من خطاب القوة إلى شبح الإقالة.. ماذا يكشف خطاب هيغسيث في البنتاغون؟
ألقى وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث خطابا أمام مئات العسكريين، قدم فيه صورة للبنتاغون أكثر صرامة واستعدادا للحروب المقبلة، ودافع في الوقت نفسه عن إقصاء عشرات القيادات العسكرية باعتباره جزءا من تغيير ثقافة المؤسسة.
لكن خلف خطاب القوة، ترصد تقارير وتحليلات أمريكية موقعا سياسيا أكثر هشاشة لهيغسيث، مع تصاعد الخلافات حول إدارته للحرب على إيران، وتوتر علاقته بأعضاء في الكونغرس من الحزبين، وصولا إلى طرح احتمال خروجه من منصبه بعد الانتخابات النصفية.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 "فلاي دبي" تشعل معركة أمنية وانتخابية في إسرائيل
* list 2 of 2 روبوت ترمب ينقلب على سيده end of list
وهكذا يكشف الخطاب مفارقة أوسع، تتمثل في وزير يسعى إلى توسيع مشروعه لإعادة تشكيل الجيش، بينما تتزايد الضغوط التي قد تحد من قدرته على تنفيذه، لتفتح الباب أمام سؤال يتجاوز بقاءه في المنصب إلى ما قد يتركه من إرث داخل المؤسسة العسكرية.
مصدر الصورة
مشروع هيغسيث
وفي إطار المشروع الذي يسعى هيغسيث إلى ترسيخه داخل المؤسسة العسكرية، يرصد موقع هيل سلسلة قرارات أعلنها وزير الحرب خلال خطابه، الذي استمر 52 دقيقة بقاعدة مشاة البحرية في كوانتيكو بولاية فرجينيا.
وبدأ هيغسيث خطابه بالتركيز على قضايا طالما أثارها داخل البنتاغون، إذ دعا إلى تطهير المؤسسة مما يصفه بالأفكار "المستيقظة"، وهاجم وسائل الإعلام بسبب تغطيتها للحرب على إيران، مؤكدا أن "روح المحارب" عادت إلى الجيش الأمريكي، وأن القوات المسلحة "أعيد بناؤها".
وفي الجانب العملياتي، أعلن الوزير إنشاء قيادة عسكرية جديدة بقيادة عسكري برتبة أربع نجوم تركز على الحرب بالأنظمة الذاتية، بما يشمل الطائرات المسيرة والروبوتات الدفاعية، على أن تدخل حيز التشغيل بحلول الأول من أكتوبر/تشرين الأول من العام المقبل.
كما كشف عن "مشروع ميريديان"، الذي سيقوده الرئيس التنفيذي لشركة "سبيس إكس إيه آي" إيلون ماسك، والمؤسس المشارك لشركة "أندوريل" بالمر لاكي، ورئيس مجلس النواب الأسبق نيوت غينغريتش، بهدف دراسة مستقبل الحروب خلال العقود المقبلة.
ولم تقتصر رؤية هيغسيث على تطوير أدوات الحرب، بل امتدت إلى إعادة تشكيل البنية التحتية العسكرية، إذ دعا حكام الولايات إلى التنافس على استضافة قاعدة عسكرية جديدة، قبل أن يكشف عن مبادرة "فورتريس"، وهي اختصار لـ"العمليات الفدرالية للصمود وموارد القوات وإمدادات الطاقة والقدرة على البقاء"، التي تهدف إلى تمكين كل منشأة عسكرية كبرى من توليد طاقتها بشكل مستقل عن شبكة الكهرباء المدنية.
وبموجب المبادرة، تعتزم وزارة الحرب كذلك بناء احتياطيات إستراتيجية من الذخائر والوقود والأدوية والدم، تكفي -وفق هيغسيث- لمواصلة الولايات المتحدة القتال ولو تعطلت سلاسل الإمداد العالمية عند اندلاع "حرب حقيقية".
لكن إعادة تشكيل الجيش في رؤية هيغسيث لا تقتصر على التكنولوجيا والقواعد بل تشمل قياداته أيضا؛ إذ دافع عن خطته لخفض عدد الجنرالات والأدميرالات في البنتاغون بنسبة 20%، معتبرا أن هذا التغيير الواسع "تأخر كثيرا" داخل الوزارة.
وأفاد الوزير أن "الإعلام يُسمي ذلك الآن تطهيرا، وأنا أسميه مساءلة تأخرت كثيرا"، مضيفا: "لا يمكنكم تغيير ثقافة المؤسسة بنفس الأشخاص الذين سمحوا بترسيخها، فالكوادر هي التي تصنع السياسات على كل مستوى".
مصدر الصورة
أزمة مع الكونغرس
وبينما أظهر هيغسيث قوة في خطابه، ترى صحيفة نيويورك تايمز أن هذه الصورة التي ساعدته على البقاء في منصبه تتناقض مع واقع سياسي أكثر هشاشة، إذ لم تكن علاقته بالمشرعين الجمهوريين "أسوأ" مما هي عليه الآن.
وتقول الصحيفة إن هيغسيث يقود الجيش في حرب لا تحظى بشعبية، بينما يشكو جمهوريون في الكونغرس من تجاهله أسئلتهم، ومن عدم استعداده الكافي للإحاطات التي يقدمونها للمشرّعين.
كما أسهمت إقالته وتهميشه عددا من كبار القادة العسكريين من دون توضيح الأسباب في كثير من الحالات، في زيادة انعدام الثقة ودفع قيادات عليا إلى التشكيك في أسلوب إدارته، وفق التحليل.
ووفق التقرير، تتركز أبرز أزمات الوزير في الحرب على إيران -التي لا تبدو نهايتها قريبة- وفي علاقته بالكونغرس، إذ سيكون عليه بعد الانتخابات النصفية إقناع مشرّعين "متشككين" في تمرير ميزانية دفاع تبلغ 1.5 تريليون دولار والموافقة على مرشحيه لمناصب رئيسية في البنتاغون، بينما يعطل جمهوريون في مجلس الشيوخ بالفعل عددا من تلك الترشيحات.
ولا تقف أزمة هيغسيث مع الكونغرس عند هذه الملفات؛ إذ يقول مشرّعون من الحزبين إنهم لا يحصلون من الوزير على إجابات لأسئلة أساسية بشأن إدارة الحرب على إيران أو طلبات ميزانية البنتاغون.
وينقل التحليل عن السيناتور الجمهوري عن ولاية نورث كارولاينا توم تيليس قوله: "لا أعتقد أن هيغسيث طور أي علاقات مثمرة، حتى مع الأعضاء الجمهوريين".
وتربط نيويورك تايمز بين هذا التناقض في صورة هيغسيث وبين مستقبله في المنصب، معتبرة أن قدرته على الموازنة بين صورة الرجل القوي و"نقاط ضعفه" المتزايدة في واشنطن وخارجها قد تحدد ما إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب سيبقيه في منصبه.
مصدر الصورة
شبح الإقالة
ومن أزمة العلاقة مع الكونغرس، ينتقل مقال رأي بصحيفة واشطن بوست إلى طرح سيناريو أبعد يتعلق بإمكان خروجه من المنصب؛ إذ يعتبر كاتبه ثيودور آر. جونسون أن هيغسيث قد يصبح من أبرز المرشحين للخروج من الحكومة بعد الانتخابات النصفية.
ويستند الكاتب في ذلك إلى استقالة أو تقاعد مسؤولين عسكريين ومدنيين كبار بدلا من مواصلة العمل تحت قيادة هيغسيث، إلى جانب تقديم مشرعين من الحزبين مشروعات قرارات لعزله، وتعهد الديمقراطيين بإطلاق موجة من جلسات الاستماع والتحقيقات بشأنه إذا استعادوا السيطرة على مجلس النواب.
ويرى جونسون أن انخفاض شعبية هيغسيث واستمرار التغطية الإعلامية السلبية وتحوله إلى مصدر خلاف لدى الحزبين قد يمنح البيت الأبيض سببا للتخلي عنه بعد الانتخابات، بما يوفر لترمب فرصة لإعادة ضبط المشهد السياسي خلال السنوات المتبقية من ولايته.
لكن الكاتب يعتبر أن إقالة الوزير -وإن خلصت ترمب من مشكلة سياسية- لن تمحو ما يصفه بتداعيات فترة هيغسيث في البنتاغون، "من سوء إدارة الحرب في إيران وتسييس المؤسسة العسكرية، إلى الصراعات الثقافية داخلها وإقصاء قياداتها العليا".
ويحدد المقال 3 أزمات مؤسسية ستظل بحاجة إلى المعالجة بعد رحيل هيغسيث، تبدأ بتصحيح أخطاء الحرب واستعادة الجاهزية العسكرية، ثم إعادة التوازن إلى العلاقة بين القيادة المدنية والعسكرية، في ظل ما يصفه الكاتب بإحلال "المحاباة والولاء الأيديولوجي محل الجدارة" في بعض أعلى مستويات القيادة.
أما الأزمة الثالثة، فتتعلق بالفجوات التي خلفها خروج قيادات وخبراء من المؤسسة، إذ ينقل المقال عن مسؤولين وخبراء أن كل إقالة تعني خسارة خبرات ومعرفة مؤسسية تراكمت على مدى سنوات، وهي خسائر لا يمكن تعويضها بمجرد تعيين أشخاص جدد.
ويخلص جونسون إلى أن إقالة وزير الحرب بعد الانتخابات قد تمنح ترمب مخرجا سياسيا سريعا، لكنها لن تنهي آثار المرحلة داخل البنتاغون، معتبرا أن تبعاتها قد تستمر داخل المؤسسة العسكرية لسنوات طويلة.