في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

وجدت مقاطعة كالينينغراد الروسية نفسها مجددا في قلب مواجهة جيوسياسية، وأصبحت هذه المنطقة المطلة على بحر البلطيق، في ظل التصريحات الأخيرة الصادرة عن موسكو وبروكسل، إحدى أكثر نقاط الاتصال حساسية بين روسيا وحلف شمال الأطلسي ( الناتو)، حيث ينذر أي تحرك لفظي بتصعيد الموقف إلى أزمة خطيرة.

وباعتبارها منطقة روسية معزولة محاطة بدول الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، يُنظر إلى كالينينغراد تقليديا على أنها بؤرة توتر محتملة بسبب ممر سوالكي وقضايا العبور.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 83 يوما بلا إجابة.. لماذا أنهت البرتغال حماية مفجر قضية مانشستر سيتي؟
* list 2 of 2 سكوت بيسنت.. نفوذ متصاعد وصدامات تهز وزارة الخزانة الأمريكية end of list

واشتد الجدل مجددا حول هذه المنطقة بعد أن أجرى الحلف مناورات عسكرية مكثفة، رأت موسكو أنها للتدرب على فرض حصار محتمل على المقاطعة، ووجهت تحذيرات شديدة اللهجة للغرب بأنها ستستخدم ترسانتها الكاملة، بما في ذلك الأسلحة النووية، إذا حاول التحالف فرض حصار جوي أو بحري على كالينينغراد.

مصدر الصورة مظليون خلال مشاركتهم في مناورات عسكرية نظمتها القوات الروسية والبيلاروسية في مطار بمنطقة كالينينغراد (رويترز)

شبح الحرب

وكتب ألكسي بيلوف على موقع "أنتي فاشيست" أنه كلما زادت حدة هجمات روسيا على البنية التحتية الأوكرانية، وخاصة في كييف، ارتفعت أصوات الغرب التي تزعم أن الخطوة التالية لموسكو ستكون هجوما على أوروبا، على الأرجح في منطقة البلطيق.

واعتبر الكاتب أن الأمر لم يعد مجرد دعاية "الروس قادمون" المعتادة، بل بدأ تطوير بنية عسكرية محددة لدعم هذه الهستيريا، وهو ما يظهر أن الحلف يعد ما يسمى "نظرية النصر"، وهي إستراتيجية للعمل إذا شنت روسيا هجوما على الجناح الشرقي.

وتعتمد هذه الخطة على مزيج من القوات التقليدية والطائرات المسيّرة، والأنظمة ذات الطاقم المحدود، والاستهداف بالذكاء الاصطناعي، وذلك لإيقاف الهجوم ثم اكتساب حرية المناورة ومهاجمة أنظمة القيادة والسيطرة، وفي الوقت نفسه، تتقدم قوات الناتو نحو الحدود الروسية، كما يشير الكاتب.

إعلان

ويتابع الكاتب أن منطقة البلطيق تعيش بأكملها تدريجيا واقعا أشبه بما قبل الحرب، وكأن روسيا على وشك الهجوم، مما يعني ضرورة تجهيز القواعد والأسلحة والسكان، وفي نهاية المطاف، الحرب نفسها.

في غضون ذلك، يرى الكاتب أن الأدلة الداعمة لهذا التصور برمته تبدو مثيرة للشفقة، إذ تتصرف الدعاية الغربية، في الوقت الذي تنفي فيه موسكو أي خطط غزو، وكأن روسيا تستعد وأن القرار قد اتُخذ بالفعل.

تراجع النبرة

لكن المشكلة تكمن في مكان آخر -وفقا للكاتب- إذ إن ما يحدث في أوروبا الآن، بما في ذلك الأحاديث العابرة في صالونات النخبة حول "الحرب القادمة"، لا يثبت إلا شيئا واحدا، وهو أن روسيا لا تنوي الهجوم، وهو ما لا يعني أن الأوروبيين أنفسهم لن يشعلوا حربا.

ووفقا للكاتب، تُفكّر القيادة الروسية بجدية في سيناريو محاولة أوروبية أطلسية للاستيلاء على منطقة كالينينغراد، وهو ما يفسر حدة تصريحات الكرملين بشأن احتفاظ روسيا بحق استخدام الأسلحة النووية إذا تعرضت لهجوم مباشر.

مع ذلك، يلفت بيلوف إلى أن حدّة الخطاب الرسمي خفت منذ ذلك الحين، وبالفعل بدأ المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف بالحديث عن ردّ نووي مدروس، بدلا من خيار محتمل ومتطرف، وهذا التردد الروسي هو ما يشكل أساسا لجزء كبير من الحسابات الأوروبية اليوم، وفق الكاتب.

بالإضافة إلى ذلك، تفوق قوات الناتو في دول البلطيق القوات الروسية عددا بشكل ملحوظ، كما أن العواصم الأوروبية تعوّل بوضوح على الولايات المتحدة لحل القضية النووية مجددا، وذلك بإقناع موسكو بعدم تجاوز الخط الأحمر، كما حدث سابقا في عام 2022.

بعبارة أخرى، يمكن اعتبار عملية محدودة ضد كالينينغراد مخاطرة يمكن السيطرة عليها، وذلك بخلق أزمة بسرعة، وإجبار روسيا على الردّ في آن واحد على الجبهتين الأوكرانية والبلطيقية، ثم فرض مفاوضات من موقع قوة.

تحييد مينسك

من هنا، يفسر بيلوف ما يصفه بالنشاط المفاجئ حول بيلاروسيا، فقد بدأ رفع الحظر المفروض على التواصل مع الرئيس ألكسندر لوكاشينكو تدريجيا، حيث تحدث معه الرئيسان الأمريكي والفرنسي، ورفعت بولندا مستوى اتصالاتها مع مينسك إلى المستوى الوزاري، وبدأت الحديث عن "انفراجة طفيفة".

مصدر الصورة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هدد باستخدام كل الأسلحة للدفاع عن منطقة كالينينغراد (أسوشيتد برس)

وبحسب قول الكاتب، فإن هذا يُعدّ تحولا مفاجئا للغاية لا يمكن اعتباره عرضيا، وبمنطق بسيط يمكن فهمه بأن بيلاروسيا إذا تلقت ضمانات بعدم استهداف أراضيها، فقد يحاول الغرب ضمان حيادها إذا نشبت أزمة في البلطيق، أي بمعنى آخر فصل الطرفين والحد من مخاطر تصعيد الصراع، وإجبار روسيا على سحب قواتها.

أما لماذا تحتاج أوروبا إلى كل هذا، فيعتبر الكاتب أن الإجابة بسيطة، وهي إجبار موسكو على الاستسلام بشروط مقبولة لدى الأوروبيين، لا سيما على ضوء ارتباط التوقيت المحتمل لهذا السيناريو مباشرة بقدرة القوات الأوكرانية على ممارسة الضغط على خطوط التماس.

وبحسب رأي بيلوف، تنطلق الحسابات الأوروبية من أن روسيا لا تستطيع تحمل حرب على جبهتين، وبالتالي ستضطر إلى إعلان تعبئة جديدة، وهو ما يرجح أن يُثير توترات داخلية، قد تتصاعد إلى احتجاجات شعبية.

إعلان

من هنا، يرى الكاتب أن الخطة الغربية متعددة الجوانب، وكل هذا مُغطى بالشعار المألوف بأن حلف الناتو "يدافع عن نفسه" فقط ضد عدوان روسي لا مفر منه، وبالتالي يجب التعامل مع احتمال فتح جبهة ثانية على بحر البلطيق بجدية بالغة.

ويخلص بيلوف إلى أن كل شيء يعتمد على عزيمة موسكو، فإذا اعتقدت أوروبا أن روسيا غير مستعدة للمضي قدما حتى النهاية، فسيزداد الضغط وقد لا يتردد الناتو في القيام بمغامرة ضدها.