آخر الأخبار

تجفيف المساعدات باسم الأمن: تصعيد إسرائيلي يهدد بانهيار الإغاثة في غزة

شارك

في تصعيد جديد يضع العمل الإنساني في غزة على حافة الشلل، فجّرت إسرائيل موجة إدانات دولية بعد إعلانها نيتها تعليق عمل عشرات المنظمات الإغاثية الدولية اعتبارًا من مطلع العام المقبل، تحت ذرائع تنظيمية وأمنية واسعة وفضفاضة. الخطوة، التي وصفها مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك بأنها "شائنة"، لا يمكن قراءتها بوصفها إجراءً إداريًا معزولًا، بل حلقة إضافية في سياسة ممنهجة تستهدف تقويض منظومة الإغاثة الإنسانية في قطاع يعيش أصلًا واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث.

إسرائيل أعلنت أنها ستمنع 37 منظمة إنسانية من مواصلة العمل في غزة ما لم تلتزم بتوجيهات جديدة، تشمل تقديم معلومات تفصيلية وحساسة عن الموظفين الفلسطينيين العاملين لديها. وحددت الأول من آذار 2026 موعدًا نهائيًا لتوقف هذه المنظمات عن العمل في حال عدم الامتثال. عمليًا، يعني ذلك تعليق أو إغلاق أنشطة مؤسسات دولية كبرى تشكل العمود الفقري لتقديم الغذاء والدواء والخدمات الطبية والمياه لمليوني إنسان محاصرين.

وحذر تورك بوضوح من أن هذه "العمليات التعسفية" ستجعل وضعًا "غير محتمل أصلًا" أكثر سوءًا، معتبرًا أن القيود الجديدة تمثل انتهاكًا مباشرًا لالتزامات إسرائيل بموجب القانون الدولي الإنساني، الذي يفرض على القوة القائمة بالاحتلال ضمان وصول الإمدادات الأساسية للسكان المدنيين وتسهيل عمل المنظمات الإنسانية دون عوائق. وأكد أن ما يجري ليس استثناءً، بل جزء من "سلسلة قيود غير قانونية" تشمل حظر وكالة الأونروا، والتضييق على منظمات غير حكومية إسرائيلية وفلسطينية، وتعقيد وصول الأمم المتحدة إلى المحتاجين.

الاتحاد الأوروبي بدوره أطلق تحذيرًا لافتًا، معتبرًا أن الخطوة الإسرائيلية ستحرم سكان غزة من مساعدات "منقذة للحياة". وشددت مفوضة الشؤون الإنسانية الأوروبية هادجا لحبيب على أن قانون تسجيل المنظمات غير الحكومية بصيغته الحالية غير قابل للتطبيق، وأن القانون الدولي الإنساني "لا يترك مجالًا للشك" في ضرورة وصول المساعدات إلى من يحتاجها، بغض النظر عن الحسابات السياسية والأمنية.

إسرائيل، من جهتها، دافعت عن إجراءاتها التعسفية باتهامات طالت بعض المنظمات، وعلى رأسها "أطباء بلا حدود"، زاعمة أن لديها موظفين اثنين مرتبطين بحركتي الجهاد الإسلامي وحماس. غير أن هذه الادعاءات، التي لم تُدعَّم بأدلة علنية شفافة، تُستخدم – بحسب مراقبين – كأداة لتعميم العقاب وتبرير استهداف مؤسسات إنسانية كاملة، بدل معالجة أي شبهات فردية بآليات قانونية واضحة. إلى جانب "أطباء بلا حدود"، تضم قائمة المنظمات المستهدفة المجلس النرويجي للاجئين، وورلد فيجن، وكير، وأوكسفام، وهي منظمات ذات سجل طويل في العمل الإنساني في مناطق النزاع حول العالم.

وحذرت المنظمات الإغاثية من أن القواعد الجديدة ستؤدي إلى انهيار شبه كامل في منظومة توزيع المساعدات داخل غزة، في وقت تؤكد فيه التقارير أن حجم المساعدات التي تدخل القطاع لا يزال أقل بكثير من الحد الأدنى اللازم لتفادي المجاعة والأوبئة. كما أعلنت بطريركية القدس اللاتينية أن منظمة "كاريتاس القدس" ستواصل عملها في غزة والضفة الغربية والقدس، في موقف يعكس حجم القلق من تداعيات الانسحاب القسري للمنظمات الدولية.

في الجوهر، تكشف هذه الأزمة عن صدام حاد بين منطق إنساني يفترض حماية المدنيين بلا شروط، ومنطق سياسي–أمني من قبل الاحتلال العسكري الإسرائيلي يسعى إلى إخضاع الإغاثة لاعتبارات السيطرة والضغط. مطالبة المنظمات بتسليم بيانات مفصلة عن موظفيها الفلسطينيين لا تُقرأ فقط كإجراء أمني، بل كأداة ردع وترهيب، تهدد سلامة العاملين الإنسانيين وتقوّض مبدأ الحياد الذي تقوم عليه هذه المؤسسات.

يعتقد الخبراء أن ما يجري في غزة يؤشر إلى تحول خطير في التعامل مع العمل الإنساني، من كونه حقًا مكفولًا للسكان المدنيين إلى ورقة تفاوض وضغط سياسي. حين تُستخدم تهم الإرهاب بصورة جماعية وغير مدققة لتجفيف مصادر الإغاثة، يصبح المدنيون رهائن مباشرة لهذه السياسات. الصمت الدولي، خصوصًا من الدول النافذة، لا يقل خطورة عن القرارات نفسها، لأنه يبعث رسالة مفادها أن القانون الدولي الإنساني قابل للتعليق عند الضرورة السياسية.

ولعل الأخطر من تعليق عمل 37 منظمة هو تكريس سابقة تسمح لأي قوة مسيطرة بإعادة تعريف العمل الإنساني وفق مصالحها. إذا لم يُواجَه هذا المسار بحزم، فقد يتحول إلى نموذج يُحتذى في نزاعات أخرى، ما يهدد البنية العالمية للإغاثة. إن حماية حياد واستقلال المنظمات الإنسانية ليست مسألة تقنية، بل ركيزة أخلاقية وقانونية لمنع تحويل الحصار والتجويع إلى أدوات حرب مشروعة.

في المحصلة، تقف غزة أمام مفترق طرق قاتم: إما تحرك دولي فعلي يفرض على إسرائيل التراجع عن سياسات التعليق والحصار الإداري، أو انزلاق متسارع نحو كارثة إنسانية أعمق، تُرتكب هذه المرة تحت غطاء "التنظيم" و"الأمن"، بينما يدفع المدنيون الثمن وحدهم.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا