آخر الأخبار

غزة تهز المشهد الثقافي الأسترالي.. ما هي قضية راندة عبد الفتاح؟

شارك

تحول استبعاد الكاتبة الفلسطينية الأسترالية راندة عبد الفتاح من أسبوع الكتاب في مهرجان أديلايد 2026 إلى واحدة من أوسع الأزمات الثقافية التي شهدتها أستراليا في السنوات الأخيرة. انهارت الفعالية نفسها، وذلك عقب موجة انسحابات غير مسبوقة شملت مئات الكتاب والشخصيات الثقافية الدولية، واستقالة مجلس إدارة الجهة المنظمة. واضطرت إدارة المهرجان إلى إصدار اعتذار رسمي وتأجيل إعادة دعوة راندة عبد الفتاح إلى دورة 2027، في محاولة لاحتواء تداعيات الأزمة دون التراجع عن قرار الاستبعاد في دورة 2026.

راندة عبد الفتاح كاتبة وأكاديمية أسترالية من أصل فلسطيني، متخصصة في دراسات الإعلام والثقافة والسياسة، وتحمل درجة الدكتوراه في الإعلام والاتصال. وتعمل محاضرة جامعية وباحثة في قضايا العنصرية والاستعمار الاستيطاني والهوية وحرية التعبير. صدرت لها عدة أعمال أدبية، من أبرزها روايتا "هل يبدو رأسي كبيراً في هذا؟" (?Does My Head Look Big in This) وحينما التقى مايكل ومينا" (When Michael Met Mina)، بالإضافة إلى كتابها البحثي الأخير "الانضباط" (Discipline) عام 2025، الذي أثار نقاشًا واسعًا حول الرقابة المؤسسية. وتُعرف عبد الفتاح بمواقفها العلنية المناصرة لفلسطين والمنتقدة للسياسات الإسرائيلية، ما جعلها صوتًا بارزًا ومثيرًا للجدل في المشهد الثقافي الأسترالي.

بدأت الأزمة في 8 يناير/كانون الثاني 2026، عندما أعلن مجلس إدارة مهرجان أديليد إلغاء مشاركة الكاتبة راندة عبد الفتاح المقررة في أسبوع أديليد للكتاب، الذي كان من المقرر عقده في الفترة من 28 فبراير/شباط إلى 5 مارس/آذار 2026. وأوضح المجلس أنه بالنظر إلى تصريحاتها السابقة، فقد خلص إلى أن المشاركة "لن تكون مراعية للحساسيات الثقافية" بعد وقت قصير من هجوم بوندي في سيدني، وهو حادث طعن فردي وقع في مركز ويستفيلد (Westfield) التجاري في منطقة بوندي جانكشن (Bondi Junction) في أبريل/نيسان 2024، مؤكدًا في الوقت نفسه أنه لا يلمح إلى أي صلة بين عبد الفتاح أو كتاباتها والمأساة. وأثارت التبريرات المعلنة تساؤلات فورية لأنها جمعت بين منطقين: منطق خاص بالحدث (التوقيت بعد بوندي) ومنطق خاص بالمتحدثة (تصريحات سابقة). كما أشارت تقارير في أستراليا وعلى الصعيد الدولي إلى أن عبد الفتاح لطالما انتقدت السياسة الإسرائيلية علنًا، ودافعت بقوة عن القضية الفلسطينية، وهي مواقف وضعتها في قلب جدل متكرر حول الخطاب المتعلق بغزة في الأوساط الثقافية والأكاديمية.

في الوقت نفسه، أشارت تقارير متعددة إلى ضغوط من جهات مؤيدة لإسرائيل في المجتمع. وبحسب أسوشيتد برس، جاء قرار استبعاد راندة عبد الفتاح بعد أن تلقت إدارة مهرجان أديليد مذكرة من مجلس الجالية اليهودية في جنوب أستراليا عبّر فيها عن مخاوفه من استمرار دعوتها للمشاركة في البرنامج. واعتبر المجلس في خطابه أن ظهور الكاتبة المعروفة بمواقفها العلنية المنتقدة للسياسات الإسرائيلية قد لا يكون "مناسبا" في ظل المناخ المجتمعي المشحون الذي أعقب هجوم ساحل بوندي في سيدني، داعيا إلى إعادة النظر في مشاركتها من باب "الحساسية الثقافية". ورغم أن المجلس لم يربط رسميا بين عبد الفتاح والحادث، فإن طلبه شكل أحد العوامل التي استندت إليها الجهة المنظمة في تبرير قرار الاستبعاد، وهو ما أثار لاحقا انتقادات واسعة داخل الأوساط الأدبية، والتي رأت في الخطوة رضوخا لضغوط سياسية خارج الإطار الثقافي.

لم تكن القضية دعوة واحدة لحضور مهرجان، بل شكلت نمطًا أوسع نطاقًا من الرقابة على الخطاب المتعلق بغزة.

ردت راندة عبد الفتاح علنا بإدانة القرار ووصفته بالعنصرية المعادية للفلسطينيين، ومثالًا على كيفية تعامل المؤسسات مع فلسطين باعتبارها خطابًا "غير آمن" بشكل فريد. وفي سياق حديثها، لم تكن القضية دعوة واحدة لحضور مهرجان، بل شكلت نمطًا أوسع نطاقًا من الرقابة على الخطاب المتعلق بغزة، حيث يمكن أن تصبح "الحساسية" أداة للإقصاء بدلًا من الحماية.

كما حمل الخلاف المتعلق بالبرمجة مضمونًا أدبيًا، فقد كان من المقرر أن تتحدث عبد الفتاح عن كتابها الجديد "الانضباط" الذي نُشر عام 2025، والذي يتناول السياسة الأسترالية المعاصرة والتداعيات العاطفية والمدنية للصراعات العالمية، بما في ذلك غزة، من خلال التجربة المعيشية للمجتمعات المسلمة والعربية.

في غضون أيام، تصاعد الجدل من مجرد انتقادات إلى مقاطعة جماعية. وبحلول 13 يناير/كانون الثاني الجاري، انسحب نحو 180 كاتبًا ومتحدثًا من أسبوع الكتاب، وفقًا لوكالة رويترز وتقارير أخرى، مما جعل استمرارية الحدث موضع شك. وأدّى قرار استبعاد راندة عبد الفتاح إلى سلسلة انسحابات غير مسبوقة من شخصيات ثقافية بارزة، حوّلت الأزمة إلى حدث وطني ودولي في آن واحد. فقد أعلنت رئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة جاسيندا أردرن انسحابها من المشاركة، معتبرة أن القرار يقوّض القيم التي يُفترض أن تحكم الفضاءات الثقافية المفتوحة بحسب صحيفة الغارديان. كما انسحبت الكاتبة البريطانية زادي سميث في خطوة اعتبرت مؤشرًا على اتساع رقعة الاحتجاج خارج أستراليا، طبقًا لوكالة رويترز. وعلى المستوى المحلي، أعلنت الروائية الأسترالية الحائزة جوائز ميشيل دي كريستر إلى جانب الشاعرة إيفلين أرالون والكاتبة كلوي هوبر مقاطعة الفعالية تضامنًا مع عبد الفتاح ورفضًا لما وصفته بتسييس غير معلن للمؤسسات الأدبية. كما انسحب الروائي الأسترالي المعروف ترنت دالتون من فعالية مدفوعة ضمن البرنامج، في رسالة رفض لتحويل "الحساسية الثقافية" إلى أداة إقصاء.

وضم حشد المنسحبين أسماء ذات ثقل سياسي وثقافي، ساهم في تعميق الأزمة، ودفعها من إطار خلاف إداري إلى مواجهة مفتوحة حول استقلال الثقافة وحدود التعبير عن غزة داخل المؤسسات الرسمية. وكان من المقرر أن تحيي فرقة "بالب" البريطانية حفلا في مهرجان أديليد، لكنها أعلنت مقاطعة المهرجان، ثم تراجعت عن قرارها بعد الاعتذار والتغييرات الإدارية، في إشارة أخرى إلى أن الجدل قد تحول إلى قضية سمعة دولية، وليس مجرد خلاف محلي حول البرمجة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا