آخر الأخبار

المناورة التي تقلق إسرائيل.. لماذا تقترب تركيا من لبنان؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

على مدى عقود، بدا لبنان ساحة مفتوحة لتنافس إقليمي ودولي، من سوريا وإيران وإسرائيل إلى فرنسا والولايات المتحدة. فيما ظل حضور قوة إقليمية بحجم تركيا خافتا، رغم الإرث العثماني الطويل والقرب الجغرافي. وارتبط الحضور التركي المحدود بطبيعة النظام السياسي اللبناني، حيث تتقاطع الانقسامات الطائفية مع الارتباطات الخارجية. ولذلك، لم يحتل لبنان مرتبة متقدمة في سُلَّم الأولويات التركية لفترة طويلة.

لكن هذه المعادلة بدأت تتغيَّر. ففي 10 يونيو/حزيران 2026، ألقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كلمة أثناء اجتماع الكتلة النيابية لحزب العدالة والتنمية في البرلمان، وصرَّح تصريحا لافتا جسَّد تزايد اهتمام أنقرة بلبنان إلى حد ربط أمنه بالأمن القومي التركي، قائلا: "أمن تركيا لا يبدأ من هاتاي، إنه يبدأ من حلب ودمشق وبيروت"، مؤكدا أن أنقرة لن تسمح بأوهام "أرض الميعاد".

مصدر الصورة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يلقي كلمة خلال فعالية لحزبه العدالة والتنمية (الأناضول)

الرؤية التركية بعد تراجع إيران

لفهم تصريح الرئيس التركي، يتعين العودة يوما واحدا إلى الوراء. ففي 9 يونيو/حزيران 2026، وخلال افتتاح "مؤتمرات الأمن القومي" في المجمع الرئاسي بأنقرة، قال أردوغان إن العمليات التركية في العراق وسوريا دشَّنت مرحلة جديدة في النموذج الأمني لبلاده، بعدما انتقلت أنقرة إلى إستراتيجية "القضاء على الإرهاب في مصدره"، وأنشأت عبر عملياتها وراء الحدود خطا أمنيا على امتداد حدودها الجنوبية.

اقرأ أيضا

list of 3 items
* list 1 of 3 هل تقود زيارة عون إلى مشاركة تركيا بقوة بديلة في جنوب لبنان؟
* list 2 of 3 "زيارة تأخرت طويلا".. الرئيس اللبناني في تركيا وأردوغان يعرض دعما واسعا
* list 3 of 3 لماذا الآن الاتفاق بين لبنان وقبرص؟ ولماذا تعترض تركيا؟ end of list

وامتدَّ حديثه إلى تناول مفهومه الواسع لأمن المنطقة، فأكد أن تركيا لا ترى أمن المنطقة مُنفَصِلا عن أمنها، وأن تَغيُّر طبيعة التهديدات والحروب والتحالفات يفرض بدوره تغيير مفهوم الأمن ونطاقه. وفي الخطاب ذاته، أدرج أردوغان الطاقة والممرات اللوجستية والأمن السيبراني ضمن قضايا الأمن القومي، وشدَّد على أهمية الحضور والتحرُّك التركي في مساحة تمتد من الخليج إلى شمال أفريقيا وشرق المتوسط.

"أدرج أردوغان الطاقة والممرات اللوجستية والأمن السيبراني ضمن قضايا الأمن القومي"

وتتقاطع هذه الرؤية مع توجُّه مؤسسي تركي نحو توسيع مفهوم الأمن إلى مجالات تتجاوز البُعد العسكري. فقد انطلقت الخطة الإستراتيجية لوزارة الخارجية التركية في الفترة 2024–2028 من موقع تركيا في قلب جغرافيا تتقاطع فيها الأزمات والصراعات، وحدَّدت هدفها الأول بدعم "الأمن والاستقرار في المنطقة وما وراءها بما يتوافق مع مصالحنا الوطنية"، مع إعطاء الأولوية لمنع النزاعات وإدارتها وتعزيز التعاون الإقليمي والمتعدد الأطراف.

مصدر الصورة خريطة تركيا (الجزيرة)

وربطت الخطة الاستقرار بمفهوم عن الأمن يشمل مناطق النزاع والتهديدات في الجغرافيا القريبة، والهجرة غير النظامية، وأمن الطاقة والغذاء، والتنافس بين القوى الكبرى، وتصاعد الهشاشة الإقليمية. ومن ثم، تدفع هذه الرؤية تركيا إلى التفكير خارج حدودها انطلاقا مما تصفه الخطة بمبدأ "المساهمة في تشكيل النظام"، بدلا من الاكتفاء بمجاراته أو محاولة التأقلم مع تحوُّلاته. وتندرج تحت هذا التصور أدوات متعددة، من الوساطة وإدارة الأزمات إلى العلاقات الاقتصادية وأمن الطاقة والربط اللوجستي.

إعلان

وقد عبَّر وزير الخارجية هاكان فيدان عن هذا المنطق في مؤتمر السفراء الأتراك في ديسمبر/كانون الأول 2025، حين قال إن تركيا تتحرك وفق منظور شامل، وتسعى لأن تكون دولة "تنتج الأمن والرفاه في جغرافيتها القريبة"، ولا تنتظر وصول الأزمات إلى أبوابها، بل تدرس السيناريوهات مُسبقا، وعلى أساسها تُحدد أين ينبغي لها أن تكون وفق حساباتها ومصالحها.

"أصبح تحرك أنقرة خارج الحدود جزءا من مقاربة تربط حماية المصالح والأمن الداخلي بالحضور الفاعل في الجغرافيا المحيطة"

وحدَّد فيدان ثلاثة أجنحة تعتمد عليها بلاده في تحركها الخارجي: الأمن والقوة العسكرية والاقتصاد. وبذلك، أصبح التحرُّك خارج الحدود جزءا من مقاربة تربط حماية المصالح والأمن الداخلي بالحضور الفاعل في الجغرافيا المحيطة، تحت عنوان منع تشكل التهديدات وتعزيز الاستقرار الإقليمي.

مصدر الصورة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (الجزيرة)

لبنان يدخل الرؤية التركية

في ظل نظام الأسد، كانت تركيا مُحاصرة جيوسياسيا من جهة الجنوب، ولذلك نظرت إلى تلك الجغرافيا بدرجة كبيرة من زاوية درء المخاطر وتقليص مساحة التهديد لأمنها القومي. أما اليوم، فمع سقوط النظام السوري وانحسار النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان، انفتح أمام أنقرة مجال جيوسياسي ظل مغلقا أمامها لسنوات. وبطبيعة الحال، لا يترك تراجع قوة إقليمية فراغا محضا، لكنه يفتح المجال أمام قوى أخرى لمحاولة ملئه، سواء لمنع خصومها من التمدُّد أو لتوسيع نطاق نفوذها ومصالحها. وهكذا تغيَّرت المعادلة بالنسبة إلى تركيا.

على سبيل المثال، أمضت أنقرة سنوات وهي ترى مشاريع الطاقة والنقل والربط الإقليمي تُبنى أو تُطرح متجاوزة إياها؛ بدءا من مشروع خط غاز "إيست ميد" (EastMed) بين إسرائيل وقبرص واليونان، ومنتدى غاز شرق المتوسط الذي قالت الخارجية التركية إنه قام على "وهم إقصاء تركيا من معادلة الطاقة"، مرورا بالممر الاقتصادي "الهند – الشرق الأوسط – أوروبا" (IMEC)، الذي دفع أردوغان إلى التأكيد أنه "لا يمكن أن يكون دون تركيا"، وصولا إلى مشروع "الربط البحري العظيم" (Great Sea Interconnector) بين اليونان وقبرص وإسرائيل وهو مشروع لربط شبكات الكهرباء بين الدول الثلاث عبر كابلات بحرية، أثار تحفظا تركيا بسبب مسارات الكابلات التي تقول أنقرة إنها تمر تحت جرفها القاري.

أما التطورات الأخيرة، فقد فتحت أمام تركيا بوابة للعودة إلى المعادلة الإقليمية، ومنحتها فرصة لاستعادة دورها في مشاريع النقل والطاقة والربط بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا. لكنها حملت في الوقت نفسه تحديًا آخر؛ إذ تزامن انحسار النفوذ الإيراني مع تمدد إسرائيلي في المجال المحيط بتركيا عبر التوغُّل في جنوب لبنان وجنوب سوريا. وهكذا أصبح السؤال من يملأ فراغ انحسار النفوذ الإيراني، وما إذا كان تراجع طهران سيقود إلى تمدد إسرائيلي يفرض على تركيا واقعًا جيوسياسيًا جديدًا على حدودها الجنوبية وفي شرق المتوسط.

ومن هنا، يمكن فهم التحرك التركي في سوريا بالدرجة الأولى، ثم العراق ولبنان، باعتباره محاولة للجمع بين اغتنام الفرص التي أتاحها تغير موازين القوى، ودرء المخاطر الناجمة عن هذا التغير. وإذا كانت إيران قد مثَّلت طيلة العقود الماضية أحد أبرز منافسي أنقرة على النفوذ الإقليمي، فإن تراجعها الإقليمي لا يعني بالضرورة أن البيئة المحيطة بتركيا أصبحت أكثر أمنا؛ إذ يبرز في المقابل النفوذ الإسرائيلي بوصفه أحد أبرز مصادر القلق في التصوُّر التركي الجديد.

"تزامن انحسار النفوذ الإيراني مع تمدد إسرائيلي في المجال المحيط بتركيا"

وهذا القلق متبادل بين الطرفيْن، فمتابعة الخطاب السياسي والإعلامي الإسرائيلي تكشف عن تصاعد حضور تركيا في النقاشات المتعلقة بالتهديدات الإستراتيجية لإسرائيل، بالتوازي مع تمدُّد النفوذ التركي في سوريا. وقد لخَّص وزير شؤون الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي، المنتمي إلى حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو، هذا التطور بقوله إن "سوريا وتركيا تثيران قلقا أكبر بكثير بالنسبة إلينا من إيران"، بل ذهب إلى القول إن إسرائيل ستدخل في حرب مع سوريا عاجلا أو آجلا.

إعلان

في هذا الظرف، اكتسب الحضور التركي في بلاد الشام أهمية متزايدة في التصور الأمني لأنقرة، باعتباره جزءا من خط دفاع متقدم عن المصالح التركية. ويتزامن ذلك مع انتقال التوتر التركي – الإسرائيلي من مستوى التراشق الخطابي المتقطع إلى منطقة أكثر خطورة، بفعل التطورات الميدانية في سوريا.

فقد استهدفت إسرائيل في وقت سابق من أغسطس/ آب الماضي مطار أبو الظهور شمال غربي سوريا، على مسافة نحو 70 كيلومترا من الحدود التركية، في وقت كانت فيه التحركات التركية المزعومة داخل سوريا موضع تحذيرات إسرائيلية متكررة. واعتبر المبعوث الأمريكي توم باراك أن مثل هذه الضربة كان يمكن أن تدفع تركيا وإسرائيل إلى مواجهة خطرة، مُنتقدا إياها بوصفها تصعيدا غير ضروري.

مصدر الصورة مطار أبو الظهور العسكري (الجزيرة)

في العراق أيضا أصبحت تركيا شريكا رئيسيا لبغداد في مشروع "طريق التنمية"، الذي يستهدف ربط ميناء الفاو الكبير جنوب العراق بالحدود التركية عبر نحو 1200 كيلومتر من الطرق والسكك الحديدية، ومنها إلى أوروبا. وبالتوازي، تعمَّقت العلاقات التركية – العراقية في ملفات الأمن والطاقة والمياه والتجارة.

أما في سوريا، فقد أصبحت تركيا أحد أبرز شركاء الحكومة الجديدة في طيف متنوع من المجالات، من الأمن والاقتصاد وإعادة بناء المؤسسات إلى التعليم والبنية التحتية. كما أسهم التصعيد الإسرائيلي والحرب مع إيران في زيادة انفتاح عدد من الدول العربية والإسلامية على أنقرة، في وقت أخذت فيه تركيا تعزز حضورها في لبنان أيضا عبر علاقات رسمية وشعبية أكثر نشاطا، وفي بيئة لا تواجه حتى الآن اعتراضا أمريكيا مماثلا لذلك الذي واجه النفوذ الإيراني.

ومن هذه الزاوية، قد يكون الأدق القول إن تركيا أصبحت إحدى أبرز القوى المُرشَّحة للاستفادة من الفراغ الذي خلَّفه انحسار النفوذ الإيراني في عدد من ساحات المشرق العربي، لا أنها "ترث" إيران بالمعنى الحرفي. وهذا تحديدا ما يفسر جانبا من القلق الإسرائيلي تجاه تركيا، ولا سيَّما أن أنقرة تتحرك بأدوات تختلف عن الأدوات الإيرانية، وتعتمد بدرجة أكبر على العلاقات الرسمية، والتجارة، والاستثمار، والربط اللوجستي، والتعاون الأمني والدفاعي.

"بينما تسعى إسرائيل إلى تحسين بيئتها الأمنية عبر إضعاف القوى المحيطة بها، تقدم تركيا نفسها بوصفها قوة تستفيد من الاستقرار"

وهنا تتمايز المقاربتان التركية والإسرائيلية. فبينما تسعى إسرائيل إلى تحسين بيئتها الأمنية عبر التفوُّق العسكري، وفرض وقائع ميدانية جديدة، وإضعاف القوى المحيطة بها، تقدم تركيا نفسها بوصفها قوة تستفيد من الاستقرار، وتعمل على تعزيز شبكات التجارة والنقل والطاقة والعلاقات السياسية. ومن ثم، فإن خفض مستوى الصراعات في الإقليم يوفر بيئة تستطيع أنقرة داخلها ترجمة موقعها الجغرافي وقدراتها الاقتصادية وشبكة علاقاتها إلى نفوذ طويل الأمد.

وتدرك أنقرة أن انتقال المنطقة من حالة الحرب المفتوحة إلى قدر من الاستقرار النسبي يمنحها أفضلية، إذ تستطيع، بما تمتلكه من علاقات مع الحكومات والمجتمعات وشبكات التجارة والنقل، أن تقدم نفسها شريكا إقليميا ومحور وصل بين الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا. وفي المقابل، فإن استمرار الحروب واتساع نطاق التدخل العسكري الإسرائيلي يُهدِّدان هذه البيئة ويُعرقِلان مشاريع الربط الإقليمي التي تراهن عليها تركيا.

لبنان.. مفتاح سوريا وشرق المتوسط

ضمن هذا التصور تبرز أهمية لبنان، الذي يتشارك مع سوريا حدودا يبلغ طولها نحو 375 كيلومترا ويمتلك ساحلا يمتد لنحو 225 كيلومترا على البحر المتوسط، فيما لا تزال جبهته الجنوبية موضع صراع مع إسرائيل. وهذه العناصر الثلاثة؛ الارتباط بسوريا والانفتاح على شرق المتوسط والحدود مع إسرائيل؛ تجعل لبنان جزءا طبيعيا من المجال الذي يتزايد اهتمام أنقرة به. وقد عدَّد السفير التركي في دمشق نوح يلماز مجالات الحضور التركي في سوريا، من الأمن والاقتصاد وإعادة بناء المؤسسات إلى التعليم، حيث يجري العمل على إنشاء مدارس تركية، وتوأمة جامعات، وصولا إلى مشروع جامعة سورية – تركية مشتركة.

إعلان

ولخَّص يلماز جانبا من هذه الرؤية بالإشارة إلى رغبة أنقرة في أن تكون سوريا بوابة لتركيا نحو المنطقة والأسواق المحيطة، وأن تكون تركيا بدورها بوابة سوريا إلى العالم. ومن هذا المنطلق، تريد تركيا علاقات وثيقة بين بيروت ودمشق. فلا ترغب أنقرة في توتر من لبنان يُهدِّد الشام، ولا أزمات تعرقل مشاريع الربط في المنطقة، وبالطبع لا ترغب في رؤية لبنان يقع تحت نفوذ إسرائيل. ومن ثم، يرتبط الاهتمام التركي بلبنان أولا بأمن سوريا واستقرارها، وثانيا بمحاولة منع تشكُّل بيئة إقليمية تمنح إسرائيل حرية أكبر في الحركة شمالا.

