في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

شهدت السنوات الأخيرة توسعا واضحا في إنتاج الدراما المستوحاة من الجرائم الحقيقية، مستفيدة من اهتمام الجمهور بقضايا عالقة في الذاكرة، ومن قدرة المنصات على تحويل الملفات الجنائية إلى حكايات قصيرة ومكثفة.

هنا يصبح الخيال جزءا من أدوات الكتابة، لكن استخدامه يفتح جرحا آخر يتعلق بمن عاشوا الواقعة، وبحقهم في ألا تتحول ذاكرتهم إلى نوع من التسلية.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 رمضان 2027.. عابد فهد يعود إلى سوريا وتيم حسن يجدد شراكته مع البرقاوي
* list 2 of 2 مسلسل "المصيدة".. حين تصبح هويتك ملكا لشخص آخر end of list

ومن هذه المنطقة يأتي "ما لم يُحكَ عن بني مزار"، الحكاية الثانية من مسلسل "القصة الكاملة" الذي يُعرض على منصة " شاهد". تُروى القصة على مدار 3 حلقات فيما تحمل تصنيفا عمريا +18، عالجها دراميا هاني سرحان وأخرجها أحمد نادر جلال.

قضية بلا مجرم.. فماذا يفعل الكاتب؟

تستند الحكاية إلى جريمة وقعت في عزبة شمس الدين التابعة لمركز بني مزار في المنيا في عام 2005، حين عثر الأهالي على 10 أشخاص مقتولين بالطريقة الدقيقة والوحشية نفسها داخل 3 منازل متجاورة.

وبعد أيام، وُجهت الاتهامات إلى محمد علي عبد اللطيف الذي اعترف بالواقعة، لكن اعترافه أصبح لاحقا محل طعن أمام المحكمة التي قضت ببراءته في عام 2006، لتظل القضية بلا إجابة حاسمة عن هوية القاتل.

ومع أن الوقائع تمنح الكاتب جريمة شديدة التعقيد، فإنها لا تمنحه نهاية يمكن البناء عليها دراميا. لذلك يضع السيناريو المحقق أكرم (أحمد عبد الوهاب) في قلب هذا الفراغ، فمنذ البداية، لا يقتنع أكرم بالرواية المتداولة ويشك في إمكانية أن يكون شخص واحد نفذ الجريمة بمفرده.

ومع تقدم التحقيق، تتسع الاحتمالات بين التفسير الجنائي والروايات التي انتشرت حول الجريمة، من السحر والجنون إلى الذهب المدفون. وهنا تظهر مشكلة أخرى: فبدلا من محاولة ملء الثغرات التي تركتها القضية، يُحوّل السيناريو الروايات إلى عناصر أساسية في الحبكة من دون فصل واضح بين الشائعات والوقائع وما أضافه السيناريو لخدمة الدراما.

إعلان

وهو ما يظهر بوضوح في الإضافة الدرامية التي تجسدت في شخصية رئيفة (عارفة عبد الرسول)، بوصفها امرأة ذات حضور روحاني، ترتبط أحلامها بما يحدث في القرية، فتصبح وسيلة لنقل المعلومات إلى الشرطة، وحلقة وصل بين ما يتداوله أهل القرية وما يحاول أكرم الوصول إليه.

ورغم أن الشخصية مبررة دراميا، فإنها تُثير سؤالا إشكاليا: إلى أي حد يستطيع العمل الإضافة إلى قضية حقيقية من دون إرباك صورة ما جرى بالفعل؟ وتزداد أهمية السؤال مع استخدام السيناريو أسماء وأماكن حقيقية وجريمة موثقة، ما يجعل الشخصيات والتفسيرات التي يبتكرها أكثر قابلية لأن تختلط في ذهن المشاهد بالوقائع التي عرفتها القضية الأصلية.

المشكلة في الأداء أم السيناريو؟

يبذل ميشيل ميلاد جهدا واضحا في أداء معتصم، مجذوب القرية الذي يعاني عطبا نفسيا أكثر منه عقليا، محاولا منح الشخصية حضورا يتجاوز وظيفتها داخل الأحداث. كذلك يقدم مراد مكرم أداء فيه بعض الاجتهاد، بينما يبدو أداء أحمد عبد الحميد أكثر اتزانا في لحظاته الهادئة.

أما أحمد عبد الوهاب، فيواجه مشكلة مضاعفة ترتبط بالكتابة بقدر ارتباطها بالأداء. فشخصية أكرم يفترض أن تكون مركز التوتر في الحكاية، فهو محقق يواجه قضية غريبة، ويصطدم بروايات لا يستطيع التعامل معها باعتبارها حقائق. لكن تبرمه المتكرر من جهل الآخرين يبدو أقرب إلى الاستياء الدائم منه إلى الضغط الذي يعيشه رجل يحاول تفكيك جريمة معقدة.

ومع تكرار النبرة الانفعالية نفسها في مواقف مختلفة، يصبح الأداء أقل إقناعا، ومع أن جزءا من المشكلة قد يعود إلى اختيار الممثل للدور، فلا يمكن تجاهل أن النص نفسه لا يمنح الشخصية تحولات درامية ونفسية كافية، وبالطبع لا يمكن مناقشة أداء عبد الوهاب بمعزل عن المكياج غير الموفق، الذي جعل ملامحه مصممة لتأكيد صفات معينة بدلا من ترك الأداء وحده يبنيها.

الفرص المهدرة

المادة الأصلية كانت تمنح أحمد نادر جلال فرصة واسعة لصناعة رعب نفسي من دون الحاجة إلى الإفراط في المؤثرات. قرية صغيرة تستيقظ على مقتل الكثيرين وجريمة لا يعرف أحد من ارتكبها، وروايات متضاربة تحيط بها. هذه عناصر جاهزة لصناعة خوف أكثر رسوخا من مجرد الموسيقى المفاجئة أو الصورة المظلمة، لكن الإخراج لا يستثمر هذه الإمكانات بما يكفي.

كان من المفترض أن تتحول القرية إلى شخصية قائمة بذاتها، خصوصا أن شهادات الأهالي التي جرى تداولها تحدثت عن الخوف الذي عاشه سكان المكان وقت الجريمة، وعن إغلاق النوافذ بالحديد وتجنب الخروج، هذه التفاصيل كانت كفيلة بحمل قيمة بصرية حقيقية، عوضا عن شرح الخوف لفظيا.

أما الموسيقى التصويرية، فعجزت هي الأخرى عن إضافة ثقل كاف إلى أجواء الغموض والرعب. وربما تبدو هذه العيوب أكثر وضوحا عند مقارنة الحكاية الحالية بـ "لعبة جهنم"، التي بدت، رغم عيوبها، أكثر تماسكا في بناء أجواء الرعب.

هل يجوز تقديم دراما الجريمة؟

مع ذلك، فإن أهم ما أثاره المسلسل لم يكن متعلقا فقط بالممثلين أو الحبكة، وإنما بهؤلاء ممن ما زالوا يحملون ذاكرة الواقعة، سواء من أعلنوا تجدد آلامهم مع العرض أو من أعربوا عن استيائهم بسبب عدم مطابقة العمل للملف القضائي، خاصة مع عجز البعض عن التعامل مع الحكاية باعتبارها مادة متخيلة بالكامل.

إعلان

في المقابل، أعلنت المخرجة كاملة أبو ذكري عن موقفها من موجة أعمال الجريمة، إذ انتقدت انتشار تقديم جرائم القتل والأشخاص المرتبطين بها دراميا، وربطت اعتراضها بما تراه أثرا محتملا في تطبيع العنف أو إتاحة مادة يمكن تقليدها. وهنا يجد المشاهد نفسه حائرا بين سؤالين الأول هل يجوز تقديم الجريمة من الأساس؟ والثاني كيف تُقدّم؟

حقيقة لا تكفي لصناعة حكاية كاملة

في بني مزار، لم يكن الغموض مجرد أداة تشويق، بل كان جزءا من الواقع نفسه. وربما لهذا تبدو القضية مناسبة للدراما وصعبة عليها في الوقت نفسه، إذ كلما حاولت أن تمنحنا "قصة كاملة"، عادت الحقيقة لتذكرنا بأن الجزء الأكثر أهمية ما زال بلا إجابة.

وهذا هو الاختبار الأوسع الذي تواجهه دراما الجرائم الحقيقية: الجمهور يريد الحكاية، والمنصة تريد عملا قابلا للمشاهدة، والكاتب يحتاج إلى مساحة للابتكار، لكنْ في الطرف الآخر واقعة حقيقية وأشخاص عاشوا آثارها. وفي حالة "ما لم يُحكَ عن بني مزار"، ينجح العمل حين يتعامل مع الغموض كجزء من الحكاية، لكنه يصبح أكثر إشكالا حين تتحول الإضافات الدرامية إلى عناصر يصعب على المشاهد فصلها عن الوقائع التي حدثت فعلا.