لم يكن الثامن من مايو/أيار 2018 يوما عاديا في تاريخ العلاقة الأمريكية الإيرانية، ففي ذلك اليوم أعلن الرئيس الـ45 للولايات المتحدة دونالد ترمب انسحاب بلاده من "خطة العمل الشاملة المشتركة"، المعروفة بالاتفاق النووي، التي وقعت في فيينا في 14 يوليو/تموز 2015، في عهد الرئيس الـ44 باراك أوباما، الذي تولى الرئاسة لولايتين بين 20 يناير/كانون الثاني 2009 و20 يناير/كانون الثاني 2017.

لكن هذه المسألة التي تبدو خلافا أمريكيا داخليا حول اتفاق دولي، هي في الحقيقة تعبير عن مكون أصيل في الخطاب السياسي الذي صعد به ترمب إلى البيت الأبيض.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 تجنيد السجناء والموت المحقق.. كتاب جديد يكشف خفايا مليشيا فاغنر الروسية
* list 2 of 2 نهاية الشرق الأوسط القديم.. تحالفات جديدة وعالم أكثر خطورة end of list

فقد كانت إيران حاضرة في حملته الانتخابية منذ صيف 2015، حيث وصف الاتفاق بأنه "أسوأ صفقة" في تاريخ الولايات المتحدة، وبقيت حاضرة في ولايته الأولى (2017-2021)، ثم في ولايته الثانية رئيسا 47 منذ 20 يناير/كانون الثاني 2025.

لقد مر هذا الهوس بإيران بمراحل متعددة، تبدلت فيها الأدوات من الخطاب، إلى العقوبات، ثم إلى الحرب. تسعى هذه المقالة إلى فك شفرات هذا المسار، وكيف انتهى بعد ثلاث جولات من القتال إلى سؤال لم يحسم بعد: ماذا يريد ترمب من إيران؟ وكيف يعرف النصر الذي يسعى إليه؟

ما أعتقده هو أن الإدارة الأمريكية تبنت تعريف الخطر كما صاغته تل أبيب، وفي مثل هذه الحالات عادة ما تغيب البدائل، ويغيب معها حساب الكلفة. أما الدول التي تتحرك من منطلق مصلحتها، فعادة ما تملك بديلا أو بدائل تقلل من خسائرها، وتحميها من حروب لا تعرف كيف تنهيها

حالة "التيه" الترمبية

لا يمكن فهم موقف ترمب من إيران إلا من خلال فهم رغبته في التمايز عن سلفه أوباما. فالهجوم على الاتفاق النووي كان وسيلة لبناء هوية سياسية مضادة، وليس تقييما تقنيا لبنوده، والدليل على ذلك هو أن الانسحاب جاء في وقت كانت فيه تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية تؤكد التزام طهران بتعهداتها.

إعلان

شكل هذا الموقف الجسر الذي جمع ترمب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي كان قد خطب أمام الكونغرس في مارس/آذار 2015 ضد الاتفاق، في تحد علني لإدارة أوباما.

وقبل أيام من إعلان الانسحاب، عرض نتنياهو ما قال إنه أرشيف نووي إيراني استولى عليه الموساد من طهران. وبهذا التقت الرؤيتان على أن الجمهورية الإسلامية ليست دولة يمكن احتواء برنامجها، بل تهديدا ينبغي إضعافه من جذوره.

من هنا جاءت إستراتيجية "الضغوط القصوى"، فقد أعلن وزير الخارجية الأمريكي السابق مايكل بومبيو في مايو/أيار 2018 اثني عشر شرطا للتفاوض، كانت أقرب إلى مطالب استسلام منها إلى أجندة تفاوضية، وتبع ذلك إعادة فرض العقوبات على قطاعي النفط والمصارف، وتصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية في أبريل/نيسان 2019.

