في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
منذ دخوله الحرب الأوكرانية، لم يكن صاروخ "ستورم شادو" مجرد سلاح بعيد المدى، بل تحول إلى أداة غيرت حسابات موسكو وكييف بشأن استهداف العمق، وفرضت على روسيا إعادة ترتيب انتشارها العسكري، قبل أن يتحول في عام 2026 إلى مصدر توتر مباشر مع بريطانيا وفرنسا.
الصاروخ البريطاني-الفرنسي الصنع هو من فئة صواريخ كروز جو-أرض، ويطلق من الطائرات ضد أهداف ثابتة وعالية القيمة. ويبلغ وزنه نحو 1.3 طن وطوله أكثر من 5 أمتار، فيما يتجاوز مداه 250 كيلومترا، ما يسمح للطائرات بإطلاقه من مسافات بعيدة نسبيا عن مناطق الدفاع الجوي.
ويعتمد "ستورم شادو" على مزيج من أنظمة الملاحة بالقصور الذاتي ونظام تحديد المواقع العالمي، إلى جانب مطابقة تضاريس الأرض، بينما صمم رأسه الحربي لاختراق التحصينات قبل الانفجار داخل الهدف.
بالنسبة إلى أوكرانيا، كانت أهمية الصاروخ تتجاوز مواصفاته التقنية. فمنذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا في فبراير/شباط 2022، واجهت كييف مشكلة الوصول إلى الأهداف الواقعة خلف خطوط المواجهة، في وقت كانت فيه روسيا قادرة على استخدام قواعد جوية ومخازن ذخيرة ومراكز قيادة بعيدة نسبيا عن مدى كثير من الأسلحة الأوكرانية.
لذلك شكل إعلان بريطانيا، في مايو/أيار 2023، تزويد أوكرانيا بصواريخ "ستورم شادو" تحولا مهما في قدرات كييف الهجومية. ومع دخول الصاروخ الخدمة، أصبحت أهداف روسية بعيدة عن خطوط القتال في مرمى الضربات الأوكرانية، ولا سيما في شبه جزيرة القرم.
ومن أبرز الضربات التي ارتبطت باستخدام الصاروخ استهداف مقر أسطول البحر الأسود الروسي في سيفاستوبول، إلى جانب ضرب منشآت ومخازن ومواقع عسكرية أخرى.
لكن تأثير "ستورم شادو" لم يكن مرتبطا فقط بعدد الأهداف التي دمرها. فمجرد امتلاك أوكرانيا القدرة على الوصول إلى العمق أجبر روسيا على إعادة حساباتها، ودفعها إلى نقل بعض الطائرات والمخازن ومراكز القيادة إلى مواقع أبعد عن نطاق الضربات، وهو ما يمكن أن يطيل خطوط الإمداد ويرفع كلفة العمليات العسكرية. وبحسب تقديرات لمعهد دراسة الحرب، يمكن لنحو 200 قاعدة روسية أن تقع ضمن مدى الصاروخ.
رغم ذلك، لم يكن "ستورم شادو" سلاحا قادرا بمفرده على قلب موازين الحرب. فأعداد الصواريخ التي حصلت عليها أوكرانيا ظلت محدودة، كما طورت روسيا إجراءات للتعامل معها، من بينها تعزيز الدفاعات الجوية ونقل بعض الأهداف الحيوية بعيدا عن نطاق الضربات.
ولهذا انقسم الخبراء بشأن تأثير الصاروخ؛ فبينما رأى فريق أنه فرض ضغطا إستراتيجيا على القوات الروسية وقلص هامش أمانها في العمق، اعتبر آخرون أن تأثيره ظل محدودا بسبب محدودية الإمدادات وقدرة موسكو على التكيف. لكن أهمية الصاروخ عادت إلى الواجهة بقوة في عام 2026، مع انتقال القضية من امتلاك أوكرانيا للسلاح إلى احتمال امتلاكها القدرة على إنتاجه.
في 24 أغسطس/آب 2026، سمحت بريطانيا بمشاركة معلومات تقنية سرية مع أوكرانيا وفرنسا تتعلق بالمكونات البريطانية المستخدمة في صاروخ "ستورم شادو"، والنسخة الفرنسية منه المعروفة باسم "سكالب". وتفتح هذه الخطوة الباب أمام احتمال تجميع الصاروخ داخل أوكرانيا، وهو تطور من شأنه أن يغير طبيعة استخدامه في الحرب.
فإذا كانت كييف تعتمد سابقا على مخزونات محدودة تصلها من شركائها الغربيين، فإن امتلاكها قدرة محلية على إنتاج الصاروخ يعني إمكانية الحفاظ على هذا النوع من الضربات على المدى الطويل، وتقليل ارتباط قدراتها الصاروخية بحجم الإمدادات الغربية. وهنا تكمن حساسية التطور الجديد بالنسبة إلى موسكو.
واعتبرت روسيا نقل التكنولوجيا وتوسيع القدرات الصاروخية الأوكرانية خطوة تصعيدية، وحذرت بريطانيا وفرنسا من مغبة توسيع دعمهما العسكري لكييف. ورفعت موسكو سقف تحذيراتها إلى حد التلويح باستهداف منشآت ومعدات عسكرية بريطانية مرتبطة بالحرب، داخل أوكرانيا وخارجها، إذا استمر الدعم الصاروخي لكييف.
لكن لندن لم تتراجع عن دعم أوكرانيا، في وقت تنظر فيه كييف إلى نقل التكنولوجيا باعتباره خطوة نحو بناء قدرة صاروخية أكثر استدامة. وبذلك، تبدلت وظيفة "ستورم شادو" في الحرب.
ففي البداية كان سلاحا غربيا محدود الكمية يمنح أوكرانيا قدرة على ضرب أهداف روسية بعيدة. ثم أصبح عاملا يدفع موسكو إلى إعادة توزيع بعض أصولها العسكرية. أما اليوم، ومع احتمال انتقال تكنولوجيا إنتاجه إلى أوكرانيا، فقد يتحول إلى قدرة إستراتيجية مستدامة لا تتوقف بالضرورة على شحنات الصواريخ الغربية.
وهذا هو جوهر التحول في معادلة "ستورم شادو": فالمسألة لم تعد فقط كم صاروخا تستطيع أوكرانيا إطلاقه، وإنما هل تستطيع بناء قدرة صاروخية بعيدة المدى بصورة مستمرة داخل أراضيها؟
وإذا تحقق ذلك، فقد تصبح الضربات على العمق الروسي جزءا أكثر ثباتا من إستراتيجية كييف، فيما ستواجه موسكو خيارا أكثر صعوبة بين تحصين عمقها العسكري، أو إبعاد أصولها عن مدى الصواريخ، أو رفع مستوى التصعيد مع الدول الغربية الداعمة لأوكرانيا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة