آخر الأخبار

خيارات بديلة.. إيران لن تتجرّع ما أذقته أمريكا للعراق لهذه الأسباب

شارك

لا تبدو حرب الخليج الراهنة مثل كل الحروب؛ فالصراعات في العادة -قصرت أم طالت مدتها- إما تنتهي بانتصار حاسم لطرف من المتحاربين على الطرف الآخر، حيث يتم عادة توقيع اتفاقية استسلام، وفرض شروط المنتصر على المهزوم، كما جرى في الحربين العالميتين الأولى والثانية بانتصار الحلفاء على دول المحور.

وإما أن تنتهي تلك الحروب بتسوية على قاعدة "لا غالب ولا مغلوب"؛ بحيث يزجّ كل طرف بأقصى ما لديه من إمكانيات عسكرية في ميدان المعركة في مواجهة الطرف الآخر: فيُستنزف الطرفان دون نتيجة حاسمة لأي منهما، وحينها يندفعان لوقف القتال وعقد تسوية تراعي مصلحتهما، وتنتهي الحرب، كما لو أنها لم تبدأ، باستثناء الخسائر البشرية والمادية المترتبة على تلك الحرب.

ومثالنا في ذلك الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، ولم تحقق إيران أو العراق أهدافهما. فالعراق لم يحرر عربستان، وإيران لم تنجح في إسقاط نظام حزب البعث في العراق.

وباستعراض حروب أمريكا المعاصرة، فالحقيقة أنها لم تكسب أيا منها، صحيح أنها لم تنهزم، لكنها لم تحقق أهدافها من وراء تلك الحروب. ولا يزال ماثلا مشهد المروحية فوق السفارة الأمريكية في هانوي، أو المشهد التاريخي في مطار كابل، عندما تعلّق حلفاء أمريكا بحبل النجاة دون فائدة.

في حرب فيتنام خسر الأمريكيون أكثر من 60 ألف عسكري، ونتيجة لذلك تم إبرام اتفاق في باريس لوقف الحرب لتجد أمريكا مخرجا من الحرب مع انتصار فيتنامي واضح، حيث خرج الأمريكيون بموجبه من فيتنام، مع تحقيق وحدة البلاد حسب الشروط الفيتنامية.

كان للحصار والعقوبات أثرهما البالغ على حياة العراقيين، فهل حالة إيران مماثلة لحالة العراق؟! الأمر مختلف؛ فالمقارنة هنا غير دقيقة، فمساحة إيران أضعاف مساحة العراق، والعراق كان محاصرا بدول معادية لنظامه السياسي

وكذلك الحال في الحرب الأمريكية على أفغانستان، فقد أُسقطت آلاف الأطنان من القنابل على هذا البلد، والنتيجة انسحاب أمريكي مفاجئ وغير منظم، مثّل وضعا أشبه بالهروب من كارثة للنجاة، إضافة إلى الغزو الأمريكي للعراق، حيث بدت الحرب وكأنها نيابة عن إيران، فالذي لم تستطع طهران أن تحققه في حرب السنوات الثماني، حققته أمريكا بتسليم العراق لها! وصحيح أن أمريكا تخسر الحروب، لكنها لا تتعلم لتبدأ حربا جديدة.

إعلان

واليوم، فإن حرب الخليج الراهنة، حرب غريبة وخارج نطاق مسار الاحتمالين السابقين، ففي السنة الماضية، فوجئنا بحرب أمريكية إسرائيلية على إيران، استمرت أسبوعين أو أكثر قليلا؛ بهدف القضاء على المشروع النووي الإيراني، إلا أنها توقفت فجأة، لترحل البوارج الأمريكية وتغادر الطائرات الإسرائيلية سماء طهران دون أن تسقط حمولتها من القنابل بقرار من الرئيس الأمريكي، ويزعم كلا الطرفين أنه قد انتصر، رغم عدم تحقيق الهدف من وراء تلك الحرب!

وتبقى الأمور على حالها لأشهر، لتعود الحرب مرة أخرى وأيضا بصورة مفاجئة. فقد كان الأمريكيون والإيرانيون في مرحلة من التفاوض بوساطة عُمانية آنذاك، وكان من المفترض أن تستأنف اجتماعات الأطراف المتفاوضة بعد يوم واحد من بدء عمليات عسكرية ضخمة: قصف متواصل لا يتوقف من البوارج الأمريكية والطيران الإسرائيلي الذي كان يحلّق طوال 24 ساعة فوق المدن الإيرانية!

والمفاجأة الثانية أن تلك الحرب توقفت مرة ثانية دون سابق إنذار، لتبدأ مرحلة من مراحل التهديد والوعيد بأن الحرب سوف تستأنف: تهديد أمريكي إسرائيلى، يقابله تهديد إيراني أيضا، وحرب متقطعة؛ ضربة أمريكية يُرد عليها بأخرى إيرانية وهكذا، مع ملاحظة تحييد دولة الاحتلال "إسرائيل" وإخراجها من سياسة عض الأصابع تلك.

