آخر الأخبار

مؤتمر الشبيبة الفتحاوية ... هل يشكل نقطة تحوّل نحو ضخ دماء جديدة في شرايين الحركة المتيبّسة

شارك

د. رائد الدبعي: المؤتمر شكّل محطة وطنية استثنائية نظراً لحجمه ورسالته ومضامينه السياسية والتنظيمية والاجتماعية ولتوقيته الذي جاء في أعقاب حرب الإبادة
محمد الرجوب: مؤتمر الشبيبة محطة مفصلية كمؤشر مبكر لاتجاهات البوصلة داخل "فتح" واختبار قدرتها على استعادة ديناميكيتها التاريخية كحركة تحرر وطني
محمد هواش: المؤتمر جزء من استعدادات "فتح" لـ"لملمة أوضاعها" والانتقال من نمط التنظيم الواسع المفتوح إلى تنظيم أكثر قدرة على وضع المسافات
عبد الغني سلامة: مؤتمر الشبيبة سيشكل قاعدة حقيقية لتسريع عقد المؤتمر الثامن لحركة "فتح" وهو استحقاق تنظيمي ملحّ طال انتظاره
ماجد هديب: "فتح" تقف أمام مرحلة مفصلية دقيقة فإما إعادة بناء ذاتها أو مواصلة التراجع والتآكل ما سيعمّق الهوة بينها وبين الشعب الفلسطيني


يشكّل المؤتمر العام لحركة الشبيبة الفتحاوية في المحافظات الشمالية حدثاً لافتاً، لما حمله من رسائل سياسية وتنظيمية تعكس حيوية الدور الشبابي في مرحلة تتسم بتحديات غير مسبوقة بعد حرب الإبادة على غزة.
ويرى مسؤولون وكتاب ومحللون سياسيون ومختصون، في أحاديث منفصلة لـ"ے"، أن انعقاد المؤتمر في رام الله بمشاركة الرئيس محمود عباس، والعديد من القيادات، جاء ليؤكد قدرة الأطر الشبابية على إنتاج نموذج ديمقراطي فاعل وتقديم رؤية وطنية جامعة بما قد يعد رافداً مهماً لانعقاد المؤتمر الثامن لحركة "فتح"، رغم الظروف القاسية التي يعيشها الشعب الفلسطيني.
ويشيرون إلى أن مؤتمر الشبيبة الفتحاوية يؤسس لمرحلة جديدة تستعيد فيها الحركة طاقتها عبر جيل شاب يمتلك رؤية واضحة للتجديد والعمل الوطني، ويعكس حضور هذا الجيل وإسهاماته الفكرية والتنظيمية قدرة الشبيبة على دفع حركة فتح نحو تحديث هياكلها وتعزيز دورها في مواجهة التحديات السياسية الراهنة.


محطة وطنية استثنائية

يؤكد عضو اللجنة التحضيرية العليا لمؤتمر حركة الشبيبة الفتحاوية في الأقاليم الشمالية د.رائد الدبعي أن انعقاد المؤتمر العام للشبيبة في المحافظات الشمالية، في مدينة رام الله، مؤخراً، شكّل محطة وطنية استثنائية بكل المقاييس، نظراً لحجمه ورسالته ومضامينه السياسية والتنظيمية والاجتماعية، وأيضاً لتوقيته الذي جاء في أعقاب حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، بما حمله ذلك من رمزية ودلالات ترتبط بقدرة الشباب الفلسطيني على إنتاج نموذج ديمقراطي فاعل رغم الظروف القاسية.
ويوضح أن أهمية المؤتمر تتجلى في ثلاثة محاور رئيسية، أولها حجم وتأثير حركة الشبيبة باعتبارها أكبر منظمة شبابية في فلسطين والعالم العربي، حيث تضم أكثر من 180 ألف شاب وشابة في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، ما يجعل انعقاد مؤتمرها حدثاً وطنياً لافتاً من حيث القيمة والرسالة.
ويشير الدبعي إلى أن مجرد انعقاد هذا المؤتمر الشامل، بمشاركة ألف شاب وشابة من مختلف المحافظات، يمثّل دليلاً على قوة الحركة وقدرتها على استنهاض طاقاتها.
أما المحور الثاني، وفق الدبعي، فيرتبط بتوقيت المؤتمر الذي جاء في ظل "زمن الإبادة الجماعية والتطهير العرقي"، معتبراً أن انعقاده في هذه المرحلة يرسل رسالة للعالم بأن الشباب الفلسطيني قادر على تشكيل نموذج ديمقراطي متقدم والعمل ضمن رؤية وطنية موحدة، وأنه حاضر في كل ساحات الفعل الوطني.
ويرى أن المحور الثالث والأعمق هو المضامين الفكرية والسياسية والأدبية التي خرج بها المؤتمر، والتي هي من "أهم ما أنتجته الحركة الشبابية الفلسطينية منذ سنوات طويلة"، لما حملته من وضوح وبرامج عملية ورؤى متقدمة.
ويؤكد الدبعي أن المؤتمر أقر برنامجاً سياسياً واضحاً يرتكز على الثوابت الوطنية، وفي مقدمتها: القدس عاصمة الدولة الفلسطينية، وحق العودة للاجئين، وحرية الأسرى والاستقلال الناجز، وأولوية الوحدة الوطنية الفلسطينية.

نموذج لحركة شبابية تقدمية

كما تناول البرنامج السياسي، وفق الدبعي، موقف الشبيبة من كل أشكال المقاومة التي تقرّها الشرعية الدولية، مع تبنٍّ صريح لنهج المقاومة الشعبية في المرحلة الراهنة دون إسقاط أو تقليل من قيمة الخيارات النضالية الأخرى.
ويوضح الدبعي أن مؤتمر الشبيبة تبنى 12 ورقة عمل متقدمة شكّلت رؤية اجتماعية، ووطنية، ونقابيّة شاملة تمسّ قضايا العدالة الاجتماعية والعمال والسكن والمواصلات والتعليم والعدالة البيئية والطاقة الخضراء وتمكين المرأة.
ويصف الدبعي هذه الأوراق بأنها "نموذج لحركة شبابية تقدمية"، تعكس تطوراً ملحوظاً في رؤية الشبيبة للقضايا الداخلية.
أما وحدة التمثيل الفلسطيني، فيوضح الدبعي أنها كانت محوراً مركزياً في أعمال المؤتمر، حيث أكدت الشبيبة في ورقتها المخصصة لهذا الملف أن الوحدة الوطنية خيار استراتيجي لا بديل عنه، وأن منظمة التحرير الفلسطينية تمثل الإطار الجامع والشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، مع ضرورة إصلاحها وتوسيعها لتشمل كل الفلسطينيين.
ويشير إلى أن حركة الشبيبة شددت على أهمية بناء شراكات مع كل مكونات الطيف السياسي الفلسطيني، داخل المنظمة وخارجها، وعلى تعزيز العمل الشبابي المشترك بما يعيد بناء الحركة الوطنية على أسس ديمقراطية.
وشملت الأوراق أيضاً، بحسب ما يوضح الدبعي، ملفات: المرأة، والأسير الفلسطيني، والعلاقات العربية والدولية، والتدريب والتعبئة الفكرية، وإنشاء أكاديمية تدريب للشبيبة وأكاديمية دبلوماسية للشباب الفتحاوي، إضافة إلى برنامج يخص لجان الشبيبة الثانوية في المدارس بما يعزز استقطاب جيل جديد من القيادات الطلابية.
ويتحدث الدبعي عن الورقة المتعلقة بالأسرى التي شارك في إعدادها أسرى محررون وأسرى داخل السجون، مؤكداً أنها أسست لرؤية شاملة حول مكانة قضية الأسرى باعتبارها قضية وطنية جامعة.
ويتطرق كذلك إلى الأوراق التي عالجت قضايا الثوابت الوطنية، وفي مقدمتها التأكيد على: حق العودة، والقدس عاصمة فلسطين، وأن الدولة الفلسطينية قائمة منذ إعلان الاستقلال عام 1988، وأن المطلوب اليوم هو تحقيق الاستقلال الناجز على الأرض.
وفيما يخص قطاع غزة، يوضح الدبعي أن الشبيبة شددت على ضرورة الإعمار بإشراف ورقابة شعبية، ورفض كل مشاريع التقسيم أو الخطوط الفاصلة، والتأكيد على أن غزة جزء أصيل من الدولة الفلسطينية الموحدة، والدعوة لعودة منظمة التحرير إلى القطاع.
كما تبنت الشبيبة، وفق الدبعي، برنامجاً نقابياً ركّز على توحيد الفعل الشبابي في الجامعات، وضمان الحق في التعليم، ورفض أي رفع للأقساط الجامعية.
ويشير الدبعي إلى أن حضور الرئيس محمود عباس والقيادة الفلسطينية لمؤتمر الشبيبة يعكس أهمية هذا الحدث، موضحاً أن الرئيس أكّد أن نجاح المؤتمر يمهّد الطريق نحو الاستعداد للمؤتمر الثامن لحركة "فتح"، وأن المرحلة المقبلة ستشهد بدء التحضيرات وتنظيم انتخابات الأقاليم، ما يعني -وفق الدبعي- أن الشبيبة قد فتحت الباب أمام إعادة تجديد بنية الحركة وإعادة دمقرطتها.
ويشدد الدبعي على أن عنوان المؤتمر "من القدس إلى غزة" حمل رسالة وطنية واضحة تجمع بين العاصمة والمدينة الجريحة، مؤكّداً أن الشبيبة قالت بوضوح: "باقون على أرضنا وصامدون على وعدنا"، وهو ما يعكس روح الشباب الفلسطيني وقدرته على التأثير وقيادة مرحلة جديدة داخل الحركة الوطنية.

مؤشر مبكر لاتجاهات البوصلة داخل الحركة

يرى الأكاديمي والباحث في الإدارة العامة والعلوم السياسية محمد الرجوب أن مؤتمر الشبيبة الفتحاوية يشكّل محطة مفصلية داخل حركة "فتح"، ليس بوصفه استحقاقاً تنظيمياً روتينياً، بل باعتباره مؤشراً مبكراً لاتجاهات البوصلة داخل الحركة، واختباراً جدياً لقدرتها على استعادة ديناميكيتها التاريخية كحركة تحرر وطني، بعيداً عن نمط التنظيم التقليدي الذي ساد في السنوات الأخيرة.
ويوضح أن أهمية المؤتمر الحالية تنبع من كونه جاء في لحظة سياسية ووطنية فارقة، تتداخل فيها أزمة الشرعية، وضغوط داخلية وخارجية، وتحديات غير مسبوقة في مرحلة ما بعد الحرب على غزة، الأمر الذي وضع حركة "فتح" أمام سؤال وجودي يتمثل في ما إذا كانت قادرة على إعادة إنتاج نفسها بروح جديدة، أم ستبقى عالقة في إطار إدارة الأزمة.
ويرى الرجوب أن قوة المؤتمر تنبع من ثلاث ركائز أساسية تُعد مفتاحاً لأي عملية تجديد داخل الحركة.
النقطة الأولى، بحسب الرجوب، تكمن في إعادة الاعتبار للدور الشبابي داخل حركة فتح، إذ يشهد الجسم الفتحاوي حالة حراك شبابي واسعة تفرض حضورها بقوة، وتطالب بإنهاء عقلية التعيين والتوريث للمواقع التنظيمية، والعودة إلى مبدأ الشرعية المنتزعة عبر الانتخاب.
ويشير الرجوب إلى أن الحضور الشبابي هذه المرة ليس شكلياً، بل يعكس تحولاً حقيقياً في المزاج الداخلي ورغبة واضحة في إعادة فتح قنوات المشاركة وصناعة القرار.
أما النقطة الثانية، بحسب الرجوب، فهي تجديد النخبة التنظيمية وإنتاج قيادة شابة، مؤكداً أن انتخاب قيادة جديدة داخل الشبيبة يعني بداية تشكّل موجة صاعدة داخل حركة "فتح"، وفي حال الالتزام بمخرجات المؤتمر، فإن ذلك سيدفع باتجاه إعادة تشكيل المجلس الثوري، ودمج الوجوه الشابة في مؤسسات القرار، ورفع كلفة الإبقاء على النخبة القديمة دون مساءلة، ما يجعل المؤتمر نقطة انطلاق حقيقية لعملية إعادة بناء واسعة داخل الحركة.
وبحسب الرجوب، تتمثل النقطة الثالثة في الضغط الموضوعي باتجاه عقد المؤتمر الثامن لحركة فتح، باعتبار أن تجديد بنية الشبيبة يفرض -سياسياً وتنظيمياً- تجديد الحركة الأم نفسها.
ويشير إلى أن نتائج مؤتمر الشبيبة، إن حملت رؤى جديدة، قد تتحول إلى رافعة سياسية تمنع أي محاولة لتعطيل هذا الاستحقاق، وتضمن أن يكون المؤتمر الثامن ساحة لإعادة ترتيب البيت الداخلي وصياغة مستقبل الحركة، لا مجرد لقاء بروتوكولي.
ويرى الرجوب أن مؤتمر الشبيبة ليس حدثاً منفصلاً، بل خطوة تمهيدية لإعادة بناء الشرعية التنظيمية داخل الحركة، وقد يكون الشرارة الأولى لمسار تجديد شامل إذا ما تُرجم إلى خطوات عملية وتمكين فعلي لجيل الشباب.
لكن الرجوب يحذر من أن احتواء المؤتمر بعقلية الماضي سيحوّله إلى فرصة ضائعة أخرى تُضاف إلى سلسلة الاستحقاقات غير المؤثرة التي شهدتها الحركة.
ويشير إلى أن "فتح" تقف اليوم أمام ثلاثة مسارات محتملة: الأول هو مسار التجديد الداخلي القائم على إعادة بناء المؤسسات واستعادة الشرعيات وضخ دماء جديدة، وهو الأكثر ضرورة.
والثاني، بحسب الرجوب، هو مسار الإدارة التقليدية للأزمة، الذي يُبقي الحركة في حالة تراجع مستمر، وأما الثالث فهو مسار إعادة التموضع الوطني، الذي يتطلب مراجعة سياسية شاملة، وبناء شراكات جديدة، وإعادة تعريف العلاقة بين السلطة ومنظمة التحرير.
ويشير الرجوب إلى أن حركة "فتح" لا تملك رفاهية البقاء كما هي، وأن أي تردد في التجديد سيكون مكلفاً، مؤكداً أن اللحظة الحالية تفرض على الحركة إعادة ترتيب البيت الداخلي وصياغة رؤية سياسية جديدة تليق بالتحديات الوطنية الراهنة.

إعادة ترتيب الأوضاع الداخلية للحركة

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي محمد هواش أن انعقاد مؤتمر الشبيبة الفتحاوية يأتي ضمن مسار أوسع تعمل عليه حركة فتح منذ أكثر من عامين، يهدف إلى إعادة ترتيب أوضاعها الداخلية وإعادة تعريف علاقتها بالجمهور وبمؤسسات العمل الوطني، موضحاً أن هذه الخطوات تجري بهدوء بعيداً عن الإعلام، وأن الحرب هي التي حالت دون ظهور هذه التحركات بشكل علني.
ويوضح أن مؤتمر الشبيبة يشكّل جزءاً من استعدادات الحركة لـ"لملمة أوضاعها"، والانتقال من نمط التنظيم الواسع المفتوح الذي لم تكن فيه مسافة واضحة بين الجمهور والتنظيم، إلى تنظيم أكثر قدرة على وضع المسافات والتمييز بين العضو والأنصار والمؤيدين.
ويشير هواش إلى أن الفصل بين التنظيم وبين السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير يشكّل أحد محاور النقاش الداخلي الجارية بهدوء.
ويؤكد هواش أن "فتح" تعمل منذ فترة على ورشات تنظيمية داخلية في الضفة الغربية وقطاع غزة، تهدف إلى إعادة هيكلة صفوفها وتوضيح المهمات الملقاة على عاتقها باعتبارها جزءاً من حركة تحرر وطني تقود المسار السياسي وتدير الحياة اليومية للفلسطينيين عبر السلطة الفلسطينية ومؤسسات منظمة التحرير.
وفي السياق نفسه، يربط هواش انعقاد المؤتمر أيضاً بمسار الإصلاحات المفروضة على القيادة الفلسطينية، سواء في علاقتها بالمؤسسات والفصائل، أو في إدارتها للشأن العام داخل المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال.
ويرى هواش أن منح الشبيبة دوراً حقيقياً داخل الحركة -وليس مجرد دور شكلي- سيمنح فتح قدرة أكبر على تحديد عناوين جديدة لعملها السياسي والتنظيمي في إطار إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية.
ويشير هواش إلى أن المؤتمر يأتي كذلك في سياق محاولات السلطة الفلسطينية تنفيذ إصلاحات تشريعية وسياسية وديمقراطية، وهي عملية طويلة ومعقدة، لا يمكن توقع نتائج مباشرة لها، لكنها تشكّل خطوة أولى نحو تحسين العلاقة مع الجمهور وتصحيح البنية التنظيمية داخل "فتح".
ويشدّد هواش على أنه لا وجود لأي ارتباط مباشر بين مؤتمر الشبيبة والمؤتمر الثامن لحركة "فتح"، موضحاً أن المؤتمر العام كان مقرراً قبل الحرب وتأجل بسبب ظروف غزة والضفة، وأن انعقاده المستقبلي مرهون بوضوح المرحلة المقبلة، ولا سيما ما يتعلق بإنقاذ غزة وبدء عمليات الإغاثة وإعادة الإعمار.
ويشير إلى أن مؤتمر الشبيبة يضم "خيرة المناضلين" داخل الحركة، باعتبارهم الكادر الوسيط بين الجمهور وقيادات التنظيم، لكن لا يمكن القفز نحو القول إنهم سيكونون قادة فوراً، بل إن هذه المؤتمرات تساهم في إبراز الطاقات الكامنة داخل الشبيبة، وتعزيز دورها وتمكينها من التقدم في أي انتخابات تنظيمية مقبلة، بما يمنحها حضوراً أقوى في البنية الداخلية لحركة فتح.

بارقة أمل حقيقية نحو تجديد "فتح"

يعتبر الكاتب والمحلل السياسي عبد الغني سلامة أن مؤتمر الشبيبة الفتحاوية، الذي عُقد في مقر المقاطعة بحضور الرئيس محمود عباس وقيادة الحركة من اللجنة المركزية والمجلس الثوري وأمناء سر الأقاليم ومديري الأجهزة الأمنية، يمثّل بارقة أمل حقيقية نحو تجديد حركة "فتح" وإعادة بناء أطرها بعد سنوات طويلة من الجمود والتكلس التنظيمي والسياسي، وفي ظل مرحلة توصف بأنها "الأخطر" على القضية الفلسطينية منذ عقود.
ويؤكد سلامة أن الحضور الكبير والاهتمام الواضح الذي أبدته القيادة الفلسطينية يعكسان رغبة مقرونة بالأمل أن تكون صادقة وجادة في استنهاض قدرات فتح واستعادة دورها التاريخي، خصوصاً بعد سنتين من حرب الإبادة التي أنتجت واقعاً سياسياً مختلفاً كلياً عما سبق، وفرضت ضرورة تبني خطاب سياسي جديد قادر على مواكبة التحولات ومواجهة التحديات الوجودية التي تمر بها القضية الفلسطينية.
ويشير سلامة إلى أن القيادة باتت تدرك، على ما يبدو، أهمية عنصر الشباب في عملية التجديد، وأن الشبيبة الفتحاوية هي الرهان الحقيقي للحركة وعمودها الفقري ومستقبلها، مستذكراً الدور المركزي الذي لعبته الشبيبة في ثمانينيات القرن الماضي حين كانت منظمة التحرير تتعرض لضربات إقليمية ودولية تهدف إلى تصفيتها، لتأتي استجابة الشباب في جامعات الضفة وغزة من خلال انتخابات مجالس الطلبة والمظاهرات الشعبية التي تراكمت حتى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وتلك الانتفاضة أعادت منظمة التحرير إلى الساحة، وجددت شرعيتها، وأعادت الاعتبار للقضية على المستوى الدولي.
ويؤكد أن المؤتمر الحالي يثبت مجدداً أن روح المقاومة حاضرة بقوة داخل الشبيبة وبين جماهير الشعب الفلسطيني، رغم محاولات الاحتلال المستمرة لطمس الوعي الوطني وإنتاج حالة من التعايش القسري مع واقع القمع والاستعمار.
ويرى سلامة أن المؤتمر يشير إلى وجود إرادة فلسطينية لدى الجيل الشاب للإبقاء على شعلة الكفاح الوطني متقدة رغم صعوبة الظروف وضيق الأفق السياسي.
وعلى مستوى الأثر المباشر، يعتقد سلامة أن المؤتمر سيشكل قاعدة حقيقية لتسريع عقد المؤتمر الثامن لحركة "فتح"، وهو استحقاق تنظيمي ملحّ طال انتظاره، والذي قدّم نموذجاً مهماً لديمقراطية فتح الداخلية، على أمل أن ينعكس بنفس الروح في المؤتمر العام القادم وكل أطر الحركة.
ويؤكد سلامة أهمية النقطة التي شدد عليها الرئيس محمود عباس خلال افتتاح المؤتمر، المتمثلة في ضرورة استكمال عقد مؤتمر الشبيبة في قطاع غزة، باعتبار ذلك رسالة واضحة على وحدة الحركة ووحدة الشعب والأرض الفلسطينية.
ويرى سلامة أن ذلك حجر أساس في أي مشروع وطني قادر على مواجهة المرحلة المصيرية التي تمر بها القضية الفلسطينية.

"إشكالات تنظيمية" تعكس أزمة بنيوية

يحذّر الكاتب والمحلل السياسي ماجد هديب من أن منظمة الشبيبة الفتحاوية، الذراع الشبابية لحركة "فتح"، باتت تواجه مجموعة من "الإشكالات التنظيمية"، التي تعكس أزمة بنيوية داخل الحركة، التي تعاني بدورها من غياب البرامج والاستراتيجيات وتوسع الفجوة بينها وبين الشارع الفلسطيني، خصوصاً في قطاع غزة خلال حرب الإبادة.
ويوضح هديب أنّ الشبيبة، التي شكلت تاريخياً القوة المحركة داخل الجامعات والنقابات والشارع، فقدت اليوم جزءاً كبيراً من قدرتها على الحشد والتأثير في الوعي الشبابي، فهي لم تعد تشكل كما كانت الدور الطليعي للجماهير وقوتها الدافعة نحو المستقبل ولا مستقبل لها في تحقيق ما تتطلع له من استكمال لمهمات التحرير والبناء والتنمية، وفقاً لما جاء في نظامها الداخلي في ظل واقعنا المرير، وهو ما ظهر جلياً في الانقسام الداخلي تجاه الموقف من أحداث السابع من أكتوبر وما أعقبها من تطورات خلال الحرب على غزة، ما أضعف قدرتها التعبوية، وأظهر اتساع الشرخ بين قواعدها وقياداتها.
ويشير هديب إلى أن أحد أبرز أوجه الأزمة يتمثل في ضعف التنسيق التنظيمي بين المستويات المختلفة للشبيبة، سواء داخل الجامعات أو الأقاليم أو المناطق، مما أدى إلى انفصال شبه كامل بين مستوى القاعدة والقيادة.
ويلفت هديب إلى غياب التنسيق بين الشبيبة وباقي أطر حركة فتح، وهو ما يعمّق من عزلتها ويجعل تأثيرها محدوداً.
ويرى هديب أن هيمنة بعض المتنفذين داخل حركة فتح على منظمة الشبيبة تمثل أحد الإشكالات المتجذرة، التي ظهرت مجدداً في مؤتمرها الأخير، حيث بدا واضحاً أن جهات نافذة داخل الحركة تتحكم باتجاهات الشبيبة ومخرجاتها، الأمر الذي يجعلها في موقع "المتأثر لا المؤثر".
ويرى هديب أن هذا الوضع يُبقي منظمة الشبيبة في دائرة التهميش، رغم الزخم الإعلامي الذي رافق انعقاد المؤتمر.
وحول قدرة المؤتمر الأخير للشبيبة على دفع حركة فتح نحو عقد مؤتمرها الثامن، يشدد هديب على أن ذلك غير ممكن في ظل استمرار الخلافات الداخلية وعدم وجود أي مؤشرات على ترتيب البيت التنظيمي.
ويرى هديب أن حركة "فتح" تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية دقيقة، فهي إما تتجه نحو إعادة بناء ذاتها وتجديد بنيتها القيادية وبرامجها واستراتيجيتها، أو أنها ستواصل التراجع والتآكل، ما سيعمّق الهوة بينها وبين الشعب الفلسطيني.
ويشير هديب إلى أن حركة "فتح" تعاني من أزمة ثقة متصاعدة بفعل غياب الانتخابات وتراجع حضورها التنظيمي، بينما يعود ظهورها الشعبي أحياناً إلى الإرث التاريخي والصراع مع حركة حماس لا إلى قوة تنظيمية فعلية.
ويحذّر هديب من أن استمرار الصراع الداخلي بين تيار "الوحدة والإصلاح" المطالب بضخ دماء جديدة، وتيار "المحافظين" المهيمن على القرار، سيؤدي إلى مزيد من التشرذم خلال المرحلة المقبلة.
ويعتقد هديب أن غياب القرارات الجوهرية لإعادة تنظيم حركة "فتح" وإجراء انتخابات داخلية سيقود إلى تغييرات أعمق على مستوى الشارع والقضية الفلسطينية نفسها، باعتبار أن "فتح" هي العمود الفقري لمنظمة التحرير.
ويشدد هديب على أن مستقبل حركة "فتح" مرهون بقدرة قيادتها على اتخاذ قرار واضح بإعادة بناء أطرها، وإصدار تعليمات لعقد المؤتمرات الداخلية وفرز قيادات جديدة، بما يتوافق مع تحديات ما بعد الحرب على غزة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا