د. باسم أبو جريّ: القرار يعكس وجود خطة مُعدّة تهدف إلى تفكيك البنى الداعمة لصمود الشعب الفلسطيني في سياق الإبادة الجماعية..
أكرم عطا الله: الهدف المركزي للخطوة "إعدام الحياة" وتحويل القطاع لمنطقة غير قابلة للحياة والدفع نحو مشروع تهجير متكامل..
أمجد الشوا: توقيت القرار يسبق المرحلة الثانية ما ينذر بمزيد من التعقيد الإنساني وتوجهاً للضغط على السكان ودفعهم نحو التهجير..
د. أحمد عوض: إغلاق هذه المؤسسات لمنع تدويل القضية الفلسطينية وإضعاف المجتمع الفلسطيني وقطع تواصله مع العالم الخارجي..
سري سمور: إسرائيل قد تسعى لاحتكار "إدارة المعاناة" في القطاع عبر مؤسسات مرتبطة بها بواجهات دولية لتحقق مكاسب مالية وأمنية..
د. تمارا حداد: توقف عمل المؤسسات ينعكس سلباً على السلم الأهلي ويحوّل المساعدات أداة ضغط في ظل غياب ترتيبات "اليوم التالي"..
سليمان بشارات: إسرائيل تسعى لخلق فراغ مؤسساتي إنساني حقيقي في القطاع ما يفتح الباب أمامها لطرح "بدائل" تخضع لها بالكامل...
يستعد قطاع غزة لمواجهة تداعيات خطيرة جراء قرار الاحتلال الإسرائيلي بوقف عمل المؤسسات الإنسانية مع نهاية الشهر الجاري، ما يهدد حياة السكان بشكل مباشر ويضاعف أزمات الغذاء والدواء والخدمات الأساسية، في سياق عوامل ضاغطة وصولاً إلى مخطط التهجير.
ويوضح مسؤولون ومختصون وكتاب ومحللون سياسيون في أحاديث منفصلة مع"القدس"، أن هذا القرار ياأتي من سياق متسلسل من الاستهداف الممنهج للمنظمات المحلية والدولية، الذي بدأ بمحاولات تقويض وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" ثم شمل مؤسسات حقوق الإنسان والمنظمات الإغاثية، في إطار سياسة تهدف إلى تفكيك البنية الإنسانية الداعمة لصمود السكان، والسيطرة عليها بما يخدم أجندة الاحتلال.
ويشير المسؤولون والمختصون والكتاب والمحللون إلى أن الخطوة تهدف عملياً إلى تحويل القطاع إلى منطقة غير قابلة للحياة، كأداة ضغط سياسية لدفع الفلسطينيين نحو الهجرة القسرية.
ويرون أن القرار يهدف إلى قطع قنوات الرقابة الدولية وغياب توثيق الانتهاكات الإسرائيلية، ما يعزل السكان عن العالم الخارجي ويضعف المجتمع المدني، علاوة على خلق فراغ مؤسساتي، يسمح له بالتحكم الكامل في إدارة المعاناة، وتقديم بدائل تابعة للاحتلال، بما يعزز السيطرة على القطاع.
انتهاك لمبادئ القانون الدولي الإنساني..
يحذّر الباحث في مجال التنمية وحقوق الإنسان د. باسم أبو جريّ، وهو من قطاع غزة، من التداعيات الخطيرة لقرار الاحتلال الإسرائيلي وقف عمل المؤسسات الإنسانية في القطاع مع نهاية الشهر الجاري، واصفاً القرار بأنه تعسفي وخطير، ويشكّل انتهاكاً واضحاً لمبادئ القانون الدولي الإنساني، وعلى وجه الخصوص مبدأ تسهيل عمل المنظمات الإنسانية المحايدة.
ويوضح أبو جريّ أن هذا القرار يتعارض بشكل مباشر مع التزامات دولة الاحتلال بموجب اتفاقيات جنيف، التي تُلزمها بضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى السكان المدنيين الواقعين تحت الاحتلال دون عوائق وبحسن نية.
أدوات تقييد العمل الإنساني..
ويبيّن أبو جريّ أن الشروط التي يفرضها الاحتلال، والمتعلقة بطلب معلومات أمنية موسعة عن العاملين في المنظمات الإنسانية، لا تعدو كونها أدوات لتقييد العمل الإنساني وتقويض استقلاليته، وذريعة لإقصاء عدد كبير من المنظمات، بما فيها منظمات دولية فاعلة.
ويشير أبو جريّ إلى أن إقصاء هذا العدد الواسع من المؤسسات سيؤدي حتماً إلى تراجع خطير في الوصول إلى الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الرعاية الصحية، والمياه، والغذاء، والحماية، في وقت يشهد فيه قطاع غزة وضعاً إنسانياً كارثياً وغير مسبوق.
ويؤكد أبو جريّ أن المدنيين، ولا سيما الأطفال والنساء وكبار السن، يواجهون مخاطر متزايدة تهدد حياتهم وكرامتهم في ظل هذا التدهور المتسارع.
استهداف مممهج متصاعد..
ويوضح أبو جريّ أن القرار يأتي ضمن سياق تصاعدي من الاستهداف الممنهج، بدأ بمحاولات تقويض دور وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، ثم توسع ليشمل مؤسسات حقوق الإنسان الفلسطينية التي تعرضت لحملات تشويه وتجريم منظمة، وصلت إلى حد فرض عقوبات عليها من قبل الخزانة الأمريكية، قبل أن يمتد اليوم ليطال عشرات المنظمات الإنسانية والإغاثية.
ويشدد أبو جريّ على أن هذا التسلسل في استهداف المنظمات المحلية والدولية لا يمكن فصله عن بعضه، بل يعكس وجود خطة مُعدّة مسبقاً تهدف إلى تفكيك البنى الداعمة لصمود الشعب الفلسطيني في سياق الإبادة الجماعية المستمرة، وإفراغ الأرض الفلسطينية من أي حماية إنسانية أو حقوقية، وعزل السكان المدنيين وطمس قضيتهم.
ويؤكد أبو جريّ أن حماية العمل الإنساني ليست مسألة إجرائية أو تقنية، بل التزام قانوني وأخلاقي لا يجوز إخضاعه للاعتبارات السياسية أو التلاعب به تحت أي ذريعة.
تداعيات خطيرة على مجمل الواقع الإنساني..
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله أن توقف عمل المؤسسات الإنسانية في قطاع غزة مع نهاية الشهر الجاري، سيترك تداعيات خطيرة على مجمل الواقع الإنساني والمعيشي، مشيراً إلى أن القطاع بات يعتمد بشكل شبه كامل على العمل الإنساني، في ظل غياب أي بنية خدمية أو اقتصادية قادرة على تلبية احتياجات السكان.
ويوضح عطا الله أن إسرائيل نجحت، خلال المرحلة الماضية، في حرف بوصلة التعامل مع قطاع غزة من جوهر الصراع وأبعاده السياسية والتاريخية، إلى اختزال القطاع في كونه "حالة إنسانية" بحتة، لا تُقدَّم له أي خدمات إلا عبر المؤسسات الدولية.
ويشير عطا الله إلى أن التضييق المتواصل على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، وسحب الاعتراف بها، أديا إلى تقليص دورها، ما جعل المؤسسات الإنسانية الدولية الأخرى الجهة شبه الوحيدة التي توفر الحد الأدنى من الخدمات لسكان القطاع.
ويلفت عطا الله إلى أن وقف عمل هذه المؤسسات يعني عملياً حرمان غزة من الخدمات الأساسية، أو الإبقاء عليها عند أدنى مستوياتها، في إطار سياسة تهدف إلى إبقاء حالة المعاناة والتعذيب اليومي للسكان داخل القطاع.
إعدام الحياة من أجل التهجير..
ويعتبر عطا الله أن هذه السياسة تضيق الخناق على المواطنين لدفعهم إلى التفكير في مغادرة غزة، مستشهداً بتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي تحدث فيها عن استعداد جزء كبير من سكان القطاع للمغادرة إذا أتيحت لهم الفرصة.
ويرى عطا الله أن الهدف المركزي من هذه الخطوة هو "إعدام الحياة" في قطاع غزة، وتحويله إلى منطقة غير قابلة للحياة، بما يدفع السكان للبحث عن أماكن أخرى أكثر قابلية للعيش، ليس داخل القطاع ولا حتى في المناطق التي تصفها إسرائيل بـ"الآمنة"، بل خارج غزة بالكامل، في سياق مشروع تهجير متكامل.
ويشير عطا الله إلى وجود أكثر من سيناريو متعلق بوقف عمل هذه المؤسسات، لكنها جميعاً تصب في اتجاه واحد، يتمثل في استمرار التضييق على أجزاء من القطاع، لا سيما ما يُعرف بغزة الغربية، عبر منع المساعدات الإنسانية وإيقاف الإعمار وتعطيل أي مقومات للحياة، لإجبار السكان على الرحيل.
ويلفت عطا الله إلى أن الحديث عن حلول مؤقتة، مثل الكرافانات أو مناطق سكنية مرحلية، لا يعني توفير بيئة إنسانية مستقرة، بل يشكّل مرحلة انتقالية ريثما يتم دفع السكان للبحث عن وطن بديل خارج قطاع غزة.
منع دخول مساعدات المؤسسات الدولية..
يحذّر رئيس شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية في قطاع غزة، أمجد الشوا، من عواقب خطيرة تترتب على القرار الإسرائيلي القاضي بوقف عمل المؤسسات الإنسانية الدولية في القطاع مع نهاية الشهر الجاري، مؤكداً أن هذا القرار يأتي في سياق استهداف ممنهج للواقع الإنساني المتدهور أصلاً، ويمثل تصعيداً خطيراً يهدد حياة السكان بشكل مباشر.
ويوضح الشوا أن أحد أخطر مؤشرات هذا القرار يتمثل في منع قوات الاحتلال الإسرائيلي دخول المساعدات الإنسانية الخاصة بالمؤسسات الدولية، مشيراً إلى أن آلاف الشاحنات المحمّلة بالمساعدات لا تزال ممنوعة من الوصول إلى قطاع غزة، وتشمل أدوية ومهمات طبية أساسية، ومستلزمات الإيواء، واحتياجات قطاع المياه، إلى جانب الإمدادات الخاصة بالتعامل مع حالات سوء التغذية المتفاقمة، لا سيما بين الأطفال والمرضى.
ويؤكد الشوا أن المؤسسات الإنسانية العاملة في القطاع تضطلع بدور محوري لا يقتصر على المستشفيات فحسب، بل يشمل تشغيل عدد كبير من مراكز معالجة سوء التغذية، والعمل في قطاعات حيوية مثل المياه والصرف الصحي، إضافة إلى الإيواء.
ويشير الشوا إلى أن الاحتلال بدأ، اعتباراً من يوم الثلاثاء، بمنع وصول الطواقم الدولية العاملة في هذه المؤسسات، سواء الإدارية أو الفنية أو الطبية، ما يعني عملياً شلّ قدرة هذه المنظمات على الاستجابة للاحتياجات الإنسانية المتزايدة، في وقت يشهد فيه القطاع انهياراً شبه كامل في مختلف القطاعات الخدمية.
ويلفت الشوا إلى أن هذا القرار يترافق مع حظر الاحتلال الإسرائيلي عمل وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، ومنع دخول مساعداتها إلى قطاع غزة، موضحاً أن نحو 6000 شاحنة تابعة للوكالة لا يُسمح لها بالوصول إلى القطاع، رغم الاعتماد الواسع للسكان على خدماتها الأساسية.
ويبيّن الشوا أن أثر هذا القرار سيكون بالغ الخطورة في ظل واقع إنساني مأساوي، حيث فقد نحو مليون ونصف المليون مواطن منازلهم، ويعيش قرابة 900 ألف منهم في خيام بالية لا تلبي الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة، ولا تمثل حلاً حقيقياً أو مستداماً لأزمة النزوح المتواصلة.
إسكات صوت المؤسسات الدولية..
ويؤكد الشوا أن الاحتلال يهدف من خلال هذا القرار إلى تحقيق عدة أهداف، أبرزها عزل قطاع غزة بالكامل، وإسكات صوت المؤسسات الدولية التي عملت لعقود في القطاع والأراضي الفلسطينية، إضافة إلى تعطيل تقديم الخدمات الأساسية، خاصة في القطاع الصحي، حيث تسهم هذه المؤسسات في تقديم أكثر من ثلث الخدمات الصحية من خلال المستشفيات المدنية والمراكز الطبية.
ويشدد الشوا على أن وجود الموظفين والطواقم الدولية يشكّل أحد أشكال الرقابة الدولية على ما يجري في قطاع غزة، مشيراً إلى أن من بين أهداف الاحتلال الإسرائيلي من تعطيل عمل هذه المؤسسات إسكات صوتها، ومنع صدور التقارير التي توثق الانتهاكات الإسرائيلية وتكشف تدهور الأوضاع الإنسانية في القطاع.
توقيت القرار مع بدء المرحلة الثانية..
ويشدد الشوا على أن وقف عمل هذه المنظمات سيعمّق الأزمة الإنسانية على جميع المستويات، ويشكّل خطراً حقيقياً على حياة السكان، لافتاً إلى أن توقيت القرار يسبق بدء المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، ما ينذر بمزيد من التعقيد والتصعيد الإنساني، ويعكس توجهاً لزيادة الضغط على السكان ودفعهم نحو مخططات التهجير.
ويؤكد الشوا أن هذا القرار يشكل انتهاكاً صارخاً لمبادئ العمل الإنساني والقانون الدولي الإنساني، ولاتفاق وقف إطلاق النار والبروتوكول الإنساني، وكذلك للرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الذي شدد على ضرورة ضمان وصول المساعدات عبر المؤسسات الإنسانية و"الأونروا".
ويشير الشوا إلى وجود جهود وضغوط متواصلة لإيجاد حلول تضمن استمرار عمل هذه المؤسسات، ومنع اتساع تداعيات القرار على غزة والضفة الغربية بما فيها القدس.
إغلاق نافذة الفلسطينيين نحو العالم الخارجي..
يحذّر الكاتب والمحلل السياسي د. أحمد رفيق عوض من التداعيات الخطيرة لقرار الاحتلال الإسرائيلي إيقاف عمل المؤسسات الإنسانية في قطاع غزة مع نهاية الشهر الجاري، مؤكداً أن الأثر المباشر لهذا القرار يتمثل في نقص شامل وحاد في المساعدات بكافة أشكالها، وفي مقدمتها المساعدات الطبية والإنسانية، إضافة إلى إغلاق "النافذة الوحيدة المتبقية" التي تربط الفلسطينيين بالعالم الخارجي.
ويوضح عوض أن وقف عمل هذه المؤسسات سيؤدي إلى تدهور واسع في أوضاع المجتمع، وارتفاع معدلات البطالة، وتسريح أعداد كبيرة من العاملين والموظفين والمستفيدين من برامج هذه المنظمات، ما سينعكس سلباً على مجمل الحياة الاقتصادية والاجتماعية في قطاع غزة.
ويعتبر عوض أن هذا الإغلاق يعني عملياً نقصاً في كل شيء، من الغذاء، والدواء، والخدمات، وفرص التدريب والتأهيل، الأمر الذي يقود إلى إفقار ممنهج للشعب الفلسطيني.
قطع شريان الرقابة الدولية..
ويشير عوض إلى أن إغلاق المؤسسات الدولية والأممية لا يقتصر على وقف تدفق المساعدات، بل يعني أيضاً قطع شريان الرقابة الدولية، إذ تلعب هذه المؤسسات دوراً أساسياً في توثيق الأضرار الناتجة عن الحصار والعمليات العسكرية والازدحام وانتشار الأمراض، وترفع تقارير موثوقة إلى المجتمع الدولي.
ويلفت عوض إلى أن غياب هذه التقارير سيحرم العالم من معرفة الحجم الحقيقي للانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون، وهو ما تسعى إليه إسرائيل عبر إبعاد أي وجود دولي شاهد على ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ويبيّن عوض أن من بين الأهداف الرئيسية لإغلاق هذه المؤسسات منع تدويل القضية الفلسطينية، وإضعاف المجتمع المدني، وقطع التواصل بين الفلسطينيين والعالم الخارجي، إضافة إلى تجاوز الهيئات والمنظمات الدولية، في مقدمتها الأمم المتحدة.
ويعتبر عوض أن استهداف وكالة "الأونروا" شكّل بداية هذا المسار، الذي يرقى إلى اعتداء مباشر على منظومة الأمم المتحدة، وعلى المجتمع المدني الأوروبي، بل وإهانة للاتحاد الأوروبي، نظراً لأن معظم هذه المؤسسات ذات جذور أوروبية وتحظى بدعم رسمي وشعبي واسع في أوروبا.
ويؤكد عوض أن إسرائيل تسعى من خلال هذه السياسة إلى الاستفراد بالرواية والسرد الإعلامي، ومنع أي جهة مستقلة وذات مصداقية من نقل ما يحدث على الأرض، بما يتيح لها التحكم في الخبر والمعلومة، والاستفراد بالشعب الفلسطيني دون رقابة أو محاسبة دولية.
ويشير عوض إلى إمكانية أن تكون هناك محاولة من الاتحاد الأوروبي والقوى الإنسانية والاجتماعية في أوروبا لممارسة ضغوط سياسية لإعادة فتح المجال أمام عمل هذه المؤسسات، معتبراً أن هذا المسار ممكن لكنه غير مضمون.
ويحذّر عوض من سيناريو أكثر تشدداً قد تواصل فيه إسرائيل منع هذه المؤسسات، وربما توسع الاستهداف ليشمل منظمات أخرى.
ويشير عوض إلى احتمال خضوع بعض المؤسسات للشروط والرقابة الإسرائيلية مقابل السماح لها بالعمل، وإن كان ذلك ينطوي على قدر كبير من التنازل.
ويؤكد عوض أن السيناريو الأسوأ يتمثل في تضرر الفلسطينيين بشكل مباشر من غياب هذه المؤسسات، التي لا توفر المساعدات فحسب، بل تشكل قنوات تواصل دولي، ومصادر تدريب وتشغيل، وأدوات رقابة وحماية، محذراً من أن ثمن غيابها سيكون باهظاً على المستويين الإنساني والسياسي.
نمط آخر من "القتل البطيء"..
يرى الكاتب والمحلل السياسي سري سمور أن إيقاف عمل المؤسسات الإنسانية في قطاع غزة مع نهاية الشهر الجاري، سيقود إلى تفاقم غير مسبوق في معاناة السكان، مؤكداً أن القطاع يحتاج إلى زيادة عدد المؤسسات العاملة وتعزيز تدخلها، لا إلى تعطيل ما تبقى منها أو تقييد عملها جزئياً، في ظل واقع إنساني بالغ القسوة.
ويوضح سمور أن الأثر الإنساني لهذا القرار سيكون مباشراً وعميقاً، إذ سيزيد من مستويات الفقر والعوز والبؤس التي يعيشها المواطنون أصلاً، وسيؤثر على حياة النازحين وغير النازحين في مختلف مناطق القطاع، مشدداً على أن جميع أهالي قطاع غزة يحتاجون خدمات هذه المؤسسات ومساعداتها، ما يجعل وقفها خطوة ذات عواقب وخيمة على الصعيدين الإنساني والخدماتي.
ويعتبر سمور أن إسرائيل تسعى بوضوح إلى زيادة معاناة سكان قطاع غزة، والانتقال من الحرب العسكرية المباشرة إلى نمط آخر من "القتل البطيء"، عبر التجويع والتضييق المنهجي على الناس، في إطار سياسة عقاب جماعي مستمرة.
ويرى سمور أن هذه السياسة تهدف إلى دفع الفلسطينيين إلى اليأس والبحث عن بدائل خارج غزة، بما ينسجم مع محاولات تهجير القطاع التي تُدار عبر أطر أو كيانات تحمل أسماء وهمية أو مستعارة.
ويؤكد سمور أن هذه الخطوة تعكس استخفاف إسرائيل بالقانون الدولي وبالمعاهدات والبروتوكولات الإنسانية، مستندة إلى شعورها بالإفلات من المحاسبة، مشيراً إلى أن إسرائيل ارتكبت جرائم واسعة شملت قتل عشرات الآلاف وجرح مئات الآلاف وتشريد نحو مليوني فلسطيني، من دون أن تواجه محاسبة فعلية، الأمر الذي يشجعها على المضي قدماً في تعطيل عمل المؤسسات الإنسانية من دون خشية من العواقب.
سعي إسرائيلي لاحتكار "إدارة المعاناة"..
ويشير سمور إلى أن بعض المؤسسات قد تلجأ إلى التكيّف مع القرار عبر تقديم تنازلات لإسرائيل مقابل الاستمرار في العمل، محذراً من خطورة هذا المسار، الذي قد يحوّل هذه المؤسسات، قسراً، إلى أدوات لخدمة الأهداف الأمنية للاحتلال، من خلال تسريب بيانات أو معلومات حساسة حول المستفيدين، أو استغلال هذه المعطيات في عمليات المراقبة أو التجنيد.
ويستبعد سمور ممارسة ضغط أميركي جاد لتجميد القرار، معتبراً إياه ضعيف الاحتمال في المرحلة الراهنة، وإن لم يستبعد حدوث تطورات مفاجئة.
ويؤكد سمور أن التحرك من داخل إسرائيل عبر ما تبقى من المنظومة القانونية أو من قبل محامين وحقوقيين يظل سيناريو محدود التأثير، في ظل هيمنة التيارات المتطرفة.
ويحذر سمور من أن النتيجة الأرجح تتمثل في إغلاق المؤسسات الإنسانية وزيادة معاناة الغزيين، مع احتمال سعي إسرائيل لاحتكار "إدارة المعاناة" عبر مؤسسات مرتبطة بها بواجهات دولية، بما يحقق لها مكاسب مالية وأمنية على حساب الاحتياجات الإنسانية الملحّة لسكان القطاع.
تصاعد معدلات سوء التغذية وانعدام الأمن الغذائي..
تحذّر الكاتبة والباحثة السياسية د. تمارا حداد من أن توقف عمل المؤسسات الإنسانية داخل قطاع غزة سيقود إلى تعميق غير مسبوق لحالة التجويع، في ظل انهيار الخدمات الأساسية وغياب البعد الإغاثي الذي يشكل الركيزة الرئيسية لتوفير الغذاء والدواء والمستلزمات الإنسانية للسكان، مؤكدة أن التداعيات المتوقعة ستكون إنسانية واجتماعية وصحية بالغة الخطورة.
وتوضح حداد أن توقف عمل المنظمات الإنسانية سيؤدي إلى تفاقم الأزمة الحادة في قطاع غزة، مع تصاعد معدلات سوء التغذية وانعدام الأمن الغذائي، نتيجة توقف إدخال وتوزيع المواد الغذائية والأدوية والمستلزمات الأساسية، مشيرة إلى أن الواقع الصحي بات هشاً للغاية، في ظل غياب مقومات الرعاية الصحية الطبيعية، ما ينعكس بشكل مباشر على المرضى والفئات الأكثر ضعفاً.
وتبيّن حداد أن الشرائح الأكثر تضرراً من هذا التدهور هم الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى، الذين يعانون أصلاً من نقص حاد في الخدمات الصحية والتغذوية، لافتة إلى أن تفاقم الأزمة يتزامن مع فصل الشتاء، حيث تزداد معدلات الأمراض، ما ينذر بمضاعفات صحية واسعة النطاق، إلى جانب التأثيرات النفسية الخطيرة المترتبة على تراجع الخدمات، من إحباط وضغط اجتماعي وتفكك أسري، وتعميق الشعور بانعدام الأفق والمستقبل.
تعزيز مخاطر التهجير القسري..
وتشير حداد إلى أن حالة الإحباط تتعزز في ظل غياب أي مؤشرات على عودة الإعمار أو انتظام إدخال المساعدات، إضافة إلى ربط الاحتلال الإسرائيلي فتح المعابر بشروط سياسية وأمنية، ما يرسخ في وعي المواطنين فكرة أن أي فتح محتمل للمعابر قد يكون مرتبطاً بدفعهم نحو الخروج من قطاع غزة، في سياق يعزز مخاطر التهجير القسري أو الاضطراري.
وتعتبر حداد أن استمرار توقف العمل الإنساني، بالتوازي مع فتح معبر رفح دخولاً وخروجاً دون ضمان تدفق المساعدات، سيكرس فكرة التهجير في ذهن المواطن، ويخلق واقعاً إنسانياً سلبياً يضغط على السكان للبقاء في حالة انتظار دائم للمساعدات.
تشجيع الاحتكار ورفع الأسعار..
وتشير حداد إلى أن شح المساعدات، في حال دخولها، قد يفتح المجال أمام استغلالها من قبل جماعات مسلحة أو جهات مدعومة من إسرائيل، تتغلغل أمنياً عبر واجهات إنسانية غير محايدة، ما يؤدي إلى السيطرة على عملية التوزيع.
وتؤكد حداد أن توقف إدخال المساعدات عبر المؤسسات الأممية سيشجع على احتكارها ورفع أسعارها، ويمنع توزيعها بشكل عادل، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على السلم الأهلي، ويحوّل المساعدات إلى أداة ضغط ونفوذ في ظل غياب ترتيبات واضحة لـ"اليوم التالي" وإفشال أي جهة رسمية قادرة على إدارة المشهد.
وتعتبر حداد أن أسوأ السيناريوهات يتمثل في خروج كامل للمنظمات الدولية وتفكيك منظومة الإغاثة والتعافي الإنساني، ما يعني تفاقم المجاعة وتفشي الأمراض وتقويض قدرة السكان على الصمود.
وترى حداد أن السيناريو الأفضل يكمن في تدخل دولي ضاغط، تقوده الأمم المتحدة والدول الكبرى، لإعادة المؤسسات الإنسانية المحظورة وضمان إدخال المساعدات دون قيود أو شروط، وبمشاركة منظمات دولية وعربية محايدة، بما يضمن توزيعاً عادلاً وشفافاً يحمي المجتمع الفلسطيني من الانهيار الكامل.
عملية ممنهجة لتفريغ المفهوم المؤسساتي..
يرى الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن ما تقوم به إسرائيل في قطاع غزة يرقى إلى عملية ممنهجة لتفريغ المفهوم المؤسساتي، على المستويين المحلي والدولي، في إطار رؤية شاملة لإعادة تشكيل الواقع الإنساني والسياسي في القطاع بما يخدم الأهداف الإسرائيلية على المدى البعيد.
ويوضح بشارات أن هذا التوجه تجسّد، خلال العامين الماضيين، في الاستهداف الواسع للمؤسسات المحلية في قطاع غزة، ثم انتقل إلى مستوى أكثر خطورة عبر تعطيل عمل المؤسسات الدولية، في مقدمتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، وصولاً إلى ما تبقى من مؤسسات إنسانية يمكن أن تشكل شبكة أمان إغاثية للسكان
ويعتبر بشارات أن هذه الخطوات لا تُقرأ كإجراءات منفصلة، بل كمسار متكامل يهدف إلى إفراغ غزة من أي وجود مؤسسي مستقل.
ويشير بشارات إلى أن أولى النتائج الجوهرية لهذا المسار تتمثل في خلق فراغ مؤسساتي إنساني حقيقي داخل القطاع، ما يفتح الباب أمام إسرائيل لطرح "بدائل" تخضع بالكامل لسياساتها وأجندتها.
ويلفت بشارات إلى تجارب سابقة، مثل نموذج مؤسسة "غزة الإنسانية" التي جرى الترويج لها بدعم أميركي وتنسيق إسرائيلي، باعتبارها محاولة تمهيدية لإيجاد أطر بديلة للمنظومة الإنسانية الدولية التقليدية، ولكن ضمن سقف يخدم المصالح الإسرائيلية.
إحكام السيطرة الشاملة على القطاع..
ويرى بشارات أن الهدف الثاني لهذه السياسة هو إحكام السيطرة الشاملة على قطاع غزة، بحيث تصبح إسرائيل المرجعية الأساسية في كل ما يتعلق بمستقبل القطاع، بدءاً من الملف الإنساني، مروراً بالواقع الاقتصادي والمجتمعي، وصولاً إلى البعدين الأمني والسياسي.
ويعتبر بشارات أن ذلك يعكس بوضوح أن أي حديث عن انسحاب إسرائيلي فعلي من غزة لا يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية، التي تسعى إلى إدارة القطاع بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ويبيّن بشارات أن إسرائيل تعمل، في هذا الإطار، على خلق "ظل تابع" لها داخل غزة، سواء عبر البوابة الإنسانية، أو الأمنية والعسكرية، أو حتى السياسية، بما يتيح لها التحكم عن بُعد بمفاصل الحياة كافة في حال غياب الوجود العسكري المباشر.
ويستشهد بشارات بنموذج المعابر، التي تسيطر عليها إسرائيل بشكل كامل، حيث تتحكم بفتحها وإغلاقها، وبما يدخل إلى القطاع أو يُمنع عنه، باعتبارها مثالاً عملياً على هذا النمط من السيطرة.
ويرى بشارات أن من بين أهداف هذه السياسة تفريغ البعد الدولي لقضية غزة، وتحويلها إلى ملف صراع ثنائي فلسطيني–إسرائيلي، بما يبرر، من وجهة النظر الإسرائيلية، استبعاد التدخل الدولي، وفرض سياسات تنطلق من ذرائع أمنية قد تتطور لاحقاً إلى أهداف سياسية واضحة.
إعادة هندسة البنية الإنسانية والمؤسساتية..
ويحذّر بشارات من إمكانية إقبال القطاع على محطة خطيرة في مسار إعادة هندسة بنيته الإنسانية والمؤسساتية، لتصبح بنية تابعة بالكامل للرؤية الإسرائيلية، سواء من حيث الإدارة أو القرار أو الأولويات.
ويرجّح بشارات أن تسمح إسرائيل بوجود محدود لبعض المؤسسات الدولية، ولكن ضمن سقف صارم يضمن لها التحكم الكامل ويُبقي غزة في حالة استنزاف إنساني دائم، بما يجعلها بحاجة مستمرة للمساعدات.
ولم يستبعد بشارات سيناريو تحرك دولي أو إقليمي فاعل يعيد الاعتبار لدور المؤسسات الإنسانية، لكنه ضعيف الاحتمال في المرحلة الراهنة، في ظل الدعم الأميركي المطلق لإسرائيل، وتعقيد الأزمة الإنسانية التي تتطلب تدخلاً دولياً متكاملاً يفوق مجرد وجود عدد من المؤسسات الإغاثية.
د. باسم أبو جريّ: القرار يعكس وجود خطة مُعدّة تهدف إلى تفكيك البنى الداعمة لصمود الشعب الفلسطيني في سياق الإبادة الجماعية..
أكرم عطا الله: الهدف المركزي للخطوة "إعدام الحياة" وتحويل القطاع لمنطقة غير قابلة للحياة والدفع نحو مشروع تهجير متكامل..
أمجد الشوا: توقيت القرار يسبق المرحلة الثانية ما ينذر بمزيد من التعقيد الإنساني وتوجهاً للضغط على السكان ودفعهم نحو التهجير..
د. أحمد عوض: إغلاق هذه المؤسسات لمنع تدويل القضية الفلسطينية وإضعاف المجتمع الفلسطيني وقطع تواصله مع العالم الخارجي..
سري سمور: إسرائيل قد تسعى لاحتكار "إدارة المعاناة" في القطاع عبر مؤسسات مرتبطة بها بواجهات دولية لتحقق مكاسب مالية وأمنية..
د. تمارا حداد: توقف عمل المؤسسات ينعكس سلباً على السلم الأهلي ويحوّل المساعدات أداة ضغط في ظل غياب ترتيبات "اليوم التالي"..
سليمان بشارات: إسرائيل تسعى لخلق فراغ مؤسساتي إنساني حقيقي في القطاع ما يفتح الباب أمامها لطرح "بدائل" تخضع لها بالكامل...
رام الله - خاص ب"القدس"- يستعد قطاع غزة لمواجهة تداعيات خطيرة جراء قرار الاحتلال الإسرائيلي بوقف عمل المؤسسات الإنسانية مع نهاية الشهر الجاري، ما يهدد حياة السكان بشكل مباشر ويضاعف أزمات الغذاء والدواء والخدمات الأساسية، في سياق عوامل ضاغطة وصولاً إلى مخطط التهجير.
ويوضح مسؤولون ومختصون وكتاب ومحللون سياسيون في أحاديث منفصلة مع"القدس"، أن هذا القرار ياأتي من سياق متسلسل من الاستهداف الممنهج للمنظمات المحلية والدولية، الذي بدأ بمحاولات تقويض وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" ثم شمل مؤسسات حقوق الإنسان والمنظمات الإغاثية، في إطار سياسة تهدف إلى تفكيك البنية الإنسانية الداعمة لصمود السكان، والسيطرة عليها بما يخدم أجندة الاحتلال.
ويشير المسؤولون والمختصون والكتاب والمحللون إلى أن الخطوة تهدف عملياً إلى تحويل القطاع إلى منطقة غير قابلة للحياة، كأداة ضغط سياسية لدفع الفلسطينيين نحو الهجرة القسرية.
ويرون أن القرار يهدف إلى قطع قنوات الرقابة الدولية وغياب توثيق الانتهاكات الإسرائيلية، ما يعزل السكان عن العالم الخارجي ويضعف المجتمع المدني، علاوة على خلق فراغ مؤسساتي، يسمح له بالتحكم الكامل في إدارة المعاناة، وتقديم بدائل تابعة للاحتلال، بما يعزز السيطرة على القطاع.
انتهاك لمبادئ القانون الدولي الإنساني..
يحذّر الباحث في مجال التنمية وحقوق الإنسان د. باسم أبو جريّ، وهو من قطاع غزة، من التداعيات الخطيرة لقرار الاحتلال الإسرائيلي وقف عمل المؤسسات الإنسانية في القطاع مع نهاية الشهر الجاري، واصفاً القرار بأنه تعسفي وخطير، ويشكّل انتهاكاً واضحاً لمبادئ القانون الدولي الإنساني، وعلى وجه الخصوص مبدأ تسهيل عمل المنظمات الإنسانية المحايدة.
ويوضح أبو جريّ أن هذا القرار يتعارض بشكل مباشر مع التزامات دولة الاحتلال بموجب اتفاقيات جنيف، التي تُلزمها بضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى السكان المدنيين الواقعين تحت الاحتلال دون عوائق وبحسن نية.
أدوات تقييد العمل الإنساني..
ويبيّن أبو جريّ أن الشروط التي يفرضها الاحتلال، والمتعلقة بطلب معلومات أمنية موسعة عن العاملين في المنظمات الإنسانية، لا تعدو كونها أدوات لتقييد العمل الإنساني وتقويض استقلاليته، وذريعة لإقصاء عدد كبير من المنظمات، بما فيها منظمات دولية فاعلة.
ويشير أبو جريّ إلى أن إقصاء هذا العدد الواسع من المؤسسات سيؤدي حتماً إلى تراجع خطير في الوصول إلى الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الرعاية الصحية، والمياه، والغذاء، والحماية، في وقت يشهد فيه قطاع غزة وضعاً إنسانياً كارثياً وغير مسبوق.
ويؤكد أبو جريّ أن المدنيين، ولا سيما الأطفال والنساء وكبار السن، يواجهون مخاطر متزايدة تهدد حياتهم وكرامتهم في ظل هذا التدهور المتسارع.
استهداف مممهج متصاعد..
ويوضح أبو جريّ أن القرار يأتي ضمن سياق تصاعدي من الاستهداف الممنهج، بدأ بمحاولات تقويض دور وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، ثم توسع ليشمل مؤسسات حقوق الإنسان الفلسطينية التي تعرضت لحملات تشويه وتجريم منظمة، وصلت إلى حد فرض عقوبات عليها من قبل الخزانة الأمريكية، قبل أن يمتد اليوم ليطال عشرات المنظمات الإنسانية والإغاثية.
ويشدد أبو جريّ على أن هذا التسلسل في استهداف المنظمات المحلية والدولية لا يمكن فصله عن بعضه، بل يعكس وجود خطة مُعدّة مسبقاً تهدف إلى تفكيك البنى الداعمة لصمود الشعب الفلسطيني في سياق الإبادة الجماعية المستمرة، وإفراغ الأرض الفلسطينية من أي حماية إنسانية أو حقوقية، وعزل السكان المدنيين وطمس قضيتهم.
ويؤكد أبو جريّ أن حماية العمل الإنساني ليست مسألة إجرائية أو تقنية، بل التزام قانوني وأخلاقي لا يجوز إخضاعه للاعتبارات السياسية أو التلاعب به تحت أي ذريعة.
تداعيات خطيرة على مجمل الواقع الإنساني..
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله أن توقف عمل المؤسسات الإنسانية في قطاع غزة مع نهاية الشهر الجاري، سيترك تداعيات خطيرة على مجمل الواقع الإنساني والمعيشي، مشيراً إلى أن القطاع بات يعتمد بشكل شبه كامل على العمل الإنساني، في ظل غياب أي بنية خدمية أو اقتصادية قادرة على تلبية احتياجات السكان.
ويوضح عطا الله أن إسرائيل نجحت، خلال المرحلة الماضية، في حرف بوصلة التعامل مع قطاع غزة من جوهر الصراع وأبعاده السياسية والتاريخية، إلى اختزال القطاع في كونه "حالة إنسانية" بحتة، لا تُقدَّم له أي خدمات إلا عبر المؤسسات الدولية.
ويشير عطا الله إلى أن التضييق المتواصل على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، وسحب الاعتراف بها، أديا إلى تقليص دورها، ما جعل المؤسسات الإنسانية الدولية الأخرى الجهة شبه الوحيدة التي توفر الحد الأدنى من الخدمات لسكان القطاع.
ويلفت عطا الله إلى أن وقف عمل هذه المؤسسات يعني عملياً حرمان غزة من الخدمات الأساسية، أو الإبقاء عليها عند أدنى مستوياتها، في إطار سياسة تهدف إلى إبقاء حالة المعاناة والتعذيب اليومي للسكان داخل القطاع.
إعدام الحياة من أجل التهجير..
ويعتبر عطا الله أن هذه السياسة تضيق الخناق على المواطنين لدفعهم إلى التفكير في مغادرة غزة، مستشهداً بتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي تحدث فيها عن استعداد جزء كبير من سكان القطاع للمغادرة إذا أتيحت لهم الفرصة.
ويرى عطا الله أن الهدف المركزي من هذه الخطوة هو "إعدام الحياة" في قطاع غزة، وتحويله إلى منطقة غير قابلة للحياة، بما يدفع السكان للبحث عن أماكن أخرى أكثر قابلية للعيش، ليس داخل القطاع ولا حتى في المناطق التي تصفها إسرائيل بـ"الآمنة"، بل خارج غزة بالكامل، في سياق مشروع تهجير متكامل.
ويشير عطا الله إلى وجود أكثر من سيناريو متعلق بوقف عمل هذه المؤسسات، لكنها جميعاً تصب في اتجاه واحد، يتمثل في استمرار التضييق على أجزاء من القطاع، لا سيما ما يُعرف بغزة الغربية، عبر منع المساعدات الإنسانية وإيقاف الإعمار وتعطيل أي مقومات للحياة، لإجبار السكان على الرحيل.
ويلفت عطا الله إلى أن الحديث عن حلول مؤقتة، مثل الكرافانات أو مناطق سكنية مرحلية، لا يعني توفير بيئة إنسانية مستقرة، بل يشكّل مرحلة انتقالية ريثما يتم دفع السكان للبحث عن وطن بديل خارج قطاع غزة.
منع دخول مساعدات المؤسسات الدولية..
يحذّر رئيس شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية في قطاع غزة، أمجد الشوا، من عواقب خطيرة تترتب على القرار الإسرائيلي القاضي بوقف عمل المؤسسات الإنسانية الدولية في القطاع مع نهاية الشهر الجاري، مؤكداً أن هذا القرار يأتي في سياق استهداف ممنهج للواقع الإنساني المتدهور أصلاً، ويمثل تصعيداً خطيراً يهدد حياة السكان بشكل مباشر.
ويوضح الشوا أن أحد أخطر مؤشرات هذا القرار يتمثل في منع قوات الاحتلال الإسرائيلي دخول المساعدات الإنسانية الخاصة بالمؤسسات الدولية، مشيراً إلى أن آلاف الشاحنات المحمّلة بالمساعدات لا تزال ممنوعة من الوصول إلى قطاع غزة، وتشمل أدوية ومهمات طبية أساسية، ومستلزمات الإيواء، واحتياجات قطاع المياه، إلى جانب الإمدادات الخاصة بالتعامل مع حالات سوء التغذية المتفاقمة، لا سيما بين الأطفال والمرضى.
ويؤكد الشوا أن المؤسسات الإنسانية العاملة في القطاع تضطلع بدور محوري لا يقتصر على المستشفيات فحسب، بل يشمل تشغيل عدد كبير من مراكز معالجة سوء التغذية، والعمل في قطاعات حيوية مثل المياه والصرف الصحي، إضافة إلى الإيواء.
ويشير الشوا إلى أن الاحتلال بدأ، اعتباراً من يوم الثلاثاء، بمنع وصول الطواقم الدولية العاملة في هذه المؤسسات، سواء الإدارية أو الفنية أو الطبية، ما يعني عملياً شلّ قدرة هذه المنظمات على الاستجابة للاحتياجات الإنسانية المتزايدة، في وقت يشهد فيه القطاع انهياراً شبه كامل في مختلف القطاعات الخدمية.
ويلفت الشوا إلى أن هذا القرار يترافق مع حظر الاحتلال الإسرائيلي عمل وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، ومنع دخول مساعداتها إلى قطاع غزة، موضحاً أن نحو 6000 شاحنة تابعة للوكالة لا يُسمح لها بالوصول إلى القطاع، رغم الاعتماد الواسع للسكان على خدماتها الأساسية.
ويبيّن الشوا أن أثر هذا القرار سيكون بالغ الخطورة في ظل واقع إنساني مأساوي، حيث فقد نحو مليون ونصف المليون مواطن منازلهم، ويعيش قرابة 900 ألف منهم في خيام بالية لا تلبي الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة، ولا تمثل حلاً حقيقياً أو مستداماً لأزمة النزوح المتواصلة.
إسكات صوت المؤسسات الدولية..
ويؤكد الشوا أن الاحتلال يهدف من خلال هذا القرار إلى تحقيق عدة أهداف، أبرزها عزل قطاع غزة بالكامل، وإسكات صوت المؤسسات الدولية التي عملت لعقود في القطاع والأراضي الفلسطينية، إضافة إلى تعطيل تقديم الخدمات الأساسية، خاصة في القطاع الصحي، حيث تسهم هذه المؤسسات في تقديم أكثر من ثلث الخدمات الصحية من خلال المستشفيات المدنية والمراكز الطبية.
ويشدد الشوا على أن وجود الموظفين والطواقم الدولية يشكّل أحد أشكال الرقابة الدولية على ما يجري في قطاع غزة، مشيراً إلى أن من بين أهداف الاحتلال الإسرائيلي من تعطيل عمل هذه المؤسسات إسكات صوتها، ومنع صدور التقارير التي توثق الانتهاكات الإسرائيلية وتكشف تدهور الأوضاع الإنسانية في القطاع.
توقيت القرار مع بدء المرحلة الثانية..
ويشدد الشوا على أن وقف عمل هذه المنظمات سيعمّق الأزمة الإنسانية على جميع المستويات، ويشكّل خطراً حقيقياً على حياة السكان، لافتاً إلى أن توقيت القرار يسبق بدء المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، ما ينذر بمزيد من التعقيد والتصعيد الإنساني، ويعكس توجهاً لزيادة الضغط على السكان ودفعهم نحو مخططات التهجير.
ويؤكد الشوا أن هذا القرار يشكل انتهاكاً صارخاً لمبادئ العمل الإنساني والقانون الدولي الإنساني، ولاتفاق وقف إطلاق النار والبروتوكول الإنساني، وكذلك للرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الذي شدد على ضرورة ضمان وصول المساعدات عبر المؤسسات الإنسانية و"الأونروا".
ويشير الشوا إلى وجود جهود وضغوط متواصلة لإيجاد حلول تضمن استمرار عمل هذه المؤسسات، ومنع اتساع تداعيات القرار على غزة والضفة الغربية بما فيها القدس.
إغلاق نافذة الفلسطينيين نحو العالم الخارجي..
يحذّر الكاتب والمحلل السياسي د. أحمد رفيق عوض من التداعيات الخطيرة لقرار الاحتلال الإسرائيلي إيقاف عمل المؤسسات الإنسانية في قطاع غزة مع نهاية الشهر الجاري، مؤكداً أن الأثر المباشر لهذا القرار يتمثل في نقص شامل وحاد في المساعدات بكافة أشكالها، وفي مقدمتها المساعدات الطبية والإنسانية، إضافة إلى إغلاق "النافذة الوحيدة المتبقية" التي تربط الفلسطينيين بالعالم الخارجي.
ويوضح عوض أن وقف عمل هذه المؤسسات سيؤدي إلى تدهور واسع في أوضاع المجتمع، وارتفاع معدلات البطالة، وتسريح أعداد كبيرة من العاملين والموظفين والمستفيدين من برامج هذه المنظمات، ما سينعكس سلباً على مجمل الحياة الاقتصادية والاجتماعية في قطاع غزة.
ويعتبر عوض أن هذا الإغلاق يعني عملياً نقصاً في كل شيء، من الغذاء، والدواء، والخدمات، وفرص التدريب والتأهيل، الأمر الذي يقود إلى إفقار ممنهج للشعب الفلسطيني.
قطع شريان الرقابة الدولية..
ويشير عوض إلى أن إغلاق المؤسسات الدولية والأممية لا يقتصر على وقف تدفق المساعدات، بل يعني أيضاً قطع شريان الرقابة الدولية، إذ تلعب هذه المؤسسات دوراً أساسياً في توثيق الأضرار الناتجة عن الحصار والعمليات العسكرية والازدحام وانتشار الأمراض، وترفع تقارير موثوقة إلى المجتمع الدولي.
ويلفت عوض إلى أن غياب هذه التقارير سيحرم العالم من معرفة الحجم الحقيقي للانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون، وهو ما تسعى إليه إسرائيل عبر إبعاد أي وجود دولي شاهد على ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ويبيّن عوض أن من بين الأهداف الرئيسية لإغلاق هذه المؤسسات منع تدويل القضية الفلسطينية، وإضعاف المجتمع المدني، وقطع التواصل بين الفلسطينيين والعالم الخارجي، إضافة إلى تجاوز الهيئات والمنظمات الدولية، في مقدمتها الأمم المتحدة.
ويعتبر عوض أن استهداف وكالة "الأونروا" شكّل بداية هذا المسار، الذي يرقى إلى اعتداء مباشر على منظومة الأمم المتحدة، وعلى المجتمع المدني الأوروبي، بل وإهانة للاتحاد الأوروبي، نظراً لأن معظم هذه المؤسسات ذات جذور أوروبية وتحظى بدعم رسمي وشعبي واسع في أوروبا.
ويؤكد عوض أن إسرائيل تسعى من خلال هذه السياسة إلى الاستفراد بالرواية والسرد الإعلامي، ومنع أي جهة مستقلة وذات مصداقية من نقل ما يحدث على الأرض، بما يتيح لها التحكم في الخبر والمعلومة، والاستفراد بالشعب الفلسطيني دون رقابة أو محاسبة دولية.
ويشير عوض إلى إمكانية أن تكون هناك محاولة من الاتحاد الأوروبي والقوى الإنسانية والاجتماعية في أوروبا لممارسة ضغوط سياسية لإعادة فتح المجال أمام عمل هذه المؤسسات، معتبراً أن هذا المسار ممكن لكنه غير مضمون.
ويحذّر عوض من سيناريو أكثر تشدداً قد تواصل فيه إسرائيل منع هذه المؤسسات، وربما توسع الاستهداف ليشمل منظمات أخرى.
ويشير عوض إلى احتمال خضوع بعض المؤسسات للشروط والرقابة الإسرائيلية مقابل السماح لها بالعمل، وإن كان ذلك ينطوي على قدر كبير من التنازل.
ويؤكد عوض أن السيناريو الأسوأ يتمثل في تضرر الفلسطينيين بشكل مباشر من غياب هذه المؤسسات، التي لا توفر المساعدات فحسب، بل تشكل قنوات تواصل دولي، ومصادر تدريب وتشغيل، وأدوات رقابة وحماية، محذراً من أن ثمن غيابها سيكون باهظاً على المستويين الإنساني والسياسي.
نمط آخر من "القتل البطيء"..
يرى الكاتب والمحلل السياسي سري سمور أن إيقاف عمل المؤسسات الإنسانية في قطاع غزة مع نهاية الشهر الجاري، سيقود إلى تفاقم غير مسبوق في معاناة السكان، مؤكداً أن القطاع يحتاج إلى زيادة عدد المؤسسات العاملة وتعزيز تدخلها، لا إلى تعطيل ما تبقى منها أو تقييد عملها جزئياً، في ظل واقع إنساني بالغ القسوة.
ويوضح سمور أن الأثر الإنساني لهذا القرار سيكون مباشراً وعميقاً، إذ سيزيد من مستويات الفقر والعوز والبؤس التي يعيشها المواطنون أصلاً، وسيؤثر على حياة النازحين وغير النازحين في مختلف مناطق القطاع، مشدداً على أن جميع أهالي قطاع غزة يحتاجون خدمات هذه المؤسسات ومساعداتها، ما يجعل وقفها خطوة ذات عواقب وخيمة على الصعيدين الإنساني والخدماتي.
ويعتبر سمور أن إسرائيل تسعى بوضوح إلى زيادة معاناة سكان قطاع غزة، والانتقال من الحرب العسكرية المباشرة إلى نمط آخر من "القتل البطيء"، عبر التجويع والتضييق المنهجي على الناس، في إطار سياسة عقاب جماعي مستمرة.
ويرى سمور أن هذه السياسة تهدف إلى دفع الفلسطينيين إلى اليأس والبحث عن بدائل خارج غزة، بما ينسجم مع محاولات تهجير القطاع التي تُدار عبر أطر أو كيانات تحمل أسماء وهمية أو مستعارة.
ويؤكد سمور أن هذه الخطوة تعكس استخفاف إسرائيل بالقانون الدولي وبالمعاهدات والبروتوكولات الإنسانية، مستندة إلى شعورها بالإفلات من المحاسبة، مشيراً إلى أن إسرائيل ارتكبت جرائم واسعة شملت قتل عشرات الآلاف وجرح مئات الآلاف وتشريد نحو مليوني فلسطيني، من دون أن تواجه محاسبة فعلية، الأمر الذي يشجعها على المضي قدماً في تعطيل عمل المؤسسات الإنسانية من دون خشية من العواقب.
سعي إسرائيلي لاحتكار "إدارة المعاناة"..
ويشير سمور إلى أن بعض المؤسسات قد تلجأ إلى التكيّف مع القرار عبر تقديم تنازلات لإسرائيل مقابل الاستمرار في العمل، محذراً من خطورة هذا المسار، الذي قد يحوّل هذه المؤسسات، قسراً، إلى أدوات لخدمة الأهداف الأمنية للاحتلال، من خلال تسريب بيانات أو معلومات حساسة حول المستفيدين، أو استغلال هذه المعطيات في عمليات المراقبة أو التجنيد.
ويستبعد سمور ممارسة ضغط أميركي جاد لتجميد القرار، معتبراً إياه ضعيف الاحتمال في المرحلة الراهنة، وإن لم يستبعد حدوث تطورات مفاجئة.
ويؤكد سمور أن التحرك من داخل إسرائيل عبر ما تبقى من المنظومة القانونية أو من قبل محامين وحقوقيين يظل سيناريو محدود التأثير، في ظل هيمنة التيارات المتطرفة.
ويحذر سمور من أن النتيجة الأرجح تتمثل في إغلاق المؤسسات الإنسانية وزيادة معاناة الغزيين، مع احتمال سعي إسرائيل لاحتكار "إدارة المعاناة" عبر مؤسسات مرتبطة بها بواجهات دولية، بما يحقق لها مكاسب مالية وأمنية على حساب الاحتياجات الإنسانية الملحّة لسكان القطاع.
تصاعد معدلات سوء التغذية وانعدام الأمن الغذائي..
تحذّر الكاتبة والباحثة السياسية د. تمارا حداد من أن توقف عمل المؤسسات الإنسانية داخل قطاع غزة سيقود إلى تعميق غير مسبوق لحالة التجويع، في ظل انهيار الخدمات الأساسية وغياب البعد الإغاثي الذي يشكل الركيزة الرئيسية لتوفير الغذاء والدواء والمستلزمات الإنسانية للسكان، مؤكدة أن التداعيات المتوقعة ستكون إنسانية واجتماعية وصحية بالغة الخطورة.
وتوضح حداد أن توقف عمل المنظمات الإنسانية سيؤدي إلى تفاقم الأزمة الحادة في قطاع غزة، مع تصاعد معدلات سوء التغذية وانعدام الأمن الغذائي، نتيجة توقف إدخال وتوزيع المواد الغذائية والأدوية والمستلزمات الأساسية، مشيرة إلى أن الواقع الصحي بات هشاً للغاية، في ظل غياب مقومات الرعاية الصحية الطبيعية، ما ينعكس بشكل مباشر على المرضى والفئات الأكثر ضعفاً.
وتبيّن حداد أن الشرائح الأكثر تضرراً من هذا التدهور هم الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى، الذين يعانون أصلاً من نقص حاد في الخدمات الصحية والتغذوية، لافتة إلى أن تفاقم الأزمة يتزامن مع فصل الشتاء، حيث تزداد معدلات الأمراض، ما ينذر بمضاعفات صحية واسعة النطاق، إلى جانب التأثيرات النفسية الخطيرة المترتبة على تراجع الخدمات، من إحباط وضغط اجتماعي وتفكك أسري، وتعميق الشعور بانعدام الأفق والمستقبل.
تعزيز مخاطر التهجير القسري..
وتشير حداد إلى أن حالة الإحباط تتعزز في ظل غياب أي مؤشرات على عودة الإعمار أو انتظام إدخال المساعدات، إضافة إلى ربط الاحتلال الإسرائيلي فتح المعابر بشروط سياسية وأمنية، ما يرسخ في وعي المواطنين فكرة أن أي فتح محتمل للمعابر قد يكون مرتبطاً بدفعهم نحو الخروج من قطاع غزة، في سياق يعزز مخاطر التهجير القسري أو الاضطراري.
وتعتبر حداد أن استمرار توقف العمل الإنساني، بالتوازي مع فتح معبر رفح دخولاً وخروجاً دون ضمان تدفق المساعدات، سيكرس فكرة التهجير في ذهن المواطن، ويخلق واقعاً إنسانياً سلبياً يضغط على السكان للبقاء في حالة انتظار دائم للمساعدات.
تشجيع الاحتكار ورفع الأسعار..
وتشير حداد إلى أن شح المساعدات، في حال دخولها، قد يفتح المجال أمام استغلالها من قبل جماعات مسلحة أو جهات مدعومة من إسرائيل، تتغلغل أمنياً عبر واجهات إنسانية غير محايدة، ما يؤدي إلى السيطرة على عملية التوزيع.
وتؤكد حداد أن توقف إدخال المساعدات عبر المؤسسات الأممية سيشجع على احتكارها ورفع أسعارها، ويمنع توزيعها بشكل عادل، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على السلم الأهلي، ويحوّل المساعدات إلى أداة ضغط ونفوذ في ظل غياب ترتيبات واضحة لـ"اليوم التالي" وإفشال أي جهة رسمية قادرة على إدارة المشهد.
وتعتبر حداد أن أسوأ السيناريوهات يتمثل في خروج كامل للمنظمات الدولية وتفكيك منظومة الإغاثة والتعافي الإنساني، ما يعني تفاقم المجاعة وتفشي الأمراض وتقويض قدرة السكان على الصمود.
وترى حداد أن السيناريو الأفضل يكمن في تدخل دولي ضاغط، تقوده الأمم المتحدة والدول الكبرى، لإعادة المؤسسات الإنسانية المحظورة وضمان إدخال المساعدات دون قيود أو شروط، وبمشاركة منظمات دولية وعربية محايدة، بما يضمن توزيعاً عادلاً وشفافاً يحمي المجتمع الفلسطيني من الانهيار الكامل.
عملية ممنهجة لتفريغ المفهوم المؤسساتي..
يرى الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن ما تقوم به إسرائيل في قطاع غزة يرقى إلى عملية ممنهجة لتفريغ المفهوم المؤسساتي، على المستويين المحلي والدولي، في إطار رؤية شاملة لإعادة تشكيل الواقع الإنساني والسياسي في القطاع بما يخدم الأهداف الإسرائيلية على المدى البعيد.
ويوضح بشارات أن هذا التوجه تجسّد، خلال العامين الماضيين، في الاستهداف الواسع للمؤسسات المحلية في قطاع غزة، ثم انتقل إلى مستوى أكثر خطورة عبر تعطيل عمل المؤسسات الدولية، في مقدمتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، وصولاً إلى ما تبقى من مؤسسات إنسانية يمكن أن تشكل شبكة أمان إغاثية للسكان
ويعتبر بشارات أن هذه الخطوات لا تُقرأ كإجراءات منفصلة، بل كمسار متكامل يهدف إلى إفراغ غزة من أي وجود مؤسسي مستقل.
ويشير بشارات إلى أن أولى النتائج الجوهرية لهذا المسار تتمثل في خلق فراغ مؤسساتي إنساني حقيقي داخل القطاع، ما يفتح الباب أمام إسرائيل لطرح "بدائل" تخضع بالكامل لسياساتها وأجندتها.
ويلفت بشارات إلى تجارب سابقة، مثل نموذج مؤسسة "غزة الإنسانية" التي جرى الترويج لها بدعم أميركي وتنسيق إسرائيلي، باعتبارها محاولة تمهيدية لإيجاد أطر بديلة للمنظومة الإنسانية الدولية التقليدية، ولكن ضمن سقف يخدم المصالح الإسرائيلية.
إحكام السيطرة الشاملة على القطاع..
ويرى بشارات أن الهدف الثاني لهذه السياسة هو إحكام السيطرة الشاملة على قطاع غزة، بحيث تصبح إسرائيل المرجعية الأساسية في كل ما يتعلق بمستقبل القطاع، بدءاً من الملف الإنساني، مروراً بالواقع الاقتصادي والمجتمعي، وصولاً إلى البعدين الأمني والسياسي.
ويعتبر بشارات أن ذلك يعكس بوضوح أن أي حديث عن انسحاب إسرائيلي فعلي من غزة لا يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية، التي تسعى إلى إدارة القطاع بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ويبيّن بشارات أن إسرائيل تعمل، في هذا الإطار، على خلق "ظل تابع" لها داخل غزة، سواء عبر البوابة الإنسانية، أو الأمنية والعسكرية، أو حتى السياسية، بما يتيح لها التحكم عن بُعد بمفاصل الحياة كافة في حال غياب الوجود العسكري المباشر.
ويستشهد بشارات بنموذج المعابر، التي تسيطر عليها إسرائيل بشكل كامل، حيث تتحكم بفتحها وإغلاقها، وبما يدخل إلى القطاع أو يُمنع عنه، باعتبارها مثالاً عملياً على هذا النمط من السيطرة.
ويرى بشارات أن من بين أهداف هذه السياسة تفريغ البعد الدولي لقضية غزة، وتحويلها إلى ملف صراع ثنائي فلسطيني–إسرائيلي، بما يبرر، من وجهة النظر الإسرائيلية، استبعاد التدخل الدولي، وفرض سياسات تنطلق من ذرائع أمنية قد تتطور لاحقاً إلى أهداف سياسية واضحة.
إعادة هندسة البنية الإنسانية والمؤسساتية..
ويحذّر بشارات من إمكانية إقبال القطاع على محطة خطيرة في مسار إعادة هندسة بنيته الإنسانية والمؤسساتية، لتصبح بنية تابعة بالكامل للرؤية الإسرائيلية، سواء من حيث الإدارة أو القرار أو الأولويات.
ويرجّح بشارات أن تسمح إسرائيل بوجود محدود لبعض المؤسسات الدولية، ولكن ضمن سقف صارم يضمن لها التحكم الكامل ويُبقي غزة في حالة استنزاف إنساني دائم، بما يجعلها بحاجة مستمرة للمساعدات.
ولم يستبعد بشارات سيناريو تحرك دولي أو إقليمي فاعل يعيد الاعتبار لدور المؤسسات الإنسانية، لكنه ضعيف الاحتمال في المرحلة الراهنة، في ظل الدعم الأميركي المطلق لإسرائيل، وتعقيد الأزمة الإنسانية التي تتطلب تدخلاً دولياً متكاملاً يفوق مجرد وجود عدد من المؤسسات الإغاثية.
المصدر:
القدس