في تطور سياسي لافت يتعلق بمستقبل إدارة قطاع غزة، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الخميس دعمه لما وصفه ب"حكومة التكنوقراط الفلسطينية المُشكلة حديثًا" في خطوة تعكس محاولة أميركية لإعادة ترتيب المشهد الإداري والسياسي في القطاع خلال مرحلة انتقالية معقدة. وأكد ترامب، عبر منصة تروث سوشيال، أنه يدعم اللجنة الوطنية لإدارة غزة، بوصفها هيئة تكنوقراطية تعمل تحت إشراف مجلس سلام دولي يرأسه شخصيًا، وتهدف إلى "إدارة شؤون القطاع بعيدًا عن الاستقطابات الفصائلية".
ويأتي هذا الإعلان في وقت عقدت فيه اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة اجتماعها الأول في القاهرة، بمشاركة أعضائها الخمسة عشر من التكنوقراط الفلسطينيين. ويرأس اللجنة علي شعث، نائب وزير سابق في السلطة الفلسطينية، فيما انضم إليها نيكولاي ملادينوف الذي يتولى الإشراف على عملها نيابة عن مجلس السلام. ويُنظر إلى هذه التشكيلة باعتبارها محاولة للجمع بين الخبرة الفلسطينية والإشراف الدولي، بما يمنح الإدارة الجديدة قدرًا من الشرعية السياسية والدعم الخارجي.
وتتكون اللجنة من الدكتور علي شعث الذي يشغل منصب رئيس اللجنة ويتولى ملفي الطاقة والنقل، بينما يتولى الدكتور بشير الريس الملف المالي، والدكتور جبر الداعور ملف التعليم، والدكتور عايد ياغي ملف الصحة. ويتولى رامي هلس مسؤولية الشؤون الدينية، والدكتور علي برهوم ملف المياه والبلديات، وعدنان أبو ورده ملف العدل والقضاء، وهناء طرزي ملف الشؤون الاجتماعية، وأسامة السيدواي ملف الأراضي والإسكان، وعبد الكريم عاشور ملف الزراعة، إضافة إلى إشراف الدكتور علي شعث مؤقتاً على ملفي الطاقة والنقل، وعمر شمالي ملف الاتصالات، وعايد أبو رمضان ملفات الاقتصاد والتجارة والصناعة، بينما يتولى حسني المغني الشؤون العشائرية، واللواء سامي نسمن ملف الشؤون الداخلية.
وبالتزامن مع ذلك، أعلن ترمب رسميًا عن تشكيل مجلس السلام، مشيرًا إلى أن أسماء قادة العالم المشاركين فيه ستُعلن قريبًا. ويُفترض أن يتولى المجلس الإشراف العام على المرحلة الانتقالية في غزة، وتنسيق الجهود الدولية الرامية إلى تخفيف الأزمة الإنسانية وإعادة بناء الهياكل الإدارية. ووفق معطيات دبلوماسية، يعمل ملادينوف مع أطراف إقليمية ودولية على إعداد حزمة إجراءات إنسانية عاجلة، يُراد منها دعم اللجنة منذ بدايتها وتعزيز قدرتها على العمل في بيئة شديدة التعقيد.
غير أن هذا المسار يواجه عقبات كبيرة، أبرزها الموقف الإسرائيلي المعارض. فبحسب تقديرات دبلوماسية، تعترض إسرائيل على السماح للجنة التكنوقراطية بالاستعانة بموظفين مدنيين سواء من حركة حماس أو من السلطة الفلسطينية، ما يخلق فراغًا إداريًا حقيقيًا. وينسحب هذا الاعتراض أيضًا على جهاز الشرطة، إذ ترفض إسرائيل أي دور لعناصر لها صلة بالسلطة الفلسطينية، ما يضع اللجنة أمام معضلة تشغيلية قد تقوض قدرتها على إدارة القطاع فعليًا.
ويأتي هذا التعنت في ظل علاقة شديدة التوتر بين حكومة بنيامين نتنياهو والسلطة الفلسطينية، حيث تتعامل تل أبيب مع السلطة بوصفها كيانًا معاديًا لا يختلف جوهريًا عن حركة حماس، وتحتجز مليارات الدولارات من أموالها بحجة التحريض. هذا الواقع يجعل أي دور للسلطة، حتى وإن كان محدودًا أو تقنيًا، موضع رفض إسرائيلي واسع.
في المقابل، يقر مسؤولون أميركيون بوجود معارضة إسرائيلية حتى لمشاركة السلطة الفلسطينية على مستويات منخفضة في إدارة غزة، إلا أنهم يرون أن هذه الإشكالية يمكن معالجتها خلال الأسابيع المقبلة. ويؤكد هؤلاء أن اجتماع القاهرة كان تمهيديًا بالأساس، وهدفه وضع الأسس العامة للعمل المستقبلي، وليس حسم جميع التفاصيل الخلافية.
وترى واشنطن أن هامش التفاؤل المتاح مرتبط بإمكانية إحراز تقدم ملموس في ملف نزع سلاح حركة حماس، إذ تعتقد أن أي تقدم من هذا النوع قد يدفع إسرائيل إلى إبداء قدر أكبر من المرونة حيال إشراك السلطة الفلسطينية في إدارة غزة. غير أن مسؤولين أمريكيين يقرّون في الوقت ذاته بأن الاتصالات المتعلقة بهذا الملف ما تزال في بداياتها، وأنها تواجه تحديات سياسية وأمنية معقدة تجعل مسارها طويلًا وغير مضمون النتائج
كما تعكس مبادرة تشكيل حكومة تكنوقراط في غزة محاولة أميركية لإنتاج حل إداري يتجاوز الانقسام الفلسطيني التقليدي، لكنها تصطدم بواقع سياسي وأمني شديد التعقيد. فالتكنوقراط، مهما بلغت كفاءتهم، يحتاجون إلى بيئة تشغيلية مستقرة وإرادة سياسية داعمة. وفي ظل الرفض الإسرائيلي، وغياب توافق فلسطيني شامل، تبدو هذه الحكومة مهددة بالتحول إلى إطار شكلي ما لم تُترجم الوعود الدولية إلى التزامات عملية واضحة.
وعلى صعيد دولي أوسع، تشير المعطيات إلى أن اللجنة الوطنية لإدارة غزة قد تحظى بهامش أوسع للعمل بعد الإعلان الرسمي عن مجلس السلام. وتسعى الولايات المتحدة إلى الكشف عن تشكيلته خلال الأسبوع المقبل على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. وتُطرح أسماء دول كبرى وإقليمية للانضمام إلى المجلس، مع توجه أميركي لملء بعض المقاعد بشخصيات قيادية من مؤسسات مالية دولية، في محاولة لمنح المجلس ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا.
ورغم الحديث عن استجابة إيجابية من عدد من الدول المدعوة، إلا أن الجهود الأميركية لتوسيع عضوية المجلس لم تحقق النجاح المنشود حتى الآن. ومع ذلك، يؤكد مسؤولون أميركيون أن ترامب شارك شخصيًا في اختيار الأعضاء، وأن عملية توجيه الدعوات لاقت تجاوبًا مشجعًا، ما يعكس إصرارًا أميركيًا على المضي قدمًا في هذا المسار.
ويبقى نجاح أي إدارة جديدة في غزة مرهونًا بقدرتها على كسب ثقة السكان قبل نيل الاعتراف الدولي. فغزة تعاني إرثًا طويلًا من الأزمات، ولا يكفي تغيير الهياكل الإدارية دون معالجة جذور المشكلات الاقتصادية والأمنية. وإذا لم تُمنح اللجنة التكنوقراطية صلاحيات حقيقية وموارد كافية، فقد تتحول إلى تجربة عابرة أخرى، تُضاف إلى سلسلة مبادرات لم تلامس جوهر معاناة القطاع.
المصدر:
القدس