الحدث - مثنى النجار
يمتد ما يُعرف بـ”الخط الأصفر” ليبتلع مساحات واسعة من المناطق الشرقية لقطاع غزة، فارضًا واقعًا أمنيًا وإنسانيًا بالغ القسوة على آلاف السكان، الذين أُجبروا على مغادرة منازلهم تحت وطأة القصف ونسف المنازل والتوغلات العسكرية المتكررة رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوافق عليها خلال شهر أكتوبر الماضي، إلى جانب النزوح قسرًا نحو مراكز الإيواء والخيام الممتدة على طول المناطق الغربية للقطاع، لا سيما في المواصي والمناطق القريبة من البحر.
ويؤكد أهالي المناطق الشرقية، أن العودة إلى منازلهم باتت شبه مستحيلة، في ظل الاستهداف المتكرر لطائرات “الكواد كابتر”، والقصف المدفعي المتواصل، ما يحول دون حتى محاولات تفقد الممتلكات أو انتشال الجثامين من المناطق المصنفة خطرة.
من بلدة بني سهيلا شرق خانيونس، تروي أم محمد أبو خطي تفاصيل محاولة قصيرة انتهت بمأساة، حين توجهت لتفقد منزلها قبل أن تطلق طائرات الاحتلال صاروخًا باتجاه مجموعة من المواطنين، ما أدى إلى ارتقاء جارتها المسنة تمام أبو خطي (50 عامًا).
وتضيف: “شاهدنا القصف بأعيننا ونجونا بأعجوبة، لكن أبناء الشهيدة حاولوا العودة لاحقًا للوصول إلى جثمان والدتهم، فباغتتهم الطائرات مجددًا وقصفتهم، ليرتقي نجلها خليل إلى جانب ثلاثة شبان آخرين، ويرتفع عدد الشهداء إلى أربعة، دون أن تتمكن الطواقم من انتشالهم حتى اللحظة”.
وفي مشهد يتكرر يوميًا، يناشد المواطن ناجي أبو خاطر المنظمات الإنسانية والمؤسسات الدولية التدخل العاجل لتمكينه من استعادة جثمان ابنه ورفاقه من منطقة شرق خانيونس، حيث لا يزالون في العراء، في ظل عجز العائلة عن الوصول إليهم.
ويقول: “نحن من سكان بني سهيلا، والقصف أجبرنا على النزوح غرب المدينة، وبقاء الجثمان في العراء يضاعف ألمنا، ويشكّل انتهاكًا صارخًا للكرامة الإنسانية وحرمة الموتى”.
أما المسن زكي أبو دقة، الذي اعتاد البقاء في منزله القريب من مدارس بني سهيلا، فقد اضطر إلى مغادرته قرابة 18 مرة بفعل القصف واقتحام الآليات العسكرية، قبل أن يُحرم من العودة نهائيًا بسبب الدمار الواسع الذي طال المنطقة. ويقول بحسرة: “لم أعتد الخروج من بيتي، لكنهم أجبرونا على الرحيل، ولم يتركوا شيئًا نعود إليه”.
وفي حي التفاح شرق مدينة غزة، يختصر المواطن أشرف المشهد بكلمات موجعة: “دمّرونا ودمّروا بيوتنا، ولم يبقَ لنا مكان سوى الخيمة.. كل ما نريده هو العودة حتى لو إلى ركام بيوتنا والحي الذي ترعرعنا فيه”.
أما في المنطقة الوسطى، فيروي المواطن حازم بن سعيد تفاصيل التوغلات اليومية التي تطال منطقة قوز أبو حمام شرق دير البلح، إضافة إلى التوغل الأخير قرب مسجد حسني المدمر شرق مخيم المغازي، حيث قامت آليات الاحتلال بوضع مكعبات إسمنتية صفراء ومنعت المواطنين من الوصول إلى أراضيهم ومنازلهم.
هذا الواقع القاسي يقضي على ما تبقى من آمال المواطنين، الذين ينظرون بقلق بالغ إلى اتفاق وقف إطلاق النار، مؤكدين أنه لم يحقق سوى “هدوء هش” لم يُعد إليهم الحد الأدنى من الأمان أو الاستقرار، فيما تستمر عمليات التدمير البطيء لممتلكاتهم أمام مرأى العالم.
وبينما يطالب سكان القطاع الوسطاء والجهات الدولية بالتدخل العاجل لإنقاذهم ووقف كافة أشكال التنكيل والتدمير الممنهج.
إلى جانب كل هذا المشهد، كشفت المنخفضات الجوية الأخيرة حجم المرارة التي يعيشها الأهالي داخل خيام مهترئة، لا تقي بردًا ولا مطرًا، لتبقى المعاناة مفتوحة على نزوح طويل، وعودة مؤجلة، وكرامة إنسانية تُنتهك كل يوم.
ويطلق الخط الأصفر على المناطق التي صنّفتها قوات الاحتلال الإسرائيلي كمناطق عسكرية مغلقة أو “مناطق خطر” داخل قطاع غزة، ويجري تحديدها ميدانيًا عبر مكعبات إسمنتية صفراء أو عبر أوامر إطلاق نار مباشرة، دون إعلان خرائط واضحة أو حدود ثابتة.
ويمتد الخط الأصفر بشكل أساسي على طول المناطق الشرقية للقطاع، من شمال غزة مرورًا بشرق مدينة غزة وشرق خانيونس وبلدات بني سهيلا وعبسان، وصولًا إلى شرق دير البلح ومخيم المغازي.
وتمنع قوات الاحتلال المواطنين من الوصول إلى هذه المناطق تحت تهديد القتل المباشر، حيث تتعرض أي حركة فيها لاستهداف فوري عبر القناصة، وطائرات “الكواد كابتر”، والقصف المدفعي، ما جعلها مناطق محرّمة فعليًا على السكان وفرق الإسعاف والدفاع المدني.
وبحسب مصادر ميدانية، يبتلع الخط الأصفر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والأحياء السكنية، ويحول دون عودة عشرات الآلاف من النازحين إلى منازلهم، كما يعيق انتشال جثامين الشهداء ويفاقم من أزمة المفقودين، في ظل بقاء العديد من الجثامين في العراء أو تحت الأنقاض لأيام وأشهر.
ويرى مختصون أن فرض هذا الخط دون أسس قانونية أو إنسانية واضحة يُعد انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، كونه يحرم المدنيين من حقهم في التنقل الآمن، ويمنعهم من الوصول إلى منازلهم وممتلكاتهم، ويُعرّض حياتهم للخطر حتى بعد توقف العمليات العسكرية المباشرة.
وقال مركز غزة لحقوق الإنسان، إن الاحتلال الإسرائيلي، يواصل منذ بدء تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، ارتكاب انتهاكات جسيمة ومتواصلة بحق السكان المدنيين في قطاع غزة، بذريعة الاقتراب أو اختراق ما يُسمّى بـ“الخط الأصفر”، الذي فرضه الاحتلال كخط أمني جديد داخل أراضي القطاع، في مخالفة صريحة لأحكام القانون الدولي الإنساني، وقواعد حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، ولما تم الاتفاق عليه ضمن اتفاق وقف إطلاق النار.
ورصد مركز غزة لحقوق الإنسان تصاعدًا خطيرًا في سياسة التساهل المفرط باستخدام القوة المميتة من قوات الاحتلال، حيث يتم إطلاق النار بشكل مباشر على المدنيين الفلسطينيين الذين يقتربون من الخط الأصفر أو يسكنون في محيطه، بما في ذلك المزارعون، والنازحون، والسكان الذين يحاولون الوصول إلى منازلهم أو أراضيهم.
ووفقًا لتقارير محلية موثوقة، فقد تجاوز عدد القتلى الفلسطينيين 420 مواطنا، منهم 151 طفلا و60 امرأة، إضافة إلى 1184 مصابا، منذ بدء إطلاق النار في 10 أكتوبر الماضي، أغلبهم في نطاق ما يسمى الخط الأصفر، ولا يزال العدد في ازدياد مستمر، نتيجة الانتهاكات اليومية المتواصلة التي ترتكبها قوات الاحتلال في محيط الخط المذكور، بما في ذلك إطلاق النار المباشر من قناصة الاحتلال، والاستهداف عبر طائرات الاستطلاع المسلحة من نوع “كواد كابتر”، إضافة إلى القصف المدفعي، ما يؤكد الطابع المنهجي لاستخدام القوة المميتة ضد المدنيين، وليس كونها حوادث فردية أو استثنائية.
ووثق الفريق الميداني لمركز غزة، إقدام قوات الجيش الإسرائيلي على التوسيع المتكرر لنطاق الأراضي الخاضعة لسيطرتها ضمن الخط الأصفر حيث ارتفعت نسبة هذه الأراضي من 53 % إلى أكثر من 60 % في غضون الأسابيع الثلاثة الماضية، حيث تعمل تلك القوات على تحريك الكتل الأسمنتية الصفراء التي تحدد بداية الخط والتي يمنع على الفلسطينيين تجاوزها.
كما وثّق المركز استمرار عمليات الهدم والتجريف المنهجي لما تبقى من منازل وممتلكات مدنية داخل نطاق الخط الأصفر، حيث تعمل قوات الاحتلال على تدمير أحياء سكنية بأكملها أو ما تبقى منها، في إطار سياسة واضحة لفرض واقع ديموغرافي وأمني جديد، يهدف إلى منع السكان من العودة إلى مناطقهم الأصلية، ويشكّل جريمة تهجير قسري محظورة بموجب القانون الدولي.
ويؤكد المركز أن هذه الممارسات تمثل انتهاكًا مباشرًا لبنود اتفاق وقف إطلاق النار، الذي يفترض أن يضمن وقف الأعمال العدائية، وحماية المدنيين، وتهيئة الظروف لعودة السكان إلى مناطقهم ومنازلهم، لا فرض خطوط عسكرية جديدة داخل المناطق المأهولة، أو استخدام الاتفاق كغطاء لمواصلة السيطرة الميدانية بالقوة.
ونبه إلى أن هذه الانتهاكات الميدانية تأتي بالتوازي مع تصريحات رسمية صادرة عن قيادة الاحتلال الإسرائيلي، تعكس نية مبيّتة لاستخدام الخط الأصفر كمنطقة قتل مفتوحة.
وشدد المركز الحقوقي على أن مجمل السياسات الإسرائيلية في هذا الصدد تشكّل انتهاكًا صارخًا لمبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، ومبدأ التناسب، وحظر العقاب الجماعي، وترقى إلى جرائم حرب بموجب اتفاقيات جنيف الرابعة ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، خاصة في ظل استهداف مناطق مأهولة، ومنع السكان من الوصول إلى منازلهم ومصادر رزقهم.
ودعا مركز غزة لحقوق الإنسان المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، والدول الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقيات جنيف، إلى تحمّل مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية، والضغط الفوري على الاحتلال الإسرائيلي لوقف هذه الانتهاكات، والالتزام الكامل بما ورد في اتفاق وقف إطلاق النار، وإلغاء ما يُسمّى بالخط الأصفر، وضمان حماية المدنيين الفلسطينيين، ومساءلة المسؤولين عن جرائم القتل والهدم والتهجير القسري.
وحذر المركز من أن استمرار الصمت الدولي إزاء هذه الجرائم يشجّع الاحتلال على المضي قدمًا في سياساته القائمة على القوة الغاشمة وفرض الأمر الواقع، ويقوّض أي فرص حقيقية لحماية المدنيين أو تحقيق الحد الأدنى من العدالة.
المصدر:
الحدث