إذن، فهي حرب ليست مثل كل الحروب، إنها مثل صراع الديكة، وكذلك ليست على قاعدة "لا غالب ولا مغلوب"، ولا يزال كلا طرفي المعادلة يدعي امتلاكه إرادة القتال والقدرة عليه.

وفي الميدان، كل ضربة أمريكية تُجابه بضربة إيرانية وإن كانت أقل أثرا، لكن ذلك يعني أن الإيرانيين لم يستسلموا ولم تضعف إرادتهم، ولا يزال لديهم القدرة على المجابهة النسبية.

وبالتحول إلى قرار الرئيس ترمب باستمرار الحصار على إيران وتشديد العقوبات الاقتصادية التي وصفها بالقاتلة وغير المسبوقة؛ نتذكر أن تلك العقوبات مفروضة على إيران منذ أربعين عاما أو يزيد.

نستحضر ذلك للقياس والمقارنة مع تلك العقوبات وذلك الحصار الذي فُرض على العراق بعد غزوه الكويت، حيث أدى إلى الفتك بمئات الألوف من ضحايا شح الغذاء والدواء، بل إفقار العراقيين الذين عرضوا أثمن ما يملكونه للبيع من أجل مجابهة تكاليف الحياة.

إذن، فقد كان للحصار والعقوبات أثرهما البالغ على حياة العراقيين، فهل حالة إيران مماثلة لحالة العراق؟! أعتقد أن الأمر مختلف تماما؛ فالمقارنة هنا غير دقيقة، فمساحة إيران أضعاف مساحة العراق، والعراق كان محاصرا بدول معادية لنظامه السياسي، سواء كانت إيران أو سوريا، وكانت رئة العراق الوحيدة هي الأردن، الذي كان محاصرا في ميناء العقبة لمنع أي إمكانية لاختراق ذلك الحصار.

أما وضع إيران فمختلف، فطهران لها حدود شاسعة مع عدة دول، باكستان وأفغانستان وتركمانستان وأذربيجان والعراق، وليس بين إيران وهذه الدول عداء واضح يدفعها إلى تشديد الحصار والالتزام الحرفي بالعقوبات الأمريكية، بل إن العراق يُعدّ حدودا مفتوحة لتزويد إيران بكل ما تحتاج إليه.

أما أهم من ذلك كله، تملك إيران ساحلا قد يصل إلى 700 كيلومتر على بحر قزوين المنفتح على عدة دول وعلى رأسها روسيا المتشاطئة في البحر نفسه والتي تربطها بإيران علاقات جيدة. لذلك لا أعتقد أن الحصار والعقوبات، مهما اشتدا، سيثنيان الإيرانيين أو يدفعانهم إلى الاستسلام.

كل ضربة أمريكية تُجابه بضربة إيرانية وإن كانت أقل أثرا، لكن ذلك يعني أن الإيرانيين لم يستسلموا ولم تضعف إرادتهم، ولا يزال لديهم القدرة على المجابهة النسبية

وفي تقديري، فإن الإيرانيين إن خُيروا بين الاستسلام وإعادة الكرّة بحرب جديدة فإنهم قد يختارون الحرب. ويبدو أنه ما زال لديهم قدر من القوة، وربما لديهم القدرة على إعادة بناء قوتهم أيضا.

إعلان

وفي الخلاصة، كانت دوافع هذه الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تتمثل في إنهاء البرنامج النووي الإيراني، والنظام الصاروخي أو الحد من مدياته، وإسقاط النظام أيضا. بيد أن هذه الأهداف الثلاثة لم تتحقق؛ صحيح أنه قد جرت تصفية المرشد والعديد من القيادات الإيرانية، وتم تدمير جزء واسع من البنية التحتية، وإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، رغم كل ذلك فقد باتت القيادة الإيرانية الحالية أكثر تشددا من سابقاتها.

والأمر المستغرب هو الموضوع المتعلق بحرية الملاحة في مضيق هرمز، التي لم تكن سببا مباشرا لاندلاع الحرب، إلا أنها أصبحت نتيجة لها، وكأن الأهداف الأمريكية الإسرائيلية للحرب قد تحققت مع أن الأمر ليس كذلك، إذ إن عودة حرية الملاحة في المضيق، هي المسألة الملحّة الآن حتى لا ترتفع أسعار النفط عالميا، وحتى لا يؤدي ذلك إلى انكماش وأزمة مالية واقتصادية عالمية، لذا أصبح كل الجهد منصبا على هذه المسألة، وتراجع الحديث عن الدوافع التي قامت الحرب من أجلها.

وبعد، فإن جهود الوساطة لا بد أن تتكثف، بدخول قوى مؤثرة أخرى، كأوروبا والصين، إلى جانب الجهود المباركة التي تبذلها باكستان وعُمان وقطر؛ لإعطاء الوساطة قوة إضافية، ربما تؤثر في الأطراف المتنازعة، وتصل بها إلى حل وسط يضمن مصالح الجميع ويكفل إعادة فتح مضيق هرمز، وتجنيب العالم أزمة مالية واقتصادية، وتجنيب الدول العربية القصف وانتهاك أمنها وسيادتها الوطنية، مع أنها ليست طرفا في هذه الحرب.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا