الحدث الإسرائيلي
تتزايد التساؤلات حول طبيعة العلاقة المعقدة بين إسرائيل وسوريا. ففي الوقت الذي تتصاعد فيه التسريبات حول إمكانية التوصل إلى تفاهمات أمنية، لا تتوقف إسرائيل عن شن هجمات عسكرية على الأراضي السورية. هذه الهجمات لم تعد تقتصر على الضربات الجوية، بل تجاوزتها إلى عمليات إنزال وتوغلات برية، في تصعيد يثير قلقاً كبيراً.
وفي خضم هذا المشهد المتوتر، تبرز ورقة "حماية الدروز" في الجنوب السوري، وتحديداً في محافظة السويداء، كذريعة محورية لتدخلات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. يستغل نتنياهو كل فرصة لإبراز هذه الورقة، الأمر الذي يثير تساؤلات حول دوافعه الحقيقية. فما هي الصلة بين تدخلاته العسكرية وحماية الدروز؟ وهل هي مجرد غطاء لأهداف استراتيجية أكبر؟
ورقة الدروز: مصالح داخلية وخارجية
يمكن فهم استخدام نتنياهو لورقة الدروز من خلال عدة أبعاد. فمن جهة، تلعب الطائفة الدرزية دوراً مهماً داخل إسرائيل، وإن كانت أقلية صغيرة. يعيش حوالي 130 ألف درزي إسرائيلي في مناطق الكرمل والجليل، بالإضافة إلى 20 ألفاً آخرين في مرتفعات الجولان. والأهم من ذلك، أن أفراد الطائفة يخدمون بأعداد كبيرة في الجيش الإسرائيلي. وبناءً عليه، فإن إظهار نتنياهو اهتماماً بحماية الدروز خارج حدود إسرائيل يعزز من ثقة هذه الطائفة بالدولة، ويقوي مكانة حكومته.
ومن جهة أخرى، يرى نتنياهو في دعمه للدروز في السويداء فرصة لتعزيز صورة إسرائيل على الساحة الدولية والإقليمية. ففي ظل الصراعات الدامية في سوريا، يحرص على تقديم إسرائيل كدولة تحمي الأقليات، في رسالة تهدف إلى تحسين صورتها الدبلوماسية.
السويداء: بوابة للتوسع الاستراتيجي
لكن الأبعاد الداخلية والدولية ليست الوحيدة. فالموقع الاستراتيجي لمحافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية في الجنوب السوري يمنح إسرائيل نافذة لتحقيق أهداف استراتيجية أوسع. فمن خلال التدخل في هذه المنطقة، تسعى إسرائيل إلى الضغط على النظام السوري للمطالبة بإنشاء جنوب سوري منزوع السلاح بالكامل. وهذه المطالبة تشمل ثلاث محافظات رئيسية: السويداء، درعا، والقنيطرة.
كما أن استغلال إسرائيل للأوضاع الحالية في سوريا يأتي في سياق رؤية أوسع لما يسميه نتنياهو "إسرائيل الكبرى". فمع تدمير القدرات الدفاعية السورية وعدم قدرة النظام السوري على صد الهجمات الإسرائيلية، يجد نتنياهو في الأراضي السورية "أرضاً خصبة لأحلامه التوسعية"، مستغلاً حالة الفوضى والضعف التي تعاني منها البلاد.
عودة إلى اتفاق 1974: لقاءات سرية واتفاقيات محتملة
في تطور لافت، ذكرت مصادر أن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني التقى وفداً إسرائيلياً في باريس، برعاية أميركية، لبحث سبل خفض التصعيد وتعزيز الاستقرار في المنطقة. وركزت المحادثات على وقف التدخل في الشأن السوري، وتعزيز الاستقرار في الجنوب، ومراقبة وقف إطلاق النار في السويداء، وإعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
ويعد هذا اللقاء امتداداً لاجتماع سابق استضافته باريس في أواخر يوليو الماضي بين الشيباني ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمير، بالإضافة إلى لقاءات مباشرة أخرى جرت في العاصمة الأذربيجانية باكو.
اتفاق فض الاشتباك 1974: نقاط رئيسية
يعود اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 إلى ما بعد حرب أكتوبر 1973، وكان يهدف إلى إنهاء القتال على جبهة مرتفعات الجولان. وينص الاتفاق على تحديد "خط فض الاشتباك" كخط فاصل بين القوات الإسرائيلية والسورية؛ إلى جانب إنشاء منطقة عازلة تحت إشراف قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (UNDOF) لمراقبة التهدئة ومنع تجدد القتال.
هجمات مكثفة لتعزيز أوراق التفاوض
تشير بعض التحليلات إلى أن الهجمات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية قد تكون وسيلة لرفع شروط التفاوض قبل اجتماع محتمل بين نتنياهو والرئيس السوري أحمد الشرع في سبتمبر المقبل في الولايات المتحدة. وقد أفادت القناة 24 الإسرائيلية أن هذا اللقاء، الذي قد يعقد في البيت الأبيض، سيشهد توقيع اتفاقية أمنية برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأنها ستكون "الخطوة الأولى نحو اتفاق سلام وتطبيع بين الجانبين".
ومنذ سقوط نظام بشار الأسد، نفذت إسرائيل عمليات توغل بري في ريفي دمشق، القنيطرة، ودرعا، حيث سيطرت على المنطقة العازلة، ثم بدأت بشن مداهمات في المناطق الحدودية. هذه العمليات تعتبر انتهاكاً واضحاً لاتفاق فض الاشتباك لعام 1974، كما أنها تخالف مبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة التي تؤكد على سيادة الدول.
هل ستنجح إسرائيل في استخدام ورقة الدروز لفرض شروطها؟ وهل ستشهد المنطقة اتفاقاً أمنياً جديداً يغير ميزان القوى؟ تبقى هذه التساؤلات مفتوحة على احتمالات متعددة.