ولم يتوقف الضغط عند حدود الاقتصاد، ففي الثالث من يناير/كانون الثاني 2020، أمر ترمب بقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني بغارة قرب مطار بغداد، قتل فيها أيضا نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، وردت طهران بقصف قاعدة عين الأسد بعد 5 أيام.

وتكمن أهمية هذا الحدث في أنها المرة الأولى التي تستهدف فيها واشنطن مباشرة أحد أبرز أركان المؤسسة العسكرية الإيرانية، حيث انتقلت المواجهة من الوكلاء إلى القيادات.

يضاف إلى ذلك إطلاق يد إسرائيل في حرب استخبارية امتدت من عمليات التخريب في منشأة نطنز، إلى اغتيال قاسم سليماني في يناير/كانون الثاني 2020، ثم اغتيال العالم النووي محسن فخري زاده في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، وكانت المعادلة واضحة: اقتصاد يستنزف من الخارج، وبنية أمنية تخترق من الداخل.

أما الانتقال إلى الحرب المفتوحة فلا يمكن فهمه بمعزل عن تداعيات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. فالحرب على غزة، التي تمددت إلى لبنان، واليمن، وسوريا، أنهكت حلفاء إيران، وأنزلت المواجهة بين تل أبيب وطهران من الظل إلى العلن.

في هذا السياق اندلعت حرب الـ12 يوما في يونيو/حزيران 2025، التي بدأتها إسرائيل وانضمت إليها واشنطن بضرب منشآت (فوردو، ونطنز، وأصفهان)، ثم حرب الأربعين يوما في فبراير/شباط 2026. وفي هاتين الجولتين ظهرت الولايات المتحدة شريكا في حرب إسرائيلية، لا صاحبة حرب.

غير أن ترمب أعاد لاحقا تقديم الحرب على أنها حرب أمريكا على إيران، بسبب ما يصفه بسعي طهران إلى بناء سلاح نووي. وهنا تحضر المفارقة؛ فالرئيس الذي أعلن بعد هجمات 12 يوليو/تموز 2025 أن البرنامج النووي الإيراني قد دمر بالكامل، خاض حربا ثالثة استمرت 13 يوما، والتي بدأت في 12 يوليو/تموز 2026 باسم الخطر ذاته.

هذه المفارقة أبقت السؤال قائما: هل كان قرار الحرب من منطلق مصلحة الدولة الأمريكية، أم من منطلق مصلحة الحليف الإسرائيلي؟

ما أعتقده هو أن الإدارة الأمريكية تبنت تعريف الخطر كما صاغته تل أبيب، وفي مثل هذه الحالات عادة ما تغيب البدائل، ويغيب معها حساب الكلفة. أما الدول التي تتحرك من منطلق مصلحتها، فعادة ما تملك بديلا أو بدائل تقلل من خسائرها، وتحميها من حروب لا تعرف كيف تنهيها.

إعلان

وقد ظهر غياب حساب الكلفة جليا في التعامل مع الجوار الإيراني، فقد شنت الجولات المتتالية دون اعتبار جدي لمصالح دول الخليج العربية الواقعة على الضفة الأخرى من المواجهة، جغرافيا واقتصاديا، فكانت النتيجة إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره -وفق التقديرات المتداولة- نحو خُمس تجارة النفط العالمية.

إستراتيجية "الأرض المحروقة" في التعامل مع النظام السياسي في إيران تبدو غير مستبعدة، بحيث يسدل الستار على الملف الإيراني فلا ينتقل إلى الرئيس الأمريكي القادم. ويعني ذلك جعل النظام في إيران عاجزا تماما عن ترميم نفسه، فتصبح خيارات الصراع الداخلي، أو السقوط، مطروحة، وهو ما ينسجم مع تعريف ترمب لما يسميه نصرا

باتت صادرات هذه الدول رهينة قرار لم تشارك في صنعه، وأمنها مكشوفا أمام ردود فعل إيرانية طالت منشآت على أراضيها، وتحول الجوار من شريك يفترض التشاور معه إلى ساحة تتحمل الكلفة.

وبعد 3 حروب، يرجع ترمب إلى ما يمكن تسميته بسياسة "المنبوذ الاقتصادي"، وسط ضبابية أكبر حول الهدف: هل المقصود تغيير سلوك النظام، بدفعه إلى التخلي عن التخصيب، وتقليص برنامجه الصاروخي، وفك ارتباطه بحلفائه؟ أم تغيير النظام نفسه؟.. تتأرجح تصريحات الإدارة بين الهدفين، وربما تجمعهما في الخطاب ذاته.

وإذا كان الهدف تغيير النظام، فإن التجربة التاريخية لا تسعف هذا الرهان. فالعقوبات الدولية على العراق طوال تسعينيات القرن الماضي، بموجب قرار مجلس الأمن 661 عام 1990، أفقرت المجتمع العراقي ولم تسقط الرئيس صدام حسين، الذي لم يسقط إلا بغزو عسكري في العام 2003.

كما لم يسقط الحصار الأمريكي النظام في كوبا منذ أكثر من 6 عقود، ولم تسقط العقوبات نظامي كوريا الشمالية وفنزويلا. بل كثيرا ما تمنح العقوبات الأنظمة سردية "العدو الخارجي" التي تبرر بها إخفاقات الحكم، وتعزز قبضة المؤسسة الأمنية على حساب الأصوات الداعية إلى التفاوض.

ويتعمق "التيه" مع حديث ترمب عن استئناف الحرب بعد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، وهو ما يكشف أن الاعتبارات الداخلية تزاحم الحسابات الإستراتيجية، إن لم تتقدم عليها.

ويحضر هنا سؤال لم تقدم الإدارة إجابة عنه: ما الذي يعده ترمب نصرا؟ هل هو تخصيب صفري، أم تفكيك البرنامج الصاروخي، أم انهيار النظام، أم مجرد صورة انتصار تسوق للناخب الأمريكي؟

سردية إسرائيل

يبدو أن الحروب الثلاث ضد إيران لم تكن إلا نتيجة إستراتيجية تغيب عنها البدائل، والفهم العميق لمصالح الإقليم، كما أنها جاءت في سياق تبعات السابع من أكتوبر/تشرين الأول، حين أعادت إسرائيل تعريف أمنها معركة مفتوحة مع ما تسميه "المحور الإيراني". فمن يستعير تعريف النصر من غيره، يستعير معه حروبه.

في نفس السياق، فإن السردية الإسرائيلية ما زالت تتحكم في تعريف النصر الأمريكي، سواء أدرك ترمب ذلك أم لم يدركه، لكن ترمب ربما يفكر في إيران من منظور "المشروع" الذي ينبغي أن يربح به، فإن لم يربحه، فلا يجوز أن يدعي أي طرف آخر أنه ربح أو انتصر.

وعليه، فإن إستراتيجية "الأرض المحروقة" في التعامل مع النظام السياسي في إيران تبدو غير مستبعدة، بحيث يسدل الستار على الملف الإيراني فلا ينتقل إلى الرئيس الأمريكي القادم.

ويعني ذلك جعل النظام في إيران عاجزا تماما عن ترميم نفسه، فتصبح خيارات الصراع الداخلي، أو السقوط، مطروحة، وهو ما ينسجم مع تعريف ترمب لما يسميه نصرا.

هذا السيناريو يعني بالضرورة تنفيذ هجمات مركزة على ما بقي من مواطن قوة الدولة، ابتداء من منشأة جبل الفأس، وانتهاء بمراكز الأمن والمواقع الحيوية.

والفارق هذه المرة أن تلك الهجمات قد لا تنفذ بالشكل العسكري التقليدي، بحيث تقطع الطريق على إيران في الرد، بسبب غياب اليقين حول ما حدث، وكيف حدث، ومن يقف وراءه.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.