في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
جنين- بعد 10 ساعات من الاحتجاز مقيد اليدين في الطابق العلوي من منزله، استطاع الشاب الفلسطيني محمود نزال، من بلدة قباطية جنوب مدينة جنين، الوصول إلى عائلته المحتجزة في غرفة أخرى في الطابق السفلي حيث كان الخوف والرعب يحاصر أطفاله وجميعهم دون سن الثامنة.
كان ذلك الاثنين الماضي، حين اقتحم جيش الاحتلال منزل نزال وحوله إلى ثكنة عسكرية ومركز تحقيق مع معتقلين من البلدة، وذلك للمرة الخامسة.
وفي المنزل، كانت مخلفات جيش الاحتلال تخبر عما جرى خلال ساعات اقتحامه؛ إذ تناثرت قطع قماش استخدمت لتغطية عيون من اعتُقلوا من البلدة واقتيدوا للتحقيق إلى المنزل.
يقول نزال (37 عاما) -للجزيرة نت- إن جنود الاحتلال فجّروا مدخل المنزل قبل اقتحامه مع ساعات الفجر الأولى، ثم احتجزوا أفراد العائلة في الطابق العلوي، قبل أن يقتادوا الأطفال والنساء إلى غرفة صغيرة في الطابق الأرضي دون تقديم تفسيرات، ويضيف "احتجزوا 3 عائلات في غرفة واحدة".
وحول ما جرى، يوضح نزال "تم تقييدي طوال فترة الاقتحام وأجبروني على الجلوس أرضا، ومنعت من التواصل مع أطفالي وأطفال أشقائي، وكان الأمر صعبا بالنسبة لي، وكنت خائفا عليهم".
ومثل هذه الإجراءات تصيب الأهالي بالذعر وتتسبب في أزمات نفسية للأطفال، ويتساءل: "كيف يحول الاحتلال منازل العائلات إلى مراكز تحقيق وثكنات عسكرية؟ هذا الأمر مناف للإنسانية والمنطق".
وكان جيش الاحتلال قد احتجز قرابة 50 مواطنا من قباطية، وحوّل بعضهم للاستجواب داخل المنزل، قبل أن يفرج عنهم وعلى أجسادهم علامات ورموز لم يفهموا مغزاها.
ويروي مؤيد عباس (56 عاما) من قرية فقوعة قرب جنين شمال الضفة الغربية، معاناته المتكررة مع اقتحام منزله وتحويله إلى ثكنة عسكرية منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. ويقول: "حتى اليوم، تم إجباري على إخلائه لأكثر من 18 مرة، بحجة قربه من جدار الفصل الإسرائيلي. وفي كل مرة يتم اقتحام القرية، يجبرونني على تركه".
ويضيف عباس "اليوم أعيش مع عائلتي بشعور السكن المؤقت؛ ففي أي لحظة يمكن أن أُطرد من منزلي لأسباب عسكرية، كما يقولون، ولأمد يحددونه هم".
"أخرج مع ورقة موقّعة من ضابط الكتيبة، تظهر حقي في الاعتراض، لكنها لا تعني شيئاً على أرض الواقع، ولا يمكنني الاعتراض على الأمر العسكري"، كما قال.
وقبل أسابيع، اقتحم جيش الاحتلال منزل عباس، وأخبره أنه سيستخدم السطح لمدة ساعتين، وأنه غير مجبر على إخلائه، لكن ذلك لا يلغي الإحساس بعدم الأمان والاستقرار لدى عائلته، حتى صار أبناؤه يطالبونه بالرحيل عن المنزل وبناء آخر في أي مكان بالبلدة أو حتى خارجها.
ويضيف "قالوا لي أولادي: سنكون مثل 40 ألف نازح الذين هُجّروا من مخيمات شمال الضفة، ذلك أهون من البقاء في المنزل".
ويدرك عباس جيدا حقيقة ما يقولون، لكن لا يمكنه أن يقبل بالرحيل "لأن ذلك ما يريده الاحتلال. لن أترك بيتي الذي بنيته بتعبي وشقائي، وكلