بعد أشهر من الاحتجاجات التي شهدتها إيران ، لا تزال آثار القمع حاضرة في أجساد المصابين وحياة عائلات الضحايا. وفي شهادات تنقلها DW (دويتشه فيله) عن مصابين وعائلات للضحايا، يروي إيرانيون كيف تحولت المشاركة في الاحتجاجات أو مجرد تواجدهم في أماكنها إلى إصابات دائمة، وفقدان للعمل والدراسة، بل وإلى الموت بعد أشهر من المعاناة.
كما أن قوات الأمن، التي ضمت عناصر من وزارة الاستخبارات وميليشيات الباسيج وهي ميليشيات مسلحة تابعة للحرس الثوري ، واجهت المحتجين بإطلاق النار والضرب.
وتشير منظمة العفو الدولية، في توثيقها للاحتجاجات، إلى أن قوات الأمن استخدمت بصورة غير مشروعة الأسلحة النارية، والبنادق الهجومية، وبنادق الخرطوش المحشوة بالكريات المعدنية، إضافة إلى الضرب ووسائل أخرى. وبحسب المنظمة، فإن الاحتجاجات التي بدأت في 28 ديسمبر/كانون الأول 2025 تحولت إلى مظاهرات واسعة تطالب بحقوق الإنسان والكرامة والحرية وإنهاء حكم الجمهورية الإسلامية.
وفي شهادة أدلت بها "مهلا" لـ DW ، وهي امرأة تبلغ 32 عاماً وتعيل ثلاثة أطفال.
كانت تعمل في بازار طهران، وفي 9 يناير/كانون الثاني حاولت إخراج ابنها المراهق من تجمع، قبل أن تصاب برصاص قوات الباسيج وبعشرات الكريات المعدنية.
وبعد سبعة أشهر، كانت إصابات ساقها اليمنى ومعصمها لا تزال تمنعها من العودة إلى العمل. كما واجهت ضغوطاً مالية وارتفاعاً في الإيجار، واضطرت إلى مغادرة منزلها.
وتقول مهلا، لـ DW: "كانوا يطلقون النار للقتل. كنت أتمنى لو قتلوني بدلاً من أن يتركوني عَاجِزَة".
وتشير منظمة العفو الدولية في تقاريرها إلى أن إطلاق النار لم يقتصر على المحتجين، بل طال أيضاً المارة. وبحسب المنظمة، أظهرت الأدلة التي جرى جمعها إصابات خطيرة، بينها إصابات ناجمة عن أعيرة نارية في الرأس والعينين، إضافة إلى أشخاص أصيبوا أو قتلوا في الشوارع.
وقال الطبيب "حميد هيماتبور" لـ DW، ، نقلاً عن أطباء داخل إيران، إن عدد المصابين بلغ عدة آلاف، وإن الإصابات الأكثر شيوعاً كانت في الرأس والرقبة والصدر، ثم البطن والأطراف.
وقال :"معظم الإصابات نتجت عن الذخيرة الحية والأسلحة الآلية، وإصابة الرأس والصدر قد تشير إلى إطلاق النار بقصد القتل". كما تحدث عن مصابين اضطروا إلى تلقي العلاج في منازلهم خوفاً من الاعتقال.
وتتطابق هذه الرواية مع ما وثقته منظمة العفو الدولية. فبحسب ما جاء في المنظمة، اعتقلت قوات الأمن بعض المحتجين وهم داخل المستشفيات لتلقي العلاج، كما أُبلغت المنظمة بأن قوات أمنية في أصفهان طلبت من العاملين الطبيين إبلاغها عن المرضى الذين يعانون من إصابات ناجمة عن الأعيرة النارية والكريات المعدنية.
وتقول المنظمة إن بعض المصابين الجرحى اعتُقلوا من داخل المستشفيات، بمن فيهم أشخاص كانوا بحاجة إلى رعاية طبية منقذة للحياة.
ومن بين الحالات التي أوردتها DW قصة "مسعود"، الذي توفي بعد أشهر من معاناة جروح أصيب بها خلال الاحتجاجات . وبحسب أقاربه، أصيب أولاً بكريات معدنية في الرأس، ثم أطلق عليه عنصر بملابس مدنية النار في الفخذ، قبل أن يركل موضع الإصابة مراراً، ما أدى إلى خلع عظم الفخذ من مفصل الورك.
خضع مسعود لعدة عمليات، بعد أن جمعت عائلته المال لعلاجه في المنزل، لكن الالتهاب ظل يعود وينتشر. وفي أيامه الأخيرة رفض مواصلة العلاج، بعدما شعر بالخجل لأنه أصبح، بحسب شقيقه، "عبئاً" على عائلته.
ومن بين الشهادات التي تنقلها DW شهادة "أشكان"، الذي كان يبلغ 17 عاماً عندما شارك في احتجاجات طهران .
الذي كان يعمل حمّالاً في بازار العاصمة ويتعلم صناعة المجوهرات، على أمل أن يكتسب مهنة تساعده على إعالة نفسه ووالدته. وفي 8 يناير/كانون الثاني خرج إلى الاحتجاجات، وقال إنه كان يعتقد أن النظام ربما يكون على وشك الانتهاء.
وخلال الاحتجاجات، أصيب أحد أصدقائه برصاصة في القلب أطلقت، بحسب روايته، من بندقية قنص من سطح أحد المباني.
بعد ذلك فقد أشكان وعيه، وعندما استيقظ في المستشفى اكتشف أن ساقه اليسرى قد بُترت تحت الركبة، كما فقد إحدى عينيه ولا يزال يعاني من مضاعفات خطيرة. وقال أشكان لـ DW:" ما أُخذ مني ليس مجرد ساق وعين، بل لم يعد هناك مستقبل لي ولأمي.
ولا تقتصر الشهادات التي نقلتها DW على المحتجين فقط، اذ قالت مهشيد ناظمي، الناشطة في مجال حقوق الإنسان ومديرة العلاقات العامة في منظمة "إيران هاوس"، إن بعض المصابين لم يكونوا يشاركون في الاحتجاجات أصلاً.
وتحدثت عن أشخاص أصيبوا أثناء التسوق، أو في طريق عودتهم من حفلة، أو أثناء وقوفهم أمام أماكن عملهم.
كما قالت إن بعض العائلات التي قدمت شكاوى بشأن إطلاق النار على أقاربها تعرضت هي الأخرى للملاحقة من قوات الأمن.
لا توجد حصيلة نهائية متفق عليها لعدد القتلى خلال الاحتجاجات. وبحسب ما جاء في منظمة العفو الدولية ، أعلنت السلطات الإيرانية في 21 يناير/كانون الثاني 2026 مقتل 3117 شخصاً خلال الانتفاضة.
لكن المنظمة أشارت إلى أن المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في إيران، ماي ساتو، قالت في 16 يناير/كانون الثاني إن عدد القتلى بلغ 5000 شخص على الأقل، ونقلت عنها أن العدد ربما يصل إلى 20 ألفاً وفق معلومات تلقتها من مصادر طبية.
وترى منظمة العفو الدولية أن العدد الحقيقي للقتلى قد يكون أعلى بسبب استمرار حجب الإنترنت، وحجم عمليات القتل، والضغوط التي تعرضت لها عائلات الضحايا.
وتقول المنظمة إن السلطات حجبت الإنترنت منذ 8 يناير/كانون الثاني، الأمر الذي جعل توثيق الانتهاكات أكثر صعوبة، ومنع الضحايا والصحفيين ومنظمات حقوق الإنسان من جمع المعلومات والحفاظ على الأدلة.
وبحسب ما جاء في منظمة العفو الدولية، لم تتوقف الإجراءات الأمنية بعد انتهاء الاحتجاجات الواسعة.
فقد تحدثت المنظمة عن اعتقالات واسعة، واختفاء قسري، وتعذيب وسوء معاملة، إضافة إلى استمرار الضغط على عائلات الأشخاص الذين قتلوا خلال الاحتجاجات.
وتقول المنظمة إن آلاف الأشخاص اعتُقلوا بعد عمليات القتل التي وقعت في 8 و9 يناير/كانون الثاني، وإن السلطات فرضت حظر تجول ليلياً ونشرت قوات أمن مدججة بالسلاح في الشوارع.
وهكذا، فإن الشهادات التي نقلتها DW لا تتحدث فقط عن لحظة إطلاق النار، وإنما عن آثار استمرت بعد ذلك: إصابات دائمة، فقدان العمل، توقف التعليم، أعباء مالية، وخوف من المستشفيات والسلطات.
أما ما وثقته منظمة العفو الدولية فيضيف إلى هذه الشهادات صورة أوسع عن القمع، في استخدام القوة المميتة، و سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى ، واعتقال المصابين، والضغط على عائلات الضحايا، و حجب الإنترنت الذي جعل معرفة الحجم الحقيقي لما حدث أكثر صعوبة.
وبحسب ما جاء في المصدرين، فإن ما حدث في إيران لم يكن بالنسبة إلى كثير من الضحايا مجرد أيام من الاحتجاجات، بل تجربة امتدت آثارها إلى ما بعد الشارع، وبقيت حاضرة في أجساد المصابين وحياة أسرهم.
أعده للعربي : أ.ف (ع.ج.م)
المصدر:
DW