في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

أوردت وكالة بلومبيرغ أن شركة قطر للطاقة مددت حالة القوة القاهرة على عدد من شحنات الغاز الطبيعي المسال المتجهة إلى آسيا وأوروبا شهرا إضافيا، في خطوة تعكس استمرار القيود التي فرضتها اضطرابات الملاحة عبر مضيق هرمز والأضرار التي لحقت بجزء من منشآت الإنتاج، لكنها تكشف في الوقت نفسه حجم الدور الذي تضطلع به إمدادات الغاز القطري في توازن سوق الغاز العالمية.

وأفادت بلومبيرغ بأن "قطر للطاقة" أبلغت باكستان وبنغلاديش باستمرار إلغاء شحنات حتى نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، كما أُبلغ مشتر هندي واحد على الأقل باستمرار الإجراء، في حين قالت شركة "إديسون" الإيطالية إن شحناتها ستظل معلقة حتى بداية ديسمبر/كانون الأول المقبل.

قصص مقترحة

list of 3 items
* list 1 of 3 قطر تكثف عبور شحنات الغاز المسال عبر هرمز وسط تفاقم نقص الإمدادات عالميا
* list 2 of 3 الكعبي: قطر تستعيد مستويات إنتاج الغاز الطبيعية خلال أسابيع
* list 3 of 3 قطر.. القطاعات غير النفطية تنمو بـ3.5% والاقتصاد ينكمش 7% في الربع الأول end of list

وتعتزم شركة قطر للطاقة، وفق إديسون، إلغاء 6 شحنات إضافية، ليرتفع إجمالي الشحنات غير المسلمة للشركة الإيطالية إلى 35 شحنة، بعدما توقفت الإمدادات إليها منذ أبريل/نيسان الماضي بموجب إشعار القوة القاهرة.

وزن عالمي

تكشف سرعة انتقال تراجع الإمدادات القطرية إلى أسعار الغاز في أوروبا وآسيا أن أهمية قطر في السوق العالمية تتجاوز حجم صادراتها، إذ يؤدي غياب جزء كبير من الكميات القطرية إلى دفع المشترين في المنطقتين إلى التنافس على المجموعة نفسها من الشحنات البديلة.

وقالت وكالة بلومبيرغ إن اضطرابات هرمز دفعت أسعار الغاز الطبيعي المسال في أوروبا وآسيا إلى مستويات تقترب من أعلى مستوياتها منذ أواخر عام 2022، في وقت كان قد مر عبر مضيق هرمز قرابة 20% من الإمدادات العالمية من الغاز المسال في العام الماضي.

ويرى خبير شؤون النفط والطاقة عامر الشوبكي أن الأزمة أظهرت أن قيمة قطر بالنسبة إلى سوق الغاز لا ترتبط بحصتها السوقية وحدها، وإنما أيضا بقدرتها التاريخية على توفير كميات كبيرة بصورة منتظمة وموثوقة لأسواق موزعة بين آسيا وأوروبا.

إعلان

ويشير الشوبكي في حديثه للجزيرة نت إلى أن الإمدادات القطرية كانت تمثل قبل الاضطرابات الحالية قرابة خُمس السوق العالمية، وأن تعويض هذه الكميات خلال فترة قصيرة يظل صعبا بسبب حاجة أي منتج جديد إلى استثمارات ضخمة، ومنشآت تسييل (تحويل الغاز من غاز إلى سائل)، وسنوات من التطوير قبل إضافة طاقات مماثلة إلى السوق.

ويضيف المتحدث نفسه أن آثار تراجع الإمدادات تصل حتى إلى الدول التي لا تستورد الغاز القطري بشكل مباشر، لأن انتقال المشترين الآسيويين إلى موردين آخرين يضعهم في منافسة مع المشترين الأوروبيين على الشحنات المتاحة، بما يرفع الأسعار، ويعيد توزيع التدفقات بين الأسواق.

ووفق الشوبكي، ارتفعت أسعار الغاز الأوروبية من مستويات كانت تحوم قرب 30 يورو (نحو 34 دولارا) للميغاوات/ساعة قبل بدء الحرب إلى أكثر من 70 يورو (نحو 79 دولارا)، بينما اقتربت الأسعار الآسيوية من 26 دولارا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، مقارنة بنحو 13 دولارا سابقا.

في المقابل، يرى خبير اقتصاديات النفط والطاقة ممدوح سلامة خلال حديثه للجزيرة نت أن غياب جزء كبير من الغاز القطري يضع السوق الأوروبية، خصوصا أمام ضغوط أكبر مع اقتراب الشتاء، لأن أوروبا تحتاج في هذه الفترة من العام إلى بناء المخزونات، بالتزامن مع منافسة آسيوية قوية على الكميات الفورية المتاحة.

مرونة تشغيلية

لا يعني استمرار القوة القاهرة توقف الصادرات القطرية بالكامل، إذ تمكنت قطر في سبتمبر/أيلول الجاري من زيادة عدد الشحنات التي عبرت مضيق هرمز، كما أظهرت بيانات الملاحة خروج ناقلات محملة بالغاز ووصول بعضها إلى أسواق آسيوية، إلى جانب عودة ناقلات فارغة إلى الخليج.

ويعكس هذا التحسن قدرة قطر على تشغيل ما هو متاح من منظومة الإنتاج والنقل كلما سمحت الظروف الأمنية والملاحية، رغم استمرار منشأة راس لفان (الواقعة شمالي قطر) في العمل بطاقة أدنى من المعتاد بعد تعرضها لأضرار في مارس/آذار الماضي.

وهو ما يشير إليه خبير شؤون الطاقة الشوبكي، لافتا إلى أن نجاح قطر في إيصال شحنات فعلية في هذه الظروف يوضح قدرتها على الاستفادة من إمكاناتها التشغيلية واللوجستية، والمحافظة على حركة التصدير بشكل جزئي، لكنه يفرق بين عبور عدد من الناقلات وبين القدرة على ضمان جدول تسليم منتظم لجميع العملاء.

ويفسر ذلك، وفق المتحدث نفسه، تزامن خروج بعض الشحنات مع تمديد حالة القوة القاهرة، إذ تستطيع قطر تصدير كميات عندما تتوافر ظروف العبور، من دون أن تتمكن حتى الآن من تقديم ضمان كامل بشأن انتظام التدفقات في الأسابيع التالية.

وتمنح هذه السياسة مشتري الغاز المسال القطري قدرا أكبر من الوضوح بشأن الكميات التي يمكن تسليمها فعليا، بدلا من الالتزام بجداول يصعب ضمان تنفيذها في ظروف خارجة عن سيطرة المنتج، وهو ما يحافظ على قدرة العملاء على التخطيط، والبحث عن بدائل مؤقتة.

وأكد وزير الدولة لشؤون الطاقة سعد بن شريدة الكعبي في وقت سابق هذا الشهر أن الإنتاج بدأ في العودة تدريجيا، وأن قطر تنتج حاليا كميات تكفي احتياجات الكهرباء وبعض الصناعات البتروكيميائية، إلى جانب استمرار التصدير بمستويات أقل من المعتاد، مشيرا إلى أن استعادة معدلات التشغيل الطبيعية قد تستغرق بضعة أسابيع إذا تحسنت ظروف الملاحة.

مصدر الصورة قطر زادت عدد شحنات الغاز العابرة لمضيق هرمز خلال سبتمبر رغم استمرار القوة القاهرة (غيتي)

عقود طويلة

أعادت الأزمة أيضا تسليط الضوء على أهمية العقود طويلة الأجل التي بنتها قطر من خلالها علاقاتها مع كبار مستهلكي الغاز في أوروبا وآسيا، إذ تمنح هذه العقود المشترين رؤية أوضح للكميات والأسعار المستقبلية، كما تمنح المُنتج القدرة على التخطيط لاستثمارات بمليارات الدولارات في الحقول، ومصانع التسييل والناقلات.

إعلان

وترتبط شركة إديسون، على سبيل المثال، بعقد مع شركة قطر للطاقة بدأ عام 2009 ويمتد 25 عاما، لتوريد نحو 6.4 مليارات متر مكعب سنويا إلى إيطاليا، بما يعادل نحو 10% من استهلاك البلاد.

ويرى الشوبكي أن القيمة الاقتصادية للعقود طويلة الأجل لا تختفي بسبب القوة القاهرة، بل قد تصبح أكثر وضوحا خلالها، لأن الشحنة التي ينتزعها مشتر من السوق الفورية لا تضيف إمدادات جديدة إلى العالم، وإنما تنقل الكمية من مستهلك إلى آخر.

ويضيف أن قيمة قطر تكمن في قدرتها، في الظروف الطبيعية، على توفير كميات كبيرة ضمن علاقات تمتد لعقود، بما يسمح للدول المستوردة بالتخطيط لاحتياجات الكهرباء والصناعة والطاقة على مدى سنوات، بدلا من الاعتماد المستمر على سوق فورية تتأثر بسرعة بالأزمات.

ويرى ممدوح سلامة أن صعوبة تعويض الكميات القطرية الحالية توضح كذلك حدود قدرة السوق الفورية على التعامل مع غياب مُصدر كبير، خصوصا عندما يتزامن ذلك مع احتياجات مرتفعة للغاز المسال في أوروبا وآسيا.

مصدر الصورة العقود طويلة الأجل تمنح قطر قدرة أكبر على التخطيط لاستثمارات الحقول ومصانع التسييل والسفن (غيتي)

عودة تدريجية

ترتبط قدرة الأسواق العالمية للغاز على تجاوز ضغوط فصل الشتاء (حيث يرتفع الاستهلاك) بمسارين متوازيين، أولهما زيادة الإنتاج القابل للتشغيل في منشأة راس لفان، والثاني انتظام حركة ناقلات الغاز عبر مضيق هرمز بدرجة تسمح باستعادة جداول التصدير.

وتبقي قطر منشآت راس لفان جاهزة لزيادة الإنتاج بسرعة عند تحسن الظروف، في حين أوضح الوزير الكعبي أن استئناف جانب أكبر من التشغيل يمكن أن يتم خلال أسابيع من عودة حركة المضيق بصورة أكثر انتظاما، حتى مع استمرار إصلاح بعض الأجزاء المتضررة لفترة أطول.

ويرى الشوبكي أن تحسن الإنتاج بالتزامن مع انتظام الملاحة يمكن أن يخفف المنافسة بين المشترين على الشحنات البديلة، ويقلل الاعتماد على الشراء الطارئ والسحب السريع من المخزونات خلال الشتاء.

ويشير إلى أن عودة الإمدادات القطرية بصورة مستدامة ستمنح السوق إشارة أكثر أهمية من خروج شحنات متفرقة، لأن الأسعار لا تتأثر بحجم الغاز المتاح فقط، وإنما بدرجة الثقة في استمرار وصوله خلال الأسابيع والأشهر التالية.

ويذهب سلامة إلى أن عودة راس لفان تدريجيا سترفع حجم الإمدادات المتاحة للأسواق العالمية، لكنه يربط حجم هذا التحسن باستقرار حركة الملاحة عبر هرمز، باعتبار أن زيادة الإنتاج وحدها لا تكفي إذا بقيت القدرة على نقله إلى المشترين مقيدة.

توسعات إستراتيجية

تعزز الأزمة الحالية أهمية خطط قطر لرفع طاقتها الإنتاجية من الغاز الطبيعي المسال، لأن واحدة من أبرز نقاط الضعف التي كشفتها الاضطرابات تتمثل في صعوبة إيجاد كميات بديلة سريعة عندما يغيب جزء كبير من إمدادات أحد المنتجين الرئيسيين.

وتستهدف قطر رفع طاقتها الإنتاجية داخل البلاد من نحو 77 مليون طن سنويا إلى 142 مليون طن بحلول 2030، بما يعني إضافة نحو 65 مليون طن سنويا عند اكتمال مشروعات التوسع.

ويرى عامر الشوبكي أن هذه الزيادة يمكن أن توسع الخيارات أمام المستهلكين، وتخفف حدة المنافسة على الشحنات في أوقات ارتفاع الطلب أو تعطل بعض مصادر الإمداد، خصوصا أن الأزمة الحالية أظهرت أن بناء طاقات تسييل جديدة لا يمكن إنجازه بسرعة استجابة لصدمة مفاجئة.

وتزداد أهمية هذه الإستراتيجية مع توسع شركة قطر للطاقة خارج حدودها، إذ يشير الشوبكي إلى مشروع "غولدن باس" في الولايات المتحدة بوصفه مثالا على تنويع مواقع الإنتاج، إلى جانب استثمارات ومشروعات في عدد من الدول والقارات.

ويمنح الانتشار الجغرافي الأوسع للشركة القطرية قدرة أكبر على خدمة الأسواق من أكثر من مركز إنتاج، ويقلل اعتماد نمو أعمالها المستقبلية على مسار جغرافي واحد، حتى وإن ظلت منشآت قطر نفسها تمثل العمود الفقري لطاقتها التصديرية.

إعلان

وتشير التطورات الحالية إلى معادلة أوسع في سوق الغاز، فعودة راس لفان واستقرار حركة الملاحة في هرمز يمكن أن يخففا الضغوط في الأشهر المقبلة، بينما ستحدد توسعات حقل الشمال للغاز (وهو الأكبر عالميا) والاستثمارات الخارجية مدى قدرة قطر على إضافة إمدادات جديدة إلى السوق في السنوات المقبلة.