تلتزم باكستان باتفاقيتين للدفاع مع المملكة العربية السعودية: "اتفاقية الدفاع المتبادل الإستراتيجية الباكستانية-السعودية لعام 2025 "، و"اتفاقية الدفاع المشترك لمكة" المبرمة بين باكستان والمملكة العربية السعودية وتركيا.
في كلا الاتفاقين، يعتبر أي هجوم مسلح ضد أي دولة من الدول الأطراف هجوما ضدها جميعا، وهو بند مشابه للمادة 5 من معاهدة حلف شمال الأطلسي. وقد دفع هذا التشابه المحللين إلى وصف "تحالف مكة" بـ"الناتو الإسلامي".
لم يعد تطبيق اتفاقية التحالف مسألة أكاديمية، فبعد الهجمات التي شنها الحوثيون على الأراضي السعودية وعلى طول البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أثير التساؤل عما إذا كانت باكستان ملزمة بالتعاون مع المملكة العربية السعودية لصد الهجمات، وإذا ما فعلت ذلك، فما هي الآثار التي سيترتب عليها مثل هذا الإجراء على مصداقية إسلام آباد تجاه طهران، التي كانت تعول على دورها كوسيط مع الولايات المتحدة.
وقد أوضح مؤسسو التحالف المفهوم النظري لمبدأ الدفاع الجماعي، ويقولون إن الغرض الوحيد منه هو الردع الجماعي، وإن توجهه لم يكن هجوميا أو عدوانيا.
أكد الحوثيون للولايات المتحدة أنهم لن يهاجموا السفن الأمريكية التزاما باتفاق وقف إطلاق النار الثنائي لعام 2025، بالإضافة إلى ذلك، التقى مسؤولون أمريكيون بمسؤولين حوثيين في مسقط. وترى الرياض في ذلك انهيارا جزئيا لترتيباتها الأمنية مع الولايات المتحدة
وفي إطار هذه المعايير، كان من المقرر أن تجري الدول الموقعة تدريبات ومناورات عسكرية، وتعزز قابلية التشغيل البيني، وتنظم عمليات الشراء الدفاعي، وتعزز الإنتاج الدفاعي المشترك.
كما أوضح المؤسسون أن التحالف لا يتصور وجود عنصر للأسلحة النووية كجزء من الاتفاق، وأنه ليس كتلة طائفية سنية، وأنه لا يستهدف أي دولة، في إشارة على ما يبدو إلى إيران وإسرائيل.
علاوة على ذلك، هناك ما يمكن تسميته بالغموض الإستراتيجي، فلا يزال "الزناد" و"الحد الأدنى" لتدخل باكستان غير محددين، وهناك سببان معقولان: أولا، أن الموقعين لا يرغبون في الكشف عن التفاصيل العملياتية الإستراتيجية لخططهم؛ وثانيا، أن التحالف، الذي لا يزال في مرحلته التكوينية، لم يحدد بعد طرائق التعبئة المشتركة للقوات، حيث إنهم في طور "إضفاء الطابع المؤسسي" عليه قبل أن يصبح جاهزا للعمل بشكل كامل.
ومع ذلك، فقد دأبت باكستان على مدى عقود على تعزيز الدفاعات السعودية، بشكل مباشر وغير مباشر، وإن لم يكن ذلك بشكل نشط على ساحة المعركة.
وتشارك باكستان في توفير الأمن لأقدس الأماكن، وحاليا، يشغل رئيس أركان الجيش الباكستاني السابق منصب مستشار أمني للمملكة العربية السعودية.
وفي ذروة الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، أرسلت باكستان إلى المملكة العربية السعودية 8 آلاف جندي، وسربا من طائرات جي إف-17، وطائرات مسيّرة، ومعدات دفاعية أخرى، ولدى البلدين برامج تدريبية مشتركة.
فهل حان الوقت لتنفيذ اتفاقية مكة في أعقاب الهجمات الأخيرة التي شنها الحوثيون، كما صرح وزير الدفاع الباكستاني؟ حسنا، صدرت سلسلة من التصريحات العامة عن المتحدثين الرسميين الباكستانيين، أكد أحدهم فيها أن باكستان ملتزمة نصا وروحا بتنفيذ اتفاقية "إس إم دي إيه"، وكذلك اتفاقية مكة المشتركة للدفاع، وأكد أن باكستان قامت ببعض عمليات الانتشار بموجب اتفاقية العام الماضي، لكنه رفض الكشف عن تفاصيل التعاون العسكري بحجة السرية العملياتية.
لذا، يمكننا القول إن اتفاقية مكة سارية بالفعل، جزئيا إن لم يكن كليا.
ولم تؤد هجمات الحوثيين والرد السعودي عليها إلى توسيع مسرح الحرب ليشمل البحر الأحمر وباب المندب فحسب، بل أدت أيضا إلى تعقيد الدبلوماسية الإقليمية.
وقد أدان الرئيس ترمب غارات الحوثيين على طول البحر الأحمر المتاخم للساحل الجنوبي الغربي لليمن، لكنه رفض شن ضربات ضد الحوثيين.
ومن جانبهم، أكد الحوثيون للولايات المتحدة أنهم لن يهاجموا السفن الأمريكية التزاما باتفاق وقف إطلاق النار الثنائي لعام 2025، بالإضافة إلى ذلك، التقى مسؤولون أمريكيون بمسؤولين حوثيين في مسقط.
وترى الرياض في ذلك انهيارا جزئيا لترتيباتها الأمنية مع الولايات المتحدة، ويفسر إحجام واشنطن عن دعم العملية السعودية على أنه ضغط غير مباشر على الرياض لاستكشاف مخرج دبلوماسي أو للاستفادة من "تحالف مكة" لدحر الحوثيين.
هناك انطباع واحد يجب تبديده: المبدأ الأساسي للحلف -وهو أن الهجوم على أحد الأعضاء هو هجوم على الجميع- لا يزال ساريا ومقدسا، إنه ليس مجرد مظهر شكلي أو استعراضي
وتزداد الصورة غموضا عندما تعلم أن قائد القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم " الأدميرال براد كوبر التقى بقادة عسكريين من إسرائيل ومصر والأردن وخمس دول خليجية. إلى أين تتجه هذه الدبلوماسية العسكرية المتشابكة وتبادل المعلومات الاستخباراتية، ولأي غرض؟
هناك تصريحات حول هجوم بطائرة مسيّرة حوثية على مكة المكرمة، فقد وصفت الرياض الأمر بأنه "خط أحمر"؛ بينما نفت صنعاء وقوعه.
ومع ذلك، إذا وقع هجوم من هذا القبيل، فسوف يحرك مشاعر غالبية الدول الإسلامية، وقد اشتعلت المشاعر في باكستان بالفعل، وقد يجبر ذلك الحكومة على الإدلاء بتصريح علني، وقد يكون بيان وزير الدفاع الباكستاني جزءا من تلك الإستراتيجية.
وبحسب ما ورد، لم تتلق باكستان ولا تركيا طلبا رسميا من المملكة العربية السعودية بموجب الاتفاقية الثلاثية، حتى في الوقت الذي سعت فيه السعودية إلى الحصول على المساعدة من الولايات المتحدة وحلفاء آخرين.
لذا، فإن السؤال الذي يطرح نفسه مرة أخرى هو: هل تركيا وباكستان ملزمتان باتخاذ إجراء عسكري إلى جانب المملكة العربية السعودية، التي هاجمها الحوثيون، الحليف الوثيق لإيران؟
هناك انطباع واحد يجب تبديده: المبدأ الأساسي للحلف -وهو أن الهجوم على أحد الأعضاء هو هجوم على الجميع- لا يزال ساريا ومقدسا، إنه ليس مجرد مظهر شكلي أو استعراضي.
وتجدر الإشارة إلى أن مبدأ الدفاع الجماعي المنصوص عليه في المادة 5 من معاهدة حلف شمال الأطلسي (الناتو) لم يستند إليه سوى مرة واحدة بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، ولم يحدث ذلك قط قبلها أو بعدها.
علاوة على ذلك، سيتطور التآزر الإستراتيجي بين باكستان والمملكة العربية السعودية وتركيا بمرور الوقت، وهناك أمر واحد مؤكد: اتفاقية تحالف مكة ليست في خطر.
تواجه باكستان مهمة شاقة وهي تسير على حبل دبلوماسي رفيع، فمن ناحية، عليها أن تقف بقوة إلى جانب صديقتها المملكة العربية السعودية، ومن ناحية أخرى، تسعى إلى لعب دور الوسيط ليس فقط بين إيران والولايات المتحدة، بل أيضا بين إيران والمملكة العربية السعودية.
ولن تسعد باكستان أكثر من إنهاء سريع للحرب الجارية على جبهات متعددة وتقارب حقيقي بين الرياض وطهران.
يجب على جميع الأطراف المتحاربة العودة إلى طاولة المفاوضات، مهما كانت خلافاتهم كبيرة، فمنطقة الخليج بأكملها في حالة خراب، وتنتابها حالة من عدم اليقين.
وفي هذه الحرب ذات الرؤوس المتعددة، لن ينتصر أي بلد على أرض المعركة، لكن الدبلوماسية يمكنها أن توفر حلولا مربحة للجميع.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة