آخر الأخبار

عن مخصصات الأسرى.. هكذا تحولت الحقوق الوطنية إلى "رعاية اجتماعية"

شارك

مختصون وباحثون في شؤون الأسرى لـ الحدث:

هناك ضغوطات هائلة جدا من قبل الأوروبيين والاحتلال والأمريكيين تصب في خانة شيطنة وتجريم النضال الفلسطيني

واجبنا أن تصان كرامة الأسرى والشهداء والجرحى وهذا مسؤولية وطنية ويجب متابعة القضية بجدية عالية

الحدث - سجود عاصي

أصدر الرئيس محمود عباس، منذ بداية العام 2025؛ سلسلة قرارات بقانون، أثارت ردود فعل في الشارع الفلسطيني، كان من أبرزها القرار بقانون رقم 23 لسنة 2025 الخاص بانتخابات المجالس المحلية بالإضافة إلى تعديل قانون مخصصات الأسرى والجرحى وعوائل الشهداء الذي أصدر في فبراير 2025 ألغى بموجبه الرئيس عباس منظومة القوانين والأنظمة التي تنظم صرف رواتب الأسرى وعائلات الشهداء، وهو ما أثار ردود فعل غاضبة في الشارع الفلسطيني، بدأت تتجلى في الأسابيع الأخيرة مع استمرار قطع رواتب عدد كبير منهم وتحويل بعضهم إلى مخصصات شحيحة ضمن مؤسسة "تمكين" التي أنشئت عام 2019 تحت مسمى "المؤسسة الوطنية للتمكين الاقتصادي" بقرار بقانون رقم 1 لسنة 2019 والتي كانت تهدف وفق ما أُعلن إلى "تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية للفئات المستحقة في فلسطين، من خلال تمويل المشاريع الصغيرة ودعم الفئات الهشة اقتصادياً".

في نهاية ديسمبر 2025؛ خرج المئات من الأسرى والجرحى وعائلات الأسرى والشهداء في مظاهرات ووقفات أمام مقار ومكاتب البريد الفلسطيني التي يتم تسليمهم المخصصات من خلالها بسبب الاعتراضات الأمريكية والإسرائيلية التي حالت دون إمكانية تحويل المخصصات عبر البنوك كما كان يجري سابقا، فبعضهم جرى صرف 250 شيقلا كمستحقات منذ أشهر والبعض الآخر عاد دون مستحقات وآخرون قطعت رواتبهم، وبعضهم احتج على الآلية التي تتبعها المؤسسة "تمكين" بخصوص المخصصات والتي اعتبروها مذلة.

ووفق ما أفادت به شهادات عائلات الأسرى، فإن الأسئلة التي تطرحها مؤسسة "تمكين"، مشابهة لتلك التي تطرحها وزارة الشؤون الاجتماعية أمام الفقراء والفئات المهمشة ما يحول قضية الأسرى والجرحى والشهداء من قضية وطنية إلى قضية اجتماعية بالكامل، مستبعدين نضالات أبنائهم وأهاليهم وتضحياتهم.

تقول والدة اثنين من الأسرى في سجون الاحتلال، إن مؤسسة "تمكين" تطلب تفاصيل دقيقة وواضحة عن أسلوب حياتهم المعيشي لدرجة السؤال عن ماذا يأكلون ويشربون وتفاصيل الأثاث الموجود في المنزل، وتؤكد أن ما يُسأل شكل صدمة بالنسبة لهم ويعاملهم كحالات اجتماعية وليس كعائلات مناضلين.

بينما أكدت عائلات أسرى شاركت في الاعتصامات، أن قضية مخصصات الأسرى والجرحى وعائلات الشهداء، واجب على كل حر مع التشديد على وجود عائلات الجرحى والأسرى والشهداء في الميدان كونها الفئات المتضررة بالدرجة الأولى.

فيما انتقد نشطاء في قضايا الأسرى وأسرى محررون، خصّ "مؤسسة تمكين" بتقدير وصرف مستحقات الأسرى بناء على الحاجة الاجتماعية وبمبالغ لا ترقى لمستوى توفير الاحتياجات الأساسية لعائلات الأسرى والشهداء، والتي كثير منها لا تتوفر لديها مصادر دخل غير المخصصات.

وأكد أسرى محررون، أنهم ليسوا أرقاما وإنما قضية وطن، عانوا فيها من التعذيب في سجون الاحتلال وزنازينها، موجهين انتقاداتهم للسلطة الفلسطينية التي لم يعد الأسير أولوية بالنسبة لها، على حدّ تعبيرهم على مبدأ "من نجا من السجن عليه أن ينجوا وحده".

يقول الباحث والمختص في شؤون الأسرى حسن عبد ربه، إن هناك حالة من التذمر والاستياء يعبر عنها من خلال وقفات مطالبة ومؤكدة على حقوق الأسرى الوطنية والاجتماعية، استنادا إلى المعايير التي كان معمولا بها سابقا من خلال هيئة شؤون الأسرى والمحررين. مضيفا أن هناك رفضا واضحا من قبل شريحة الأسرى وأهالي الأسرى والشهداء والجرحى المناضلة فيما يتعلق بتحويل قضية مخصصاتهم إلى قضية رعاية اجتماعية في مؤسسة "تمكين" الاقتصادية.

واعتبر عبد ربه، أن الخطوات التي يقوم بها الأهالي، تأتي من باب رفع الصوت عاليا تعبيرا عن رفضهم لتحويل قضيتهم إلى قضية رعاية اجتماعية، وتأكيدا على حقوقهم الوطنية والاجتماعية والإنسانية والاعتبارية والمعنوية، بشكل واضح، كحقوق محفوظة ومكفولة بموجب التشريعات التي شرعت من قبل منظمة التحرير الفلسطيني منذ ستينات القرن الماضي، وأيضا من المجلسين التشريعي والوطني الفلسطيني والحكومات الفلسطينية المتعاقبة وتم تقنين ذلك من خلال تشريعات ومجموعة من القوانين التي تنظم صرف هذه المخصصات وتنظم حقوقهم.

ووفق عبد ربه، فإن الأمور ليست سهلة، لأن هناك ضغوطات هائلة جدا من قبل الأوروبيين والاحتلال الإسرائيلي والأمريكيين، بشيطنة وتجريم النضال الفلسطيني ووسمه بالإرهاب، وهذه الضغوطات تأتي لانعكاس لهذا الوضع، مؤكدا أن هناك ضائقة مالية وأزمة مالية حقيقية تعيش بها السلطة الفلسطينية، والتي من ضمنها ما يدفع للأسرى وعائلات الشهداء من مخصصات مالية.

وقال الباحث في شؤون الأسرى، إن الضغوطات كبيرة جدا على السلطة وهذا ليس بالأمر الجديد، فقد لجأت سلطات الاحتلال قبل سنوات إلى اقتطاع قيمة ما يدفع كمخصصات للأسرى من قيمة المقاصة، والولايات المتحدة حجبت عن السلطة الوطنية أموال تمويلها تحت ذات الذريعة، ويهددون البنوك بوقف الحسابات البنكية لعائلات الأسرى والشهداء وفرض قيود في تعاملاتهم البنكية وهذا ما أدى إلى نقل تسديد هذه المستحقات المالية من البنوك إلى البريد الفلسطيني كجزء من الضغط بسبب ارتباط المنظومة البنكية الفلسطينية التي تخضع لمعايير عالمية.

ويرى عبد ربه في لقاء خاص مع "صحيفة الحدث"، أن معالجة هذا الموضوع بحاجة إلى جهد وطني كما كانت دائما قضية الأسرى قضية موحدة وجامعة للكل الفلسطيني، يفترض معالجة هذه الإشكاليات والقضايا برؤية وطنية مشتركة بعيدا عن منطق المزاودة والمساس بالحقوق الوطنية والمادية والاعتبارية للأسرى.

وتطرق إلى البيان الصادر عن الرئيس الفلسطيني بالخصوص مؤخرا في 24 ديسمبر، والذي أكد فيه أن حقوق الأسرى الوطنية هي التزام وطني وأخلاقي تجاه عائلات الأسرى والشهداء والجرحى وهذا الوضع يفترض أن تكون له ترجمة واقعية على أرض الواقع للحفاظ على كرامة هذه الشريحة المناضلة.

وأوضح أن هناك تذمرا كبيرا جدا فيما يتعلق بدور ومكانة مؤسسة تمكين الاقتصادية، وهو يعود إلى أسباب حقيقية وليست قضايا شكلية، فمؤسسة تمكين هي مؤسسة اقتصادية للرعاية الاجتماعية وكل جهد مقدر من أجل توفير نظام الرعاية الاجتماعية للمتعطلين عن العمل وغير قادرين عن العمل للعيش بكرامة إنسانية واجتماعية وهذا حق مكفول، ولكن كشعب فلسطيني تحت الاحتلال وهناك شريحة مناضلة دفعت الثمن وضحت من أجل القضية الفلسطينية وتضررت بشكل مباشر من الاحتلال، وهذا النظام غير موجود في أنظمة العالم، وهو نظام ضمن خصوصية الحالة الفلسطينية النضالية تحت الاحتلال، بالتالي يفترض أن هذه المؤسسات الخاصة بنظامها ودورها وهيكلتها وتقديم خدماتها لهذه الشرائح وليس تحويلهم إلى قضايا اجتماعية.

وأكد أن قضية الأسرى هي قضية ذات بعد قانوني ووطني وسياسي واعتباري وقيمي وأخلاقي، وهي ارتباط مباشر لتاريخ شعبنا في النضال الوطني ضد الاحتلال وليس مجرد فقط احتياجات إنسانية، وإذا ما كانت هناك قضايا تحتاج إلى وقفة تقييمية، فلتكن أي عملية تقييم لما كان يقدم لهذه الشريحة ومعالجته وفق رؤية وطنية فلسطينية في تحمل المسؤوليات تجاههم، ومطلوب من جميع فصائل العمل الوطني الفلسطيني قاطبة بالإسهام في معالجة هذا الملف لأبعاده المعنوية والاعتبارية والمادية، بسبب وجود أعباء والتزامات مادية كبيرة جدا لا بد للكل الوطني من العمل على تحمل المسؤوليات لإسناد هذه الشريحة وفق آليات متفق عليها وطنيا بما يصون الكرامة الوطنية والإنسانية والاجتماعية لأسرانا والحفاظ على مركزهم الوطني والقانوني تحت كل الظروف.

من جانبه أكد رئيس نادي الأسير الفلسطيني عبد الله زغاري لـ "صحيفة الحدث"، على ضرورة الالتزام بحقوق الأسرى كونهم حالات وطنية ونضالية ولا يجب المساس بأي حقوق لهم. وقال زغاري، إن هناك مباحثات وحوارات مستمرة من أجل الحفاظ على حقوق الأسرى كون القضية معنوية أكثر منها مادية، ويجب أن تكون هناك آليات واضحة لضمان حقوق الأسرى والشهداء والجرحى، كونها فئات نضالية قدمت أرواحها وأعمارها في سبيل القضية.

وشدد على أنه يجب أن تصان كرامة هذه الفئات، وهذا واجب وطني ومسؤولية وطنية تحتم على الشعب والقيادة الفلسطينية متابعة هذه القضية بجدية عالية.

ووجه الزغاري، رسالة إلى القيادة الفلسطينية بضرورة التدخل العاجل والفوري لإنقاذ الأسرى من الموت المحقق داخل سجون الاحتلال، قائلا إنه لا يُعقل أن نستقبل أسرانا جثامين، وأضاف: "حقوق الأسرى والجرحى، وكل الفئات المناضلة، وعلى رأسها عائلات الشهداء، خط أحمر لا يجوز تجاوزه تحت أي ظرف، نحن أصحاب الأرض، ونحن أصحاب الوطن".

وشدد الزغاري على أنهم أصحاب مشروع وطني وسيدافعون عنه بدمائهم وأعمارهم وأجسادهم، وقال: "كفى صمتًا، نحن أصحاب الحق، وأسرانا ليسوا عالة على أي أحد، بل هم أصحاب الحق الذي يجب أن يُصان ويُدفع فورًا".

من جانبه كان قد أكد رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين رائد أبو الحمص، على أنه "لم نترك أي استفسار وأي حل إلا وقد طرحناه حتى نحافظ على كرامة وشرف وعوائل أسرانا وشهدائنا وجرحانا"، وأكد على رفضهم لأي تفصيلة فيها إهانة لعوائل الأسرى.

وكان قد أعلن منتصف ديسمبر خلال وقفة بالخصوص، عن سلسلة نشاطات ستنظم إلى أن تحفظ كرامة عوائل الشهداء والأسرى والجرحى.

وفي 24 ديسمبر 2025؛ أصدر الرئيس محمود عباس بيانا، لاحقا لغضب شعبي بسبب طبيعة تحويل مخصصات الأسرى إلى مؤسسة تمكين، قال فيه إنه "في ظل المرحلة الدقيقة والحساسة التي تمر بها قضيتنا الوطنية، وما يواجهه شعبنا من عدوان متواصل وسياسات احتلالية ممنهجة تستهدف وجوده وحقوقه المشروعة، نتابع باهتمام ومسؤولية ما يُثار من نقاشات وحملات على بعض منصات التواصل الاجتماعي، وما يرافقها أحياناً من تحريض وتشويه للحقائق، بما لا يخدم المصلحة الوطنية العليا، ولا ينسجم مع حجم التحديات المصيرية التي نواجهها، أؤكد بوضوح لا لبس فيه، أن الوفاء لتضحيات شهدائنا الأبرار، وأسرانا البواسل، وجرحانا، وعائلاتهم الصامدة، هو التزام وطني وأخلاقي راسخ، لا يخضع للمزايدة أو الاستثمار السياسي، ولا يجوز استخدامه وسيلة للتحريض أو لإثارة الانقسام أو المساس بمؤسسات دولتنا الوطنية الشرعية".

وأضاف أنه "انطلاقاً من المسؤوليات الدستورية الملقاة على عاتق رئيس دولة فلسطين، وبموجب أحكام القانون الأساسي الفلسطيني، فإن إصدار القرارات بقانون يتم حصراً ضمن الصلاحيات الدستورية للرئيس، ووفق مقتضيات المصلحة الوطنية العليا، وبما يضمن حماية النظام السياسي الفلسطيني، واستمرارية عمل مؤسسات الدولة، وتعزيز صمود شعبنا في مواجهة التحديات الراهنة، وفي هذا الإطار، وانسجاماً مع التزاماتنا الوطنية والدولية، فإننا ماضون في تنفيذ برنامج إصلاحي وطني شامل، يهدف إلى تطوير وتحديث المنظومة القانونية والمؤسسية لدولة فلسطين، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز مبادئ الحكم الرشيد، والشفافية، والمساءلة، وضمان الفصل بين السلطات، بما يخدم المصلحة العامة ويعزز ثقة المواطن بمؤسسات دولته".

وأوضح أن القرار بقانون رقم (4) لسنة 2025، صدر ضمن هذه الرؤية الإصلاحية الشاملة، بهدف توحيد وتنظيم منظومة الحماية والرعاية الاجتماعية، وضمان العدالة والشفافية والاستدامة في تقديم المخصصات، وفق معايير موضوعية ومهنية معتمدة، وبما يحفظ كرامة المستفيدين ويصون حقوقهم.

كما أوضح، أن المؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي «تمكين» هي مؤسسة وطنية رسمية ذات طابع تنفيذي، تعمل حصراً على تنفيذ السياسات والقرارات الصادرة وفق أحكام القانون، ولا تمتلك أية صلاحيات تشريعية أو سياسية، وإن تحميلها أو القائمين عليها مسؤوليات خارج إطار دورها القانوني يُعد خلطاً للأوراق، وإضراراً غير مبرر بمؤسسة وطنية تؤدي واجبها في إطار منظومة الإصلاح والحماية الاجتماعية الموحدة. ودعا الفلسطينيين إلى التحلي بروح المسؤولية الوطنية، والالتزام بخطاب عقلاني جامع يحترم القانون والحقائق، والاحتكام إلى الأطر الشرعية والدستورية، وتغليب المصلحة الوطنية العليا فوق أي اعتبارات أخرى.

وحاولت صحيفة الحدث الفلسطيني التواصل مع رئيس مؤسسة تمكين أحمد المجدلاني؛ دون رد.

الحدث المصدر: الحدث
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا