آخر الأخبار

"الخزينة والبارود".. ما المعركة التي تخوضها إسرائيل ضد نفسها؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

من أروقة وزارة المالية التي تحذر من "انهيار اقتصادي" إلى غرف العمليات بالجيش الإسرائيلي التي تصرخ بخلو "الخزينة"، تجري واحدة من أشرس المعارك المكتومة في تل أبيب؛ فالحرب لم تُنهك المخازن العسكرية على الجبهات المتعددة فحسب، بل فتحت جبهة استنزاف داخلية حول ميزانية الدفاع الضخمة التي تحولت إلى شرارة نزاع مستمر يهدد الجاهزية الميدانية والاستقرار الاجتماعي في وقت واحد.

ويأتي الخلاف داخل إسرائيل في وقت ارتفعت فيه موازنة الدفاع إلى مستويات غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، مع استمرار الإنفاق على العمليات العسكرية وإعادة تسليح الجيش وتعويض الذخائر والمعدات المستهلكة.

اقرأ أيضا

list of 4 items
* list 1 of 4 اتهامات للجيش الإسرائيلي بإهدار المليارات دون ضوابط
* list 2 of 4 إعلام إسرائيلي: الجيش بين أزمتيْ نقص القوى البشرية والضائقة المالية
* list 3 of 4 صناعة السلاح بإسرائيل.. صادرات بالمليارات وجيش يطلب إمداد الحلفاء
* list 4 of 4 إدارة ترامب تربط دفع تمويل للولايات والمدن بموقفها من إسرائيل end of list

وبينما تطالب المؤسسة العسكرية بمزيد من الأموال تواجه الحكومة سؤالا أكثر تعقيدا: إلى أي حد يستطيع الاقتصاد الإسرائيلي تحمل هذا المستوى من الإنفاق العسكري، وهل يواجه الجيش الإسرائيلي فعلا أزمة تمويل تهدد جاهزيته وقدرته على إعادة بناء قوته، أم أن جوهر الأزمة يكمن في إدارة ميزانية دفاعية ضخمة تتسع مطالبها مع اتساع ساحات الحرب؟ ومن أين ستأتي الأموال الإضافية ومن سيدفع كلفتها في النهاية؟

كم تبلغ ميزانية الجيش فعلا؟

أقرت الحكومة الإسرائيلية ميزانيتها لعام 2026 بقيمة 662 مليار شيكل، وهي الكبرى في تاريخها، متجاوزة ميزانية العام الماضي التي بلغت 650 مليار شيكل.

وتواصل إسرائيل رفع إنفاقها العسكري بوتيرة قياسية، حيث تقترب موازنة الدفاع وحدها من مستوى 184 مليار شيكل (62 مليار دولار)، بعدما صعدت خلال الفترة الأخيرة من 112 مليار شيكل (37 مليار دولار) ثم إلى 144 مليار شيكل (48 مليار دولار).

واستمرت الحرب الإسرائيلية في غزة لما يقرب من 3 سنوات، بلغت تكاليفها حتى الآن نحو 420 مليار شيكل (142 مليار دولار)، وستصل قريبا إلى نصف تريليون شيكل (169 مليار دولار)، وفقا لتقديرات نشرتها صحيفة هآرتس.

إعلان

وقال رئيس أركان سابق لجيش الدفاع الإسرائيلي: "إن ثمن يوم واحد من الضعف رهيب، ولهذا السبب يجب ألا نصل إلى تلك النقطة مرة أخرى"، ما يعني أن المشهد الأمني الجديد والصدمة سيتطلبان مخصصات إضافية لميزانية الدفاع بمليارات الشواكل في السنوات القادمة.

وتثير هذه الأرقام الفلكية المخاوف في الداخل الإسرائيلي وأسئلة كثيرة حول توفير هذه الأموال قدرا كافيا من الأمن، ولأي أجل من الوقت؟ وهل كان من الممكن تحقيق ما تدعي إسرائيل تحقيقه بتكلفة أقل؟ والسؤال الملح بشكل خاص: من سيدفع هذه النفقات؟

أما عن هذه الارتفاعات القياسية فتعود إلى استمرار العمليات العسكرية وتزايد كلفة استدعاء قوات الاحتياط، إلى جانب الحاجة المستمرة لتعويض مخزونات الأسلحة والذخائر التي استُهلكت خلال الحرب.

يُضاف إلى ذلك اتساع رقعة الانتشار الإسرائيلي من غزة وصولا إلى سوريا ولبنان، وسط حالة من عدم اليقين بشأن التعامل مع إيران في ظل تلميحات وتصريحات المسؤولين الإسرائيليين بالاستعداد لاستئناف الحرب عليها، فضلا عن التلميحات المتكررة بضم أجزاء من الضفة المحتلة وما يفرضه ذلك من التزامات عسكرية وأمنية جديدة.

أمام هذه التطورات، ترى المؤسسة الدفاعية أن المخصصات الحالية لم تعد تتناسب إطلاقا مع حجم المهام الكثيرة التي تطلبها القيادة السياسية. وهو ما أدى في النهاية إلى تفاقم الضغوط الشديدة على الموازنة العامة للدولة، وارتفاع حجم الديون، ومخاوف في سوق العمل الإسرائيلية.

كيف هددت أزمة "الخزينة الفارغة" جاهزية الجيش الإسرائيلي؟

يتغلغل هذا الضرر عمقا في التشغيل اليومي وإعادة بناء القدرات متعددة الجبهات، فإلى جانب الصعوبات في إصلاح الدبابات، هناك حاليا نقص حاد في مئات المركبات الميدانية من نوع "هامر" التي دُمرت في القتال بلبنان.

كما أن غياب الأفق المالي يغلق نافذة الفرص لإجراء مشتريات إضافية، إذ من المتوقع أن يوقف الأمريكيون قريبا إنتاج مركبات الهامر بالتصميم الإسرائيلي.

وبالموازاة مع ذلك، فإن خطوط إنتاج الذخائر البرية في الصناعات الأمنية المحلية قريبة من الانتهاء، ولا يمكن الاعتماد على شركات مثل "إلبيت" و"رعفائيل" لتمويل المؤسسة الأمنية من جيبها الخاص.

ولا تتوقف الأزمة المالية عند القوات البرية، بل تضرب أيضا التفوق الإستراتيجي لسلاح الجو، ومن الأمثلة البارزة على ذلك انهيار صفقة مروحيات هجومية من طراز "أباتشي" مع الإدارة الأمريكية، فبعد أن قدم الأمريكيون مخططا رسميا، وقفت شعبة الموازنة لمنع وصول الصفقة لإقرار المستوى السياسي، وبعد عدة تمديدات لطول الصلاحية طلبتها وزارة الدفاع والجيش، انتهت صلاحية الصفقة رسميا.

مصدر الصورة تواصل إسرائيل رفع إنفاقها العسكري بوتيرة قياسية، حيث تقترب موازنة الدفاع وحدها من مستوى 184 مليار شيكل (الفرنسية)

ما الأسباب التي أدت لاتساع الفجوة المالية بين مطالب الجيش وتكليفات الحكومة؟

اتسعت الفجوة بين توجيهات المستوى السياسي والميزانية الفعلية إلى 40 مليار شيكل بسبب الدخول في مناورة عميقة في لبنان؛ ومعركة استمرت 40 يوما ضد إيران، والسيطرة على 62% من مساحة قطاع غزة، وإقامة حزام أمني في سوريا، ونشاط متزايد في الضفة الغربية وعلى الحدود الشرقية بما في ذلك التعامل مع تهديدات الطائرات المسيرة هناك، وذلك بعد أن فرض المستوى السياسي ميزانية تبلغ 111 مليار شيكل بدلا من 143 مليارا كان قد طلبها الجيش، وفقا لصحيفة يدعوت أحرونوت.

إعلان

وفي المقابل، تدحض المؤسسة الأمنية بشدة ادعاءات وزارة المالية وكأن الجيش الإسرائيلي يحصل على ميزانيات غير محددة دون رقابة كافية، ويشير الجيش إلى وجود آليات رقابة صارمة تشتمل على المحاسب العام الذي يوقع على كل طلبية، وممثلي محاسب داخل وزارة الدفاع، ومحاسب في مديرية الميزانيات تم تجنيده ومنحه رتبة عقيد.

والآن، مع تخوف من شلل سياسي في فترة الانتخابات وغياب قانون ميزانية معتمد حتى صيف 2027، يؤكد الجيش الإسرائيلي أنه حتى كبار المسؤولين في الاستشارة القانونية للحكومة اقتنعوا بأن الاحتياجات العاجلة المعروضة -وبالأخص مشكلة المخزونات وخطوط الإنتاج التي تتجه للتوقف في الأسابيع القادمة- هي احتياجات ضرورية جدا حتى في فترة الانتخابات.

فالذخائر، وقطع الغيار للمنصات البحرية والبرية، ووسائل حماية الحدود، كلها احتياجات لا علاقة لها بالسياسة مطلقا، ويدعي الجيش الإسرائيلي أنه "يجب تحويل الـ15 مليار شيكل التي تم الاتفاق عليها فورا وفتح الميزانية في الحكومة لإيجاد أفق للتخطيط، لأن الثمن الذي لن يُدفع الآن مالا، سُيدفع غدا من أمن الدولة" بحسب جيش الاحتلال.

كيف ردت وزارة المالية على اتهامات الجيش بشأن "الخزينة الفارغة"؟

رفضت وزارة المالية اتهامات الجيش ونفت أن تكون الـ15 مليار شيكل عالقة لديه، مؤكدة أنه تم تحويل الميزانية إلى لجنة المالية في الكنيست منذ الثاني من أغسطس/آب وتنتظر الموافقة البرلمانية.

ووصف كبار المسؤولين في المالية المؤسسة الأمنية بـ"الإدارة المهملة للميزانية"، وبإطلاق فقاعات إعلامية لتخويف الجمهور والجحود تجاه جهود الوزارة التي ضاعفت ميزانية الدفاع نحو 3 مرات خلال عامين، واضطُرت للاستدانة وتجنيد ديون هائلة من الأسواق العالمية لتمويل الحرب.

كما حذرت المالية من أن التمادي في تلبية طلبات الجيش سيجعل ميزانية الدفاع تلتهم نحو ثلث ميزانية الدولة -وهو وضع غير مسبوق عالميا- مشيرة إلى أن هذا الإنفاق يأتي على حساب المستشفيات، وسلة الأدوية، والفئات الضعيفة، وبناء البنية التحتية، وهو ما قد يؤدي في النهاية إلى انهيار الاقتصاد وعدم القدرة على تمويل أي مواجهة مستقبلية.

من سيدفع الفاتورة؟

عندما شعرت إسرائيل بأن الحرب ستكون أطول مما كان مخططا له، ومع فتح جبهات بعيدة مثل إيران واليمن، بدأت وزارة المالية في اتخاذ قرارات حاسمة، وفي مقدمتها زيادات ضريبية بقيمة نحو 35 مليار شيكل (12 مليار دولار) لتمويل الحرب في عام 2025.

وقد قامت بعد ذلك 3 وكالات للتصنيف الائتماني بخفض تصنيف إسرائيل، بعدما كانت الوزارة تخشى أنه في ظل غياب زيادات ضريبية كبيرة، فإن التصنيف سيهبط أكثر، مما يؤدي إلى أزمة مالية.

وكانت الزيادة الضريبية هي الخطوة الاقتصادية الأهم التي قادها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش خلال الحرب، على الرغم من أنها لم تمنعه من الاستمرار في تحويل ما يُسمى بـ"أموال الائتلاف" للمصالح الموالية للحكومة.

وكانت تلك الزيادة الضريبية مجرد وجبة أولى تمهيدا لزيادات ضريبية متوقعة بعد الانتخابات، إذ استمرت الحرب ما يقرب من 3 سنوات، خلافا للعقيدة الأمنية الإسرائيلية التي كانت تسعى دائما لشن حملات قصيرة، وكان هذا ممكنا بسبب 3 عوامل: جنود الاحتياط الذين توافدوا بأعداد كبيرة لفترات ممتدة، والدعم والمساندة الأمريكية، وصمود الاقتصاد الإسرائيلي، وفقا لهآرتس.

أما الآن، فتتداخل التحديات الاقتصادية مع الأزمات الأمنية لتشكل ملامح المعركة الأهم في الأروقة الإسرائيلية حيث ترسم في أذهان صناع القرار سلسلة من الهواجس المعقدة حول "اليوم التالي" والقرارات المنتظر اتخاذها بعد الانتخابات، وتتمثل في هاجس الفاتورة ومصدر التمويل و خطر انهيار منظومة الاحتياط -وهو أمر حذر رئيس الأركان زامير مرارا وتكرارا من إمكانية حدوثه- ومصير الدعم الأمريكي في عهد الرئيس دونالد ترمب.

إعلان
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا