في المجتمعات الغربية، لطالما كانت الاستعدادات للطوارئ شأنا يخص هواة النجاة أو جماعات طالما نُظر إليها بوصفها مهووسة بأسوأ الاحتمالات.

لكن هذه الصورة بدأت تتغير؛ ففي أنحاء أوروبا، دخلت فكرة التأهب إلى صلب السياسات العامة، وباتت الحكومات تطلب من مواطنيها أن يكونوا مستعدين لانقطاع الكهرباء ونقص الإمدادات والكوارث الطبيعية والهجمات السيبرانية، وحتى احتمال اندلاع حرب.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 ما بعد الذكاء الاصطناعي.. واشنطن تستعد لعصر الذكاء الفائق
* list 2 of 2 "الصهيونية عنصرية".. كيف قرأت الصحافة الإسرائيلية قرار الخضر البريطاني؟ end of list

وتقول صحيفة "آي بيبر" إن الحكومة البريطانية بدأت تحث الناس على الاحتفاظ بما يكفي من الطعام والمياه لمواجهة أي نقص أو انقطاع في الخدمات، بينما أطلقت أيرلندا حملة وطنية جديدة للاستعداد للطوارئ، يتضمنها كتيب إرشادي يُوزَّع على المنازل.

لكن الصحيفة تشير إلى أن دولا أوروبية أخرى سبقت بريطانيا بسنوات، وجعلت التأهب جزءا من ثقافة المجتمع ومن تخطيط الدولة معا.

72 ساعة بلا مساعدة

وتقدم "آي بيبر" فنلندا بوصفها أحد أكثر النماذج الأوروبية رسوخا في الاستعداد للأزمات. والقاعدة هناك واضحة: على كل أسرة أن تكون قادرة على تدبير شؤونها 72 ساعة من دون مساعدة حكومية، حتى تتفرغ موارد الدولة لمن هم أشد حاجة إليها.

ولا يقتصر الاستعداد على الطعام والماء. ففنلندا تمتلك شبكة ملاجئ تتسع لنحو 5 ملايين شخص، وتُجري تدريبات دورية تُفتح خلالها الملاجئ ويبيت آلاف المتطوعين داخلها لاختبار جاهزية السكان والسلطات.

كما تقدم الدولة قوائم واضحة بما ينبغي الاحتفاظ به في المنزل، من المياه والمصابيح والبطاريات والأدوية والطعام سهل التحضير.

مصدر الصورة متسوقون يستخدمون هواتفهم للإضاءة داخل متجر في لشبونة خلال انقطاع الكهرباء الواسع عام 2025 (الأناضول)

إنذار شهري وخطة لـ72 ساعة

وفي هولندا، تقول "آي بيبر" إن صفارات الإنذار المخصصة للتحذير من الفيضانات أو حتى هجوم نووي تُختبر في أول اثنين من كل شهر. وتطلب الحكومة من المواطنين كذلك القدرة على الصمود 72 ساعة من دون دعم خارجي، مع إرسال رسائل تنبيه وطنية بصورة دورية.

إعلان

وتشمل التعليمات الاحتفاظ بثلاثة لترات من الماء لكل شخص يوميا، إلى جانب طعام طويل الصلاحية، وراديو يعمل بالبطارية، وبطاريات شحن، وبطانيات، ونسخ من الوثائق المهمة. كما توصي السلطات بإبقاء مبلغ نقدي في المنزل، وهي نصيحة تبنتها أيضا فرنسا والسويد والنمسا وأيرلندا.

مصدر الصورة سكان يقضون الليل في مأوى مؤقت قرب مدريد بعد إجلائهم بسبب حرائق الغابات (أسوشيتد برس)

الطوارئ من التجربة إلى التخطيط

أما في إسبانيا فجاء الدرس من تجربة حقيقية، فقد تسبب انقطاع واسع للكهرباء في أبريل/نيسان 2025 في توقف الاتصالات والإنترنت ووسائل النقل لساعات في إسبانيا والبرتغال، ودفع كثيرين إلى التفكير جديا في كيفية تدبير الحياة عندما تتوقف الخدمات التي تبدو عادة مضمونة.

ومع حرائق الصيف وموجات الحر المتكررة، أنشأت إسبانيا شبكة واسعة من "الملاجئ المناخية"، وهي مبان مجهزة بالتبريد والمياه وأماكن الجلوس لاستقبال السكان خلال فترات الحر الشديد.

أما ألمانيا فتذهب أبعد في حساب المدة؛ إذ توصي الوكالة الفدرالية للحماية المدنية -وفق "آي بيبر"- بالاحتفاظ بمؤن تكفي 10 أيام، وإن كانت ترى أن الاستعداد لثلاثة أيام على الأقل يبقى خطوة مهمة. والفكرة في جوهرها أن يُبنى المخزون تدريجيا قبل الأزمة، لا أن يبدأ الاندفاع إلى المتاجر بعد وقوعها.

لكن منطق الاستعداد نفسه لا يتوقف عند أبواب المنازل. فإذا كان المواطن مطالبا بتدبير أيام بلا كهرباء أو اتصالات، فإن الحكومات الأوروبية تواجه السؤال على نطاق أكبر: كيف تبقى الدولة قادرة على العمل إذا تعطلت البنية التي تقوم عليها تلك الخدمات أصلا؟

مصدر الصورة غرفة تحكم في المركز الألماني لعمليات الفضاء بأوبرفافنهوفن (أسوشيتد برس – أرشيف)

المخاوف تمتد إلى الفضاء

هنا تمتد الاستعدادات إلى الفضاء. فصحيفة تايمز تقول إن الأقمار الصناعية التي تعتمد عليها أوروبا في الملاحة والاتصالات والاستخبارات باتت تُعامَل بوصفها جزءا من البنية الحيوية التي ينبغي حمايتها في أي أزمة كبرى، وسط مخاوف من قدرات روسية وصينية تستطيع التشويش عليها أو تعطيلها أو استهدافها مباشرة.

وتشير الصحيفة إلى أن موسكو تستخدم بالفعل وسائل الحرب الإلكترونية للتشويش على نظام "غاليليو" الأوروبي ونظام تحديد المواقع العالمي، في حين كشفت ألمانيا أن قمرين تابعين لقواتها المسلحة تعرضا للملاحقة في المدار من قمرين روسيين للتجسس.

ويقول مفوض الاتحاد الأوروبي للدفاع والفضاء أندريوس كوبيليوس إن القارة بحاجة إلى قدرات تضمن استمرار هذه الشبكات حتى إذا خرج بعضها من الخدمة.

لذلك تبحث أوروبا في أكثر من مسار؛ من تطوير القدرة على إصلاح الأقمار المتضررة في المدار، إلى إطلاق أعداد أكبر منها بحيث لا يؤدي فقدان بعضها إلى شل المنظومة، فضلا عن توسيع قدرتها على إطلاق أقمارها بنفسها ومن موانئ فضائية أوروبية. ويقر كوبيليوس بأن أوروبا ما زالت متأخرة كثيرا في قدرات الإطلاق مقارنة بخصومها.

وفي السياق نفسه، يحاول الاتحاد الأوروبي تقليص اعتماده على البنية الفضائية الأمريكية عبر شبكات اتصالات آمنة ومشروعات أوروبية جديدة.

أما على المستوى الوطني، فبحسب تايمز، تدرس ألمانيا تطوير أقمار صناعية "حارسة" لمراقبة التهديدات، وتخطط لإنفاق 35 مليار يورو على البنية الفضائية العسكرية ومزدوجة الاستخدام حتى عام 2030، بينما تخطط فرنسا لإطلاق قمر دفاعي مزود بليزر قوي بحلول العام نفسه.

إعلان