبرى أمام خلق فرص عمل جديدة، مما يعزز الحاجة إلى حلول مبتكرة لتحفيز القطاع الخاص الذي كان يوماً ما المشغل الأكبر للأيدي العاملة في غزة.
تحديات ميدانية وقيود تفرمل الطموحات
من جانبه، يرى المراقبون والمختصون في الشأن الأمني والإنساني أن العائق الأكبر أمام نجاح لجنة التكنوقراط يكمن في المماطلة المستمرة في تنفيذ بنود التهدئة الشاملة. فبدون فتح دائم ومنتظم لمعبر رفح، وبدون السماح بإدخال مواد البناء والآلات الثقيلة، ستبقى خطط الإعمار مجرد حبر على ورق. إن المطالبات بعقد مؤتمر دولي للإعمار تكتسب أهمية قصوى في هذا التوقيت، ليس فقط لحشد الموارد، بل لتوفير غطاء سياسي يحمي جهود اللجنة ويضمن عدم تعرض المنشآت المعاد بناؤها للتدمير مرة أخرى.
المطالبات بعقد مؤتمر دولي للإعمار تكتسب أهمية قصوى في هذا التوقيت، ليس فقط لحشد الموارد، بل لتوفير غطاء سياسي يحمي جهود اللجنة
وتشير الرؤى المهنية إلى أن قطاع الصحة يمثل الأولوية الأكثر إلحاحاً في الوقت الراهن، حيث يعاني النظام الصحي من تهالك شديد نتيجة الاستهداف المباشر ونقص الإمدادات الطبية. فالإصلاح التدريجي للمستشفيات والعيادات وتوفير الحد الأدنى من الخدمات الطبية يمثلان حجر الأساس لأي استقرار اجتماعي. كما أن الحديث عن التعافي الاقتصادي يبقى ناقصاً ما لم يتم معالجة أزمة السيولة النقدية وفتح البنوك واستبدال العملات التالفة، وهي قضايا تقنية دقيقة تقع في صلب مهام لجنة التكنوقراط التي تراهن على خبراتها الفنية لتجاوز هذه المعضلات المالية.
نحو خطة المئة يوم والعبور إلى المستقبل
وتتجه الأنظار الآن نحو ما يمكن تسميته "خطة المئة يوم" للإغاثة العاجلة، وهي الفترة التي ستحدد مدى مصداقية اللجنة وقدرتها على إحداث تغيير ملموس في حياة الناس. هذه الخطة يجب أن تركز على توفير المأوى المؤقت لعشرات آلاف العائلات التي فقدت منازلها، حيث تشير التقديرات إلى تدمير أكثر من خمسة وثمانين بالمئة من الوحدات السكنية. إن إدخال "الكرفانات" وتجهيز مراكز الإيواء بشكل إنساني يمثل خطوة حاسمة لمنع التهجير القسري والحفاظ على النسيج الاجتماعي داخل القطاع.
إضافة إلى ذلك، فإن إعادة تشغيل شبكات الكهرباء، حتى ولو عبر حلول مؤقتة مثل المولدات المتنقلة، سيعيد النبض للحياة اليومية وللمؤسسات الصغيرة. إن هذه الخطوات الصغيرة في ظاهرها، الكبيرة في تأثيرها، هي التي ستحدد مدى نجاح اللجنة في كسب ثقة الشارع الغزي الذي سئم الوعود وينتظر الأفعال. إن الاحتضان الوطني والسياسي الذي تحظى به اللجنة من الرئاسة الفلسطينية ومن عواصم عربية وأوروبية يوفر لها زخماً مهماً، لكن هذا الزخم يحتاج إلى ترجمة فورية في صورة قوافل مساعدات ومشاريع إعمار تبدأ فوراً ولا تنتظر تعقيدات المفاوضات السياسية الطويلة.
تجد لجنة التكنوقراط نفسها في سباق مع الزمن، ويبقى التحدي الأكبر هو تحويل غزة من ساحة حرب ومجاعة إلى ورشة عمل كبرى تعيد صياغة مستقبل المنطقة من بوابة البناء والتعافي.
المصدر: الحدث/ وكالات
المصدر:
الحدث