مصدر الصورة السفير التركي لدى دمشق نوح يلماز (الجزيرة – سوريا الآن)

أما شرق المتوسط، فلا تريد أنقرة أن تصبح العلاقات المتنامية فيه بين لبنان وقبرص امتدادا لآلية التعاون الثلاثية بين قبرص واليونان وإسرائيل، أو لصيغة "3+1" التي تضم الولايات المتحدة، بما يؤدي إلى تعزيز ترتيبات إقليمية تستبعد تركيا أو تحد من قدرتها على التأثير في المنطقة، في اللحظة التي تسعى فيها إلى تحسين موقعها هناك بعد انتقال الدفة السورية باتجاهها.

وقد ازدادت حساسية هذا الملف بفعل سلسلة من التحركات اللبنانية – القبرصية رغم أنها لم تحظَ باهتمام إعلامي كبير. فمنذ انتخاب الرئيس جوزيف عون كثَّفت السلطة اللبنانية الجديدة علاقاتها مع قبرص بصورة لافتة. فقد زار الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس بيروت في 10 يناير/كانون الثاني 2025، بعد يوم واحد فقط من انتخاب عون، ثم زار الرئيس اللبناني قبرص في 9 يوليو/تموز 2025. وتكرَّرت اللقاءات بين الجانبين، حتى قال خريستودوليدس في يناير/كانون الثاني 2026 إنهما التقيا خمس مرات منذ انتخاب عون.

وجاء التطور الأهم في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 مع توقيع اتفاق ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة بين لبنان وقبرص، وهو اتفاق علَّقت عليه الخارجية التركية في اليوم التالي، مُعتبرة أنه يَمس حقوق ومصالح القبارصة الأتراك، رغم إقرارها بأن المنطقة المشمولة بالاتفاق تقع خارج الجرف القاري التركي.

الرئيس القبرصي خريستودوليدس (يسار) ورئيس الوزراء اللبناني جوزيف عون بعد توقيع اتفاق جديد بشأن الحدود البحرية عام 2025 (الفرنسية)

أما الاعتبار الرابع، فيتصل بمشاريع الربط الإقليمي، إذ تريد تركيا أن تمتد شبكات النقل والطاقة والتجارة من العراق والخليج عبر أراضيها إلى أوروبا، وأن تكون سوريا جزءا من هذه الشبكة، وهو ما يجعل استقرار لبنان وعلاقته بسوريا وشرق المتوسط عنصرا مُكمِّلا لهذه الرؤية. وهكذا، تتحرك تركيا في لبنان داخل أربعة سياقات مترابطة: حماية استقرار سوريا ومنع انتقال التوتر إليها من الجبهة اللبنانية، وموازنة التمدد الإسرائيلي في بلاد الشام، ومراقبة تشكل الترتيبات السياسية والاقتصادية في شرق المتوسط، وتعزيز مشاريع الربط الإقليمي التي تريد أنقرة أن تكون أحد مراكزها الرئيسية.

"تتحرك تركيا في لبنان داخل أربعة سياقات مترابطة"

استقبل لبنان هذه الرؤية التركية بتفاعل ملحوظ. ففي 17 يونيو/حزيران 2026، زار نائب رئيس الحكومة اللبنانية طارق متري أنقرة، حيث التقى نائب الرئيس التركي جودت يلماز ورئيس جهاز الاستخبارات إبراهيم قالن. تبعت ذلك زيارتان رفيعتا المستوى، ففي 10 يوليو/تموز استقبل أردوغان رئيس الحكومة نواف سلام في إسطنبول، بحضور وزير الخارجية هاكان فيدان، ثم زار الرئيس جوزيف عون أنقرة في 30 يوليو/تموز، في أول زيارة رسمية له إلى تركيا منذ انتخابه، حيث عقد مباحثات مع الرئيس أردوغان تناولت العلاقات الثنائية والملفات الإقليمية.

وهكذا، شهدت العلاقات خلال نحو ستة أسابيع فقط تواصلا شمل رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة اللبنانية، في مقابل الرئاسة والخارجية والاستخبارات في تركيا، بما يوضح انتقال العلاقة من مستوى التواصل الاعتيادي إلى حوار أكثر انتظاما وتعدُّدا في القنوات. وكشفت التصريحات الصادرة عقب هذه اللقاءات عن ملفات الاهتمام التركي بلبنان، بدءا من دعم الجيش اللبناني، مرورا بالاعتداءات الإسرائيلية ومستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب بعد انتهاء مهمة قوات اليونيفيل، وصولا إلى دعم تحسُّن العلاقات اللبنانية – السورية.

علاوة على ذلك، برزت ملفات الطاقة والنقل والربط الإقليمي والاستثمار والتجارة، بما في ذلك البحث في إعادة إحياء خطوط السكك الحديدية بين لبنان وسوريا وربطها بالشبكات الإقليمية، وإمكان تطوير الربط الكهربائي عبر الأراضي السورية، فضلا عن تعزيز التعاون الاقتصادي وإعادة تفعيل مسار اتفاق التجارة الحرة.

إعلان

ويُبرِز هذا التطور بصورة أكبر في المجال العسكري، حيث تستند العلاقات التركية – اللبنانية إلى اتفاق إطار للتعاون العسكري قائم منذ عام 2010، يشمل التدريب والمساعدات والتعاون بين الجيشيْن. وفي هذا السياق، التقى قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل وزير الدفاع التركي يشار غولر في إسطنبول على هامش معرض "ساها 2026" للصناعات الدفاعية، كما اجتمع برئيس الأركان التركي سلجوق بيرقدار أوغلو.

"أنقرة تسعى إلى تثبيت موطئ قدم داخل الترتيبات الأمنية المقبلة في جنوب لبنان"

بعد ذلك، أعلن أردوغان أن تركيا ترغب في أداء دور فاعل في المبادرات التي ستنشأ لحماية سيادة لبنان بعد انتهاء مهمة اليونيفيل، كما أشارت السفارة التركية إلى استعداد القوات المسلحة التركية للمساهمة في تجهيز الفوج النموذجي في الجيش اللبناني المخصص للعمل في الجنوب. وتكشف هذه الخطوات أن أنقرة تسعى إلى تثبيت موطئ قدم داخل الترتيبات الأمنية المقبلة في جنوب لبنان. ومن شأن ذلك، إذا تحقق، أن يمنح تركيا حضورا سياسيا وأمنيا في أكثر مناطق لبنان حساسية، وعلى تماس مع إسرائيل.

يحضر البُعد الاستخباري كذلك في هذا المسار. فقد ظهر رئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن في أكثر من محطة مرتبطة بالملف اللبناني؛ إذ استقبل نائب رئيس الحكومة طارق متري قبل زيارتي رئيس الحكومة والرئيس اللبناني، كما حضر لبنان ضمن مباحثاته مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في أنقرة في 6 أغسطس/آب. وتحدثت تقارير كذلك عن تحضيرات لزيارة قالن نفسه لبيروت، بما يوضح أن العلاقات اللبنانية – السورية والملف الأمني في البلدين باتا يُنظر إليهما في أنقرة كمساحتين مترابطتين.

رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن (الأناضول)

في مباحثات أردوغان ونواف سلام، نوقشت إمكانية إحياء خط طرابلس – حمص وخط بيروت – دمشق، وربطهما مستقبلا بمشروع سكة حديد الحجاز وشبكات النقل الإقليمية. ومن هنا يلتقي الأمن بالاقتصاد، فإعادة إعمار لبنان وتحسين بنيته التحتية يمثلان نافذة أخرى للحضور التركي. وتملك أنقرة بالفعل قاعدة سابقة يمكن البناء عليها، إذ نفذت وكالة التعاون والتنسيق التركية "تيكا" أكثر من 300 مشروع في لبنان منذ عام 2006، شملت قطاعات صحية وتنموية وإدارية، من بينها إنشاء المستشفى التركي للطوارئ والتأهيل في صيدا، وترميم مبنى وزارة الخارجية اللبنانية، وتجديد مرافق في مرفأ طرابلس في مارس/آذار 2025، فضلا عن الحضور الثقافي عبر معهد "يونس إمره".

"إعادة إعمار لبنان وتحسين بنيته التحتية يمثلان نافذة أخرى للحضور التركي"

ويمكن لهذا الرصيد الإنساني والثقافي أن يتعزز إذا اتجهت تركيا إلى زيادة انخراطها في مرحلة إعادة الإعمار، خصوصا أن نموذجها في لبنان يقوم بدرجة كبيرة على بناء علاقات مع مؤسسات الدولة والمجتمع المحلي. وبذلك، تتحرك تركيا في لبنان عبر مسارات متوازية: علاقات سياسية مع مؤسسات الدولة، ودعم عسكري وأمني للجيش، ومحاولة الانخراط في ترتيبات الجنوب المقبلة، وتشجيع المصالحة اللبنانية – السورية، إلى جانب التوسع في مجالات التجارة والنقل وإعادة الإعمار والحضور الثقافي.

فراغ لم يُحسم بعد

إن اتساع مساحة الحركة أمام تركيا لا يعني أن الطريق إلى ترسيخ حضورها في لبنان مفتوح بلا عوائق. فالعوامل ذاتها التي عزَّزت أهمية لبنان في الحسابات التركية تفرض قيودا على قدرة أنقرة على التحرُّك فيه، وتجعل ترجمة التقارب السياسي والاقتصادي إلى حضور أمني وعسكري مسألة شديدة الحساسية.

ويأتي العامل الإسرائيلي في مقدمة هذه القيود. فإذا كانت إسرائيل قد استهدفت مواقع في شمال سوريا بزعم منع تمركز عسكري تركي محتمل هناك، فإنها لن تُرحِّب بالطبع بأي حضور تركي في جنوب لبنان على مقربة من حدودها. ومن ثمَّ فإن تطوير التعاون العسكري بين أنقرة وبيروت إلى مستوى وجود تركي فعلي على الأرض سيواجه اعتراضا إسرائيليا قويا، وقد يرفع احتمالات الاحتكاك بين الطرفين. ولذلك يبدو أن المجال الأكثر واقعية أمام تركيا، في المرحلة الحالية، هو دعم الجيش اللبناني ومحاولة المشاركة في ترتيبات أمنية متعددة الأطراف.

ويتمثل القيد الثاني في التركيبة اللبنانية. فلبنان، بتعقيداته الطائفية والحزبية وتشابك علاقات قواه السياسية مع أطراف إقليمية ودولية مختلفة، يصعب أن يتحوَّل إلى ساحة نفوذ مريحة لقوة خارجية جديدة وافدة. ومن ثم، لا يكفي تحسُّن العلاقات مع الرئاسة والحكومة والجيش، إذ تظل قدرة أنقرة على تعزيز حضورها مرتبطة بمدى قبول القوى اللبنانية المختلفة بهذا الدور، وبقدرتها على تجنُّب الانخراط في الاستقطابات الداخلية التي قيَّدت أدوار قوى خارجية سبقتها إلى لبنان.

أما القيد الثالث فيتعلق بسوريا. فرغم التحسُّن في العلاقات اللبنانية – السورية، فإنها لم تصل بعد إلى مستوى يسمح ببناء شراكات وطيدة أو إطلاق مشاريع تكامل كبرى. وما تزال ملفات الحدود والأمن والنقل والإرث السياسي للعلاقة بين البلدين تفرض حساسياتها. كما أن ضعف البنية التحتية اللبنانية، واستمرار الاحتلال والعمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب، يضعان قيودا عملية على الطموحات المتعلقة بربط لبنان بشبكات النقل والطاقة التي تريد تركيا تطويرها عبر سوريا.

لهذا، يمكن القول إن طريقا طويلا يتعين قطعه قبل أن تتحول الطفرة الحالية في العلاقات التركية – اللبنانية إلى تحالف إستراتيجي أو حضور تركي كبير على الأرض. والأرجح أن تتقدم العلاقة بشكل تصاعدي، وأن تتركز في المجالات الأقل إثارة للحساسيات: دعم مؤسسات الدولة والجيش، والتجارة والاستثمار وإعادة الإعمار، والنقل والطاقة، والتعاون الثقافي والإنساني، بالتوازي مع محاولة أنقرة الاحتفاظ بموقع داخل أي ترتيبات إقليمية جديدة تخص لبنان وسوريا وشرق المتوسط.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا