في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

القدس- في مقطع فيديو مصور، يقف حاخام يتلو فوق رؤوس مجموعة من المستوطنين المتطرفين مواعظ وإرشادات دينية توراتية، فيما يؤدي آخرون طقوسا تلمودية فوق واحدة من مصاطب المسجد الأقصى، في مشهد خالف الوظيفة التي أقيمت من أجلها هذه المصاطب.

وفي المسجد الأقصى لم تعد طقوس المستوطنين وما تمارسه جماعات الهيكل المتطرفة من محاولات عبر فرض سياسة الأمر الواقع لتغيير هوية مسرى رسول الإسلام ﷺ وترسيخ الطابع اليهودي عليه، تقتصر على أداء شعائر توراتية وإدخال قرابين نباتية وحيوانية، أو حتى الاقتحام بأعداد ضخمة، بل صارت تقام حلقات الدروس التوراتية فوق مصاطب العلم، وذلك ضمن حضور يومي منظم.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 أسابيع ثقيلة.. ماذا جرى في "الأقصى" خلال الأعياد اليهودية؟
* list 2 of 2 بالأرقام.. انتهاكات الاحتلال في القدس خلال 3 أشهر end of list

محظورة على المسلمين

وتزامنا مع شهر الأعياد اليهودية، التي بدأت هذا العام منذ 11 سبتمبر/أيلول وتستمر حتى 3 أكتوبر/تشرين الأول، تكررت اقتحامات المستوطنين لثالث الحرمين الشريفين، وتضاعفت أعدادهم، وتعددت نوعية المقتحمين ومسمياتهم الدينية والسياسية أيضا، في خطوة تحاول عبرها إسرائيل ترسيخ السيادة الكاملة على المسجد الشريف، تجلى أخطرها في تصريح وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، الذي قال لحظة اقتحامه -قبل أيام- للأقصى المبارك "اليوم نحن هنا. نحن أصحاب السيادة في هذا المكان".

وأظهرت مقاطع مصورة قيام جماعات من الهيكل بتعزيز هذه السيادة عبر فرضها واقعا دينيا جديدا بإقامة حلقات توراتية، يرافقها طقوس تلمودية فوق مصاطب الأقصى الشريف، وإدخال كتب الصلاة اليهودية ولفائف التفلين (صناديق صغيرة خاصة بالصلاة وتربط على اليد أو الرأس) حيث تقوم الجماعات اليهودية بتوثيق حلقاتها اليومية وتنشرها إعلاميا.

كما أظهرت صور في وقت سابق من الشهر الماضي، بحسب بيان لمحافظة المدينة المقدسة، مستوطنين يرتديان شال الصلاة اليهودي "التاليت" وتغطى به رأساهما وجسداهما بالكامل، ويضعان على الأرض ما يسمى "مَطاح" (بساط الصلاة) أثناء أداء ما يُعرف بـ"بركة الكهنة" خلال وجودهم على إحدى مصاطب المسجد.

إعلان

ويأتي ذلك، في وقت حظرت فيه سلطات الاحتلال الإسرائيلي هذه المصاطب على الفلسطينيين منذ عام 2015، بينما أتاحتها للمستوطنين الذين استباحوا المكان والزمان في الأقصى الشريف.

للعلم والرباط

وتمتلئ ساحات المسجد الأقصى بأكثر من 40 مصطبة، تشكل أحد معالمه المتميزة، وتستخدم عادة حلقات للعلم، وهي عبارة عن مساحات مسطحة تبنى من الحجارة غالبا، وترتفع نحو متر عن سطح الأرض، ويتم الوصول إليها عبر درجات لا تزيد على ثلاث، وشكلها في الغالب مستطيل باستثناء مصطبة واحدة دائرية تقع بين بابيْ الأسباط والرحمة.

وتحتوي هذه المصاطب التي تحمل أسماء مختلفة، منها مدن وبلدان وقادة عظام ومناسبات تاريخية أيضا، على محاريب للدلالة على جهة القبلة وإضفاء رونق جمالي على المصاطب.

ولا يعرف أول من بنى المصاطب على وجه التحديد، إذ يرجعها بعض المؤرخين إلى العهد الأموي، وآخرون ينسبونها إلى العصر المملوكي وبعضهم إلى العثمانيين.

وطالما شكلت المصاطب درعا بشريا متقدما يعيد إحياء وظيفة العلم والرباط في المسجد الأقصى. وتقول هيئة علماء فلسطين، في بيان، موضحة أن المصاطب تحولت أيضا إلى حصن منيع في وجه محاولات تهويد المكان المقدّس، وتحديداً أوقات الفراغ الصباحي والمسائي، حيث تتعمد عصابات المستوطنين اقتحام المسجد.

ويتلقى المرابطون في تلك المصاطب العلوم الشرعية وقراءة القرآن وتفسيره وتجويده، وهو ما كان يربك اقتحامات الجنود والمستوطنين ويفسد مخططاتهم، ويؤكد إسلامية المكان، بحسب الهيئة، التي قالت إن جيش الاحتلال صار يلاحق المرابطين وطلاب المصاطب وينكل بهم، كما يستهدف المؤسسات الداعمة لهم بالحظر والإغلاق.

مصدر الصورة مستوطنون يؤدون السجود الملحمي خلال اقتحامهم للأقصى ضمن محاولات الاستعراض لفرض السيادة (شبكة قدس)

الأعياد وطقوسها

ودعت هيئة العلماء الأمة العربية والإسلامية للتصدي لقرارات الحظر الإسرائيلية لهذه المصاطب، وطالبت بإحيائها وإسناد مرابطيها كواجب شرعي حتمي لكل مسلم، إلى جانب إيجاد شبكات تضامن واسعة تبقي قضية المسجد الأقصى ومصاطبه حاضرة في وجدان المسلمين، مؤكدة أن وجودهم يحمي هوية مسرى النبي ﷺ من خطر التزييف والتقسيم.

ومن جهته يرى الباحث المقدسي فخري أبو دياب، في تعليق له، أن الحلقات التوراتية تمثل انتقالا من السيادة الرمزية إلى السيادة الفعلية للاحتلال وجماعات الهيكل في المسجد الأقصى في محاولة لاستبدال حلقات المرابطين التي حظرت سابقا في ساحاته بحلقات توراتية للمستوطنين.

كما حذر خطيب المسجد الأقصى الشيخ عكرمة صبري، في حديث سابق للجزيرة نت، من استغلال الاحتلال الإسرائيلي الأعياد اليهودية "للانقضاض" على المسجد الأقصى، حيث نفّذ عمليات إبعاد ممنهجة ضد المرابطين والمصلين، وقيّد وصولهم إلى المسجد المبارك، لتحقيق أهدافه. وأكد أن الاحتلال يريد إبقاء الأوضاع في مدينة القدس متوترة، لتحقيق مآرب سياسية ودينية.

وكانت سلطات الاحتلال قد أصدرت منذ بداية العام الجاري أكثر من 800 قرار بالإبعاد، معظمها عن المسجد الأقصى وقليل منها عن مناطق بالقدس، بحسب محافظة المدينة المقدسة، التي أكدت أن جيش الاحتلال سلم، أمس الأربعاء، المرابطة المقدسية خديجة خويص قرارًا يقضي بإبعادها عن الأقصى المبارك لمدة 6 أشهر، مرفقا بخارطة توضح المناطق المحظور عليها الوصول إليها خلال فترة الإبعاد.

إعلان

وقالت المحافظة إن هذه الأرقام تكشف سياسة إسرائيلية ممنهجة لتفريغ المسجد الشريف من رواده المسلمين والفلسطينيين، لا سيما خلال موسم الأعياد اليهودية.

وقائع جديدة للإحلال

وبين إدخال القرابين النباتية والحيوانية وأداء الأناشيد الدينية والرقصات الجماعية، تنوعت طقوس المستوطنين خلال اقتحاماتهم للأقصى الشريف بشكل أكبر هذا العام، وتجلى أخطرها بالانبطاح فيه وفوق باحاته، والقيام بما يعرف بـ"السجود الملحمي" في أكثر من مرة وفي غير مناسبة.

وتسعى الصهيونية إلى توظيف تلك الطقوس، كما يقول الباحث المختص بشؤون القدس زياد إبحيص، كأداة استعمارية لتغيير هوية المسجد الأقصى، وتحويله إلى موقع مقدس مشترك بين اليهود والمسلمين، تمهيدا لنفي هويته الإسلامية وتحويله إلى هيكل، وذلك عبر 3 مسارات: التقسيم المكاني، والزماني، والتأسيس المعنوي للهيكل.

كما تأتي هذه الطقوس لتفرض وقائع جديدة، تستعرض فيها إسرائيل مظاهر السيادة على المسجد الأقصى، ويقول الباحث للجزيرة "لأننا أمام أجندة إحلالية تريد أن تزيل المسجد من الوجود وأن تؤسس الهيكل في مكانه وعلى كامل مساحته".

ويؤكد أن "المعادلة واضحة" لمنع ممارسات الاحتلال وصد هذه الاقتحامات، تكمن في "الردع" وشعوره بأنه سيدفع الثمن على ما يقترفه، وأنه ما من خيارات أمام العالم العربي والإسلامي إلا ذلك "فما سواه، يعني أننا ذاهبون إلى مزيد من تهويد المسجد الشريف والانتقال من الخطوات التدريجية إلى خطوات حاسمة تغير في حقيقة الأقصى وبنيته وطبيعته".

ويعزز ما تحدث به الباحث الفلسطيني ارتداء مستوطنين قمصانا تحمل عبارات تحريضية ورموزا تدعو إلى هدم المسجد الأقصى وإقامة ما يسمى "الهيكل" على أنقاضه، والتجول بها داخل باحات المسجد الشريف خلال الاقتحامات الأخيرة.

وأظهرت الصور -بحسب محافظة القدس- قمصانا تحمل عبارات توراتية، منها "إلى بيت الرب نذهب" و"ستدوّي فيه المطارق" إلى جانب رسومات لرافعات ومعدات وآليات ثقيلة.