آخر الأخبار

نتنياهو والدعاية المقلوبة: حين تُبرر الإبادة ويُتهم العالم

شارك

واشنطن- سعيد عريقات


تحليل سياسي

في لحظة تاريخية يتداخل فيها الدم بالسياسة، والخراب بالدعاية، خرج بنيامين نتنياهو في مقابلة مطوّلة مع مجلة "الإيكونوميست" نُشرت يوم الجمعة 9 كانون الثاني، محاولاً إعادة تسويق نفسه وزعامته، لا فقط للإسرائيليين قبيل انتخابات عامة جديدة، بل للعالم الذي بات ينظر إلى إسرائيل بوصفها دولة منبوذة أخلاقياً أكثر منها "ديمقراطية محاصَرة"، كما يصرّ على تسميتها.

نتنياهو، الذي يستعد لخوض الانتخابات للمرة الثانية عشرة، ويطمح إلى ترسيخ رقمه القياسي كأطول رئيس حكومة في تاريخ إسرائيل، بدا في المقابلة أسير رواية واحدة يكررها بإصرار لافت: أن عزلة إسرائيل الدولية ليست نتاج حرب إبادة في غزة، ولا نتيجة احتلال عسكري واستيطان عنصري في الضفة الغربية والقدس، بل حصيلة "حرب دعاية" و"افتراءات" تقودها قوى معادية، مدفوعة – وفق منطقه – بكراهية قديمة لليهود.

هذا الخطاب، الذي يختزل مأساة إنسانية غير مسبوقة في مسألة علاقات عامة، يكشف انفصالاً عميقاً عن الواقع. فالعالم لم يشاهد "دعاية"، بل مدناً تُمحى عن الخريطة، ومستشفيات تُقصف، وأطفالاً يُنتشلون من تحت الركام. أكثر من سبعين ألف قتيل في غزة ليسوا رواية افتراضية ولا نتاج "بوتات Bots" إلكترونية، بل حقيقة موثقة نقلتها كاميرات الصحافة الدولية ومنظمات الأمم المتحدة وفرق الإغاثة.

ومع ذلك، يصرّ نتنياهو على أن إسرائيل تخوض معركة غير متكافئة في "حرب الوعي"، مستخدماً تشبيهات مثيرة للسخرية حين يقول إن بلاده تقاتل "بفرسان ضد طائرات إف-35" في ميدان الإعلام. هذا التوصيف لا يعبّر عن ظلم إعلامي، بل عن أزمة أخلاقية: فالدولة التي تمتلك واحداً من أقوى الجيوش في العالم، ودعماً سياسياً وعسكرياً غربياً واسعاً، تتقمص دور الضحية لأنها فشلت في تبرير قتل المدنيين.

الأخطر من ذلك، هو لجوء نتنياهو المتكرر إلى ورقة "معاداة السامية" كلما ضاقت به الحُجج. ففي المقابلة، أعاد إنتاج سردية تاريخية عن اضطهاد اليهود في أوروبا الوسطى، ليخلص إلى أن الانتقادات الموجهة لإسرائيل اليوم ليست سوى امتداد لتلك الكراهية. هذا الخلط المتعمّد بين اليهود كجماعة دينية أو ثقافية، وبين دولة تمارس الاحتلال والقوة العسكرية، لا يسيء فقط إلى الحقيقة، بل يسيء أيضاً إلى ضحايا معاداة السامية أنفسهم، حين تُستغل معاناتهم لتبرير جرائم معاصرة.

فالنقد العالمي لإسرائيل اليوم لا يستند إلى كراهية دينية، بل إلى وقائع سياسية وقانونية: احتلال طويل الأمد، نظام تمييز ممنهج، توسّع استيطاني غير شرعي، وحرب دمّرت قطاعاً بأكمله. تحويل هذا النقد إلى "تحريض ضد اليهود" ليس دفاعاً، بل تهرّب من المحاسبة.

نتنياهو يشكو أيضاً مما يسميه «المعايير المستحيلة» المفروضة على إسرائيل، مستحضراً ونستون تشرشل والحرب العالمية الثانية. لكن هذا القياس يتجاهل حقيقة أساسية: غزة ليست ساحة حرب بين جيوش متكافئة، بل منطقة محاصَرة يعيش فيها أكثر من مليوني إنسان بلا حماية. المقارنة هنا ليست فقط خاطئة، بل فاضحة في استخفافها بحياة المدنيين.

ويعتقد نتنياهو أن وقف إطلاق النار سيخفف الضغط الدولي، لأن "التركيز الإعلامي سيتلاشى". هذا الرهان يعكس قناعة راسخة لديه بأن الذاكرة العالمية قصيرة، وأن الجرائم تسقط بالتقادم الإعلامي. لكنه يتجاهل أن ما جرى في غزة لم يعد مجرد حدث إخباري، بل تحوّل إلى رمز لانهيار المنظومة الأخلاقية التي طالما ادعت إسرائيل الانتماء إليها.

في سياق آخر، يحاول نتنياهو الظهور بمظهر القادر على إعادة ضبط العلاقة مع الولايات المتحدة، حتى لو تطلّب الأمر تقليص المساعدات العسكرية الأميركية مستقبلاً. غير أن هذا الطرح يبدو أقرب إلى مناورة انتخابية منه إلى تحول استراتيجي حقيقي، خصوصاً في ظل تزايد الانتقادات داخل الرأي العام الأميركي نفسه لسياسات إسرائيل، بما في ذلك داخل القاعدة التي كانت تُعدّ تقليدياً داعمة لها.

أما حديثه عن أن إسرائيل "تدافع عن الحضارة الغربية" في مواجهة قوى "همجية"، فهو استمرار لخطاب استشراقي قديم، يعيد تقسيم العالم إلى معسكر متحضر وآخر متوحش، ويمنح إسرائيل صكّ براءة مفتوحاً مهما ارتكبت. هذا الخطاب يفقد ما تبقى من مصداقيته حين يُقارن بصور الجوع والدمار والمقابر الجماعية في غزة.

التناقض يزداد حدة حين ينتقل نتنياهو من مخاطبة الغرب إلى الداخل الإسرائيلي. فالتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية المحتلة بلغ مستويات غير مسبوقة خلال فتراته في الحكم، وعنف المستوطنين تصاعد تحت حماية الجيش، فيما يتحدث وزراء في حكومته صراحة عن الضمّ. ومع ذلك، يقلّل نتنياهو من أهمية القضية الفلسطينية، زاعماً أن القادة العرب "لا يكترثون" بها، في قراءة تنمّ عن استخفاف بالرأي العام العربي وبالواقع السياسي في المنطقة.

ويبقى فشل السابع من تشرين الأول 2023 نقطة سوداء تطارد نتنياهو. فالرجل الذي لا يتردد في نسب النجاحات لنفسه، يرفض تحمّل المسؤولية السياسية عن أكبر إخفاق أمني في تاريخ إسرائيل. يتحدث عن لجان تحقيق مؤجلة، ويوزّع اللوم على الأجهزة والمؤسسات، لكنه يتجنّب كلمة واحدة: المسؤولية.

في المحصلة، تكشف مقابلة نتنياهو مع "الإيكونوميست" ليس عن خطة إنقاذ لإسرائيل، بل عن أزمة زعيم يرفض الاعتراف بأن العزلة التي تواجهها دولته ليست نتاج دعاية، ولا مؤامرة، ولا كراهية دينية، بل نتيجة طبيعية لسياسات عنف واحتلال وإبادة. عالم اليوم لم يعد يكتفي بالروايات، بل يحاكم الأفعال، ونتنياهو، مهما رفع صوته، بات عاجزاً عن الهروب من هذا الحكم.

القدس المصدر: القدس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا