كشف تحقيق استقصائي أن عملية نقل آلاف المحتجزين السوريين من سجون قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمال شرق سوريا إلى العراق بداية العام الحالي، تمت دون مراجعة قضائية فردية لكل حالة، رغم أن تهمهم بالانتماء إلى تنظيم الدولة قد تؤدي إلى أحكام الإعدام التي يبيحها القانون العراقي.
ويوضح التحقيق -الذي أعدته الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية (سراج) واستمر أشهرا من مراجعة مئات الوثائق الرسمية- أن بين المنقولين حالات متباينة تشمل قاصرين، وعائدين من تركيا، وأشخاصا لا تربطهم وثائق احتجازهم الأصلية بتنظيم الدولة.
في مدينة دير الزور، كان علي الحميد يعرف أين يوجد ابنه حسين -الوحيد بين ست بنات- وكذلك السجن الذي يُحتجز فيه، والمحامي الذي يتابع قضيته، والتهمة التي يحاول الدفاع عنه في مواجهتها، وذلك بعد اعتقاله وهو في السادسة عشرة من عمره، وكان يعمل مع والده في الزراعة.
يقول الأب إن القضية بدأت بخلاف عائلي مع أحد الأقارب، انتهى ببلاغ يتهم الفتى بالانتماء إلى تنظيم الدولة. ومنذ ذلك الحين، جمع الأب الوثائق، واستعان بمحامٍ، وانتظر أن يصل الملف إلى المحكمة، وذلك قبل أن تنقطع أخباره من المكان الذي أمضى فيه نحو تسعة أشهر محتجزا لدى "قسد". وبعد أسابيع، كان الاتصال من اللجنة الدولية للصليب الأحمر: "حسين في العراق".
من جهته، يوضح مدير المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية المحامي أنور البني أن الإشكالية لا تتعلق بعملية نقل هؤلاء السجناء وحدها، بل بالولاية القضائية نفسها، معتبرا أن ما جرى "ليس مجرد إجراء قضائي، بل هو قرار سياسي".
بينما يرى المحامي المختص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان المعتصم الكيلاني أن خطورة الموضوع تتضاعف عندما يقود التصنيف الأمني إلى نقل الشخص إلى نظام قضائي يمكن أن تصل فيه العقوبة إلى الإعدام.
ويضيف الكيلاني: "غياب القرار القضائي الفردي لا يجعل كل نقل غير قانوني تلقائيا، لكنه يمنع وصف العملية بثقة بأنها تسليم قضائي مكتمل. نقل آلاف الأشخاص استنادا إلى تصنيف جماعي، من دون فحص شخصي لقانونية النقل ومخاطره، يثير شبهة قوية بوقوع نقل جماعي تعسفي".
ويكشف التحقيق أن عملية النقل الجماعي لهؤلاء لم تستغرق وقتا طويلا، وتمت في خضم الهجوم الذي شنته الحكومة السورية لاستعادة شمال شرقي البلاد، مؤكدا أن عملية النقل بدأت بإشراف أمريكي في 21 يناير/كانون الثاني 2026.
أما عن أعدادهم فقد تباينت الإحصائيات حولها:
يكشف التحقيق أن عملية الفرز والتسليم استندت إلى منظومة احتجاز توسعت تدريجيا بعد سقوط آخر معاقل تنظيم الدولة في الباغوز عام 2019. وخلال تلك الفترة، كانت "قسد" تدير واحدة من أكبر منظومات الاحتجاز في المنطقة، وتركزت في سجن الصناعة (غويران) في الحسكة، وسجن علايا، والكامب الصيني، وسجون أخرى، بدعم وتمويل من الولايات المتحدة والتحالف الدولي ضمن برنامج معلن يهدف إلى منع عودة التنظيم والحفاظ على احتجاز المشتبه في انتمائهم إليه.
وقال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني "ما وثقناه يُظهر أن عملية الفرز استندت في حالات موثقة إلى وشايات من أفراد في المجتمع المحلي، وإلى مجرد الوجود في مناطق كانت خاضعة لسيطرة تنظيم داعش، وهو ما قد يؤدي إلى تصنيف أشخاص بينهم أطفال ومدنيون باعتبارهم منتمين إلى التنظيم من دون أدلة كافية".
ويشير عبد الغني إلى أن "الولايات المتحدة أعلنت بدء العملية، وموّلت احتجاز المرحلين ومحاكماتهم، ورفضت الإفصاح عما إذا كان المنقولون حصلوا على مراجعة قضائية أو حق الوصول إلى محامين".
ويضيف التحقيق أنه عند مراجعة أكثر من 50 ملفا وشهادة، لم تعد القضية مجرد عملية نقل جماعي لمشتبه في انتمائهم إلى تنظيم الدولة، فقد أظهرت الملفات حالات منها:
يقول المحامي المعتصم الكيلاني: "الاختصاص النظري لا يكفي، يجب أن تكون المحكمة قادرة فعليا على الوصول إلى الحقيقة. محاكمة بلا شهود متاحين، وبلا مسرح جريمة، وبملفات أمنية لا يستطيع الدفاع اختبارها، قد تتحول إلى محاكمة للتصنيف بدلا من محاكمة للفعل".
ويشير المحامي أنور البني إلى إشكالية الولاية القضائية: "هؤلاء متهمون بارتكاب جرائم يُفترض أنها وقعت في سوريا، فكيف سيتمكن القضاء العراقي من جمع الأدلة وسماع الشهود الموجودين في سوريا؟".
وفي هذا الصدد، رصد التحقيق حالة المعتقل السوري ياسر علي محمد -وهو أحد المنقولين ضمن الدفعات نفسها- الذي أصدرت محكمة الجنايات المركزية في بغداد -في 28 أبريل/نيسان 2026- قرارا ببراءته لعدم كفاية الأدلة، وأمرت بإخلاء سبيله فورا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة