واشنطن – "القدس" دوت كوم -سعيد عريقات
في الوقت الذي تدفع فيه الولايات المتحدة باتجاه الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، تبدو إسرائيل مصممة على إبطاء هذا المسار، عبر فرض وقائع ميدانية وسياسية تعزز بقاءها العسكري في المناطق التي تسيطر عليها داخل القطاع. وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الحكومة الإسرائيلية تتعامل مع ترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار باعتبارها تهديدًا لمجال نفوذها، خاصة تلك التي تتضمن دخول قوات دولية أو إطلاق عملية إعادة إعمار واسعة في المناطق الخارجة عن السيطرة الإسرائيلية.
كما يظهر أن إسرائيل تستخدم عناصر المرحلة الثانية بوصفها ملفات ضغط، فهي تعارض بشدة السماح بدخول قوات دولية يمكن أن تقيد حريتها العسكرية مستقبلاً، كما تتعامل مع ملف إعادة الإعمار وعرقلة دخول المساعدات الإنسانية الحيوية بوصفها أدوات تفاوضية تمنع عودة الحياة المدنية الطبيعية قبل تحقيق أهدافها السياسية والأمنية. وعلاوة على ذلك، فإن الحصار المفروض على غزة يعيق وصول الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية، ما يزيد الضغط الإنساني على السكان المدنيين ويخلق أزمة صحية متفاقمة، خصوصًا في المستشفيات التي تعاني نقصًا حادًا في المعدات والأدوية الضرورية لإنقاذ الأرواح.
ويواجه المدنيون في غزة، نتيجة لذلك مأساة صحية متصاعدة ، إذ تؤدي القيود على دخول الأدوية والمستلزمات الطبية إلى ارتفاع معدلات الوفيات بين المرضى والمصابين، ونقص الرعاية الأساسية للأطفال وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة. وتعتبر هذه الأزمة مؤشرًا واضحًا على أن الجمود السياسي لم يعد مجرد مسألة ترتيبات أمنية أو تفاوضية، بل أصبح تهديدًا مباشرًا لحياة ملايين السكان الذين يعتمدون على المساعدات الإنسانية البسيطة للبقاء على قيد الحياة.
ويبدو هذا النهج انعكاسًا للحسابات الداخلية للحكومة الإسرائيلية، التي تستند في بقائها إلى دعم أحزاب يمينية متشددة ترفض أي انسحاب أو مشاركة دولية في إدارة المشهد داخل غزة. لذلك، فإن تباطؤ الانتقال إلى المرحلة الثانية وعرقلة المساعدات الإنسانية لا ينفصل عن معركة سياسية داخل إسرائيل، تخشى فيها الحكومة من الاتهام بالتراجع أمام الضغوط الدولية أو تقديم تنازلات قد تُستخدم ضدها داخليًا.
في المقابل، تعمل الإدارة الأميركية على تحقيق تقدم ملموس في تنفيذ المرحلة الثانية، مدفوعة بضغوط داخلية مرتبطة بالانتقادات المتزايدة لطريقة تعاملها مع الأزمة الإنسانية في غزة، فضلًا عن الحاجة إلى إظهار فاعليتها في إدارة الملفات الإقليمية. غير أن قدرة واشنطن على إحداث اختراق حقيقي تصطدم بحدود نفوذها التقليدي على إسرائيل. فالولايات المتحدة تملك أدوات الضغط السياسي والدبلوماسي، لكنها تتحاشى اتخاذ خطوات حادة قد تؤدي إلى توتر العلاقة الإستراتيجية التي حافظ عليها الطرفان لعقود، أو غضب منظمات اللوبي الإسرائيلي. وهذا يعني أن واشنطن قادرة على الإقناع، لكنها لا تستطيع الإلزام من دون استخدام الضغط والتهديد ، استعدادها لتحمل كلفة سياسية داخلية وخارجية لذلك.
ومن الواضح أن إسرائيل تراهن على أن الولايات المتحدة، المشغولة بملفات عالمية معقدة مثل الصين وأوكرانيا والانتخابات الداخلية، قد تميل إلى تقليل الضغط على تل أبيب مع مرور الوقت. هذا الرهان ليس جديدًا، إذ تستفيد إسرائيل من اختلاف أولويات واشنطن، وتراهن على أن طول أمد التفاوض سيؤدي في النهاية إلى قبول أميركي بالواقع الذي تفرضه على الأرض.
وسط هذا التجاذب، تظل غزة محاصرة في دائرة الجمود السياسي والإنساني، حيث تعيق الخلافات الأميركية–الإسرائيلية تحقيق تقدم يذكر في تنفيذ المرحلة الثانية. حيث أن غياب التفاهم بين الطرفين يعرقل الترتيبات الميدانية والأمنية المطلوبة، ويؤخر دخول القوات الدولية التي يُفترض أن تلعب دور الضامن، ويجمد انطلاق عملية إعادة الإعمار، بينما يبقى وصول المساعدات الطبية والأدوية محدودًا بسبب القيود الإسرائيلية، ما يزيد من معاناة المدنيين ويهدد حياة المرضى والمصابين.
وتتجاوز تداعيات هذا الجمود حدود الواقع الراهن، إذ يعكس السلوك الإسرائيلي رغبة إستراتيجية بعيدة المدى في ضمان السيطرة على المجال الأمني للقطاع لسنوات قادمة، ومنع أي نموذج حكم فلسطيني مستقر قد يتحول لاحقًا إلى إطار تفاوضي ملزم على المستوى السياسي. وفي المقابل، يكشف الموقف الأميركي عن أزمة أوسع في قدرة واشنطن على إدارة تحالفاتها، خصوصًا حين تتعارض مصالحها الإنسانية والسياسية مع أولويات حليف مقرب مثل إسرائيل.
وهكذا، يتشكل مشهد إقليمي معقد تقف فيه غزة عند نقطة تقاطع بين حسابات الأمن الإسرائيلي، وضغوط السياسة الأميركية، ومتطلبات الاستقرار الإنساني. وبينما تستمر المعادلة في الدوران داخل حلقة مفرغة، تبدو المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بعيدة المنال، ما لم يحدث تغيير حاسم في موازين الضغط أو في حسابات الأطراف المتداخلة في الملف.
المصدر:
القدس