في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
سلطت صحيفة لوموند الضوء على الوضع الكارثي في مدينة الأبيض حيث يعاني المدنيون من النزوح والقتل والدمار، بعد أن تحولت مدينتهم إلى إحدى أخطر جبهات الحرب بين القوات المسلحة السودانية و قوات الدعم السريع.
ونقلت الصحيفة الفرنسية -في تقرير بقلم الكاتب إليوت براشيه- صورة قاتمة عن المدينة التي تحولت إلى إحدى أخطر جبهات الحرب، في صراع دموي مستمر منذ قرابة ثلاث سنوات، خلف مئات الآلاف من القتلى وملايين النازحين.
ويصف الكاتب المدينة المحاصَرة بأنها عقدة إستراتيجية واقتصادية حيوية، جعلها موقعها الجغرافي ومكانتها التجارية هدفًا رئيسيا في معركة السيطرة على وسط البلاد.
ويرسم التقرير مشهد الطريق الوعر الممتد شرقا نحو النيل الأبيض، حيث تتجاور الحياة اليومية القاسية للنساء العاملات في الحقول مع حركة القوافل العسكرية التي تعكس تصاعد الاستعدادات القتالية.
وعلى هذا الطريق ذاته، يتقاطع الجنود المتجهون إلى الجبهات مع موجات المدنيين الفارين من الأبيض، محملين بما تبقى من متاعهم، في رحلة نزوح قسرية نحو مناطق أكثر أمنا نسبيا، في مشهد يلخص مأساة الحرب السودانية، كما يقول الكاتب.
ويؤكد الكاتب أن الأبيض، المعروفة تاريخيا بلقب "عروس الرمال"، تعيش حالة ترقب دائم بعد أن خضعت لحصار طويل من قبل قوات الدعم السريع استمر نحو عامين، ولم يكسر إلا مؤخرا بفتح ممر إمداد شرقي هشّ، أصبح شريان الحياة الوحيد لأكثر من مليون مدني.
غير أن هذا الخط يظل مهددا بشكل مستمر بهجمات الطائرات المسيرة، مما يجعل المدينة عرضة للعزلة التامة في أي لحظة.
ويستعرض التقرير الطوق العسكري المحكم حول الأبيض، حيث تنتشر قوات الدعم السريع في الشمال والغرب والجنوب، مدعومة بتحالفات محلية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من سقوط المدينة، مما قد يعيد خلط موازين السيطرة في البلاد.
قوات الدعم السريع أحكمت سيطرتها على مساحات زراعية شاسعة وموارد طبيعية حيوية، مما أدى إلى شل النشاط الزراعي والصناعي في كردفان
وفي هذا السياق، يبرز حجم الكارثة الإنسانية، بعد أن تحولت الأبيض من مدينة مكتظة بسكانها الأصليين إلى ملاذ مؤقت لمئات آلاف النازحين، في بلد أصبح أكثر من ربع سكانه بلا مأوى.
كما يسلط التقرير الضوء على الانهيار الصحي، حيث يكافح المستشفى العام الوحيد في المدينة لتلبية احتياجات تفوق قدراته بكثير، وسط نقص حاد في الأدوية وهجرة الكوادر الطبية، وتفشي الأمراض وسوء التغذية، ويقول مدير المستشفى إن المدينة تواجه أزمة غير مسبوقة بوسائل شبه معدومة.
وفي البعد الاقتصادي، يشير الكاتب إلى أن قوات الدعم السريع أحكمت سيطرتها على مساحات زراعية شاسعة وموارد طبيعية حيوية، مما أدى إلى شلّ النشاط الزراعي والصناعي في كردفان، وضرب أحد أهم أعمدة الاقتصاد السوداني.
ويصف فاعلون محليون الحرب بأنها "حرب ضد المدنيين"، حيث تنهب ممتلكات المزارعين وتغلق المصانع، ويجبر السكان على الاختيار بين البقاء تحت النار والهرب إلى المجهول.
يقول عبد الحميد أحمد، وهو فني مختبر فر من حصار الفاشر إلى الأبيض "الحرب في دارفور انتهت، والآن وصلت إلينا هنا في كردفان. إلى أين سنذهب؟ لا أحد يعرف كم من الوقت يمكن للناس الصمود. مع حلول الشتاء، تنتشر الأمراض، ونفتقر إلى الأدوية، ونواجه معدلات مقلقة من سوء التغذية".
ويتناول التقرير التحول النوعي في طبيعة الصراع، مع تصاعد دور الطائرات المسيرة والأسلحة التكنولوجية، في سباق تسلح إقليمي جعل السماء ساحة الحسم الرئيسية.
ورغم أن هذا النمط من القتال يقلل الخسائر العسكرية المباشرة، فإنه يضاعف معاناة المدنيين الذين يدفعون الثمن الأكبر جراء الغارات العشوائية والمجازر، كما حدث في الأبيض وجنوب كردفان.
وفي ختام التقرير، يرسم الكاتب صورة اجتماعية قاتمة لانهيار النسيج الوطني السوداني، حيث يعيش النازحون في مخيمات مكتظة، تحكمها الشكوك والانقسامات العرقية، وحيث ينظر إلى المدنيين بريبة من كلا طرفي الصراع.
ومع اشتداد الحرب، تصبح الهوية نفسها موضع اتهام، ويتحول الانتماء الجغرافي أو القبلي إلى خطر يلاحق الأفراد أينما ذهبوا، في حرب لا تكتفي بتدمير المدن، بل تمتد لتفكيك المجتمع السوداني من الداخل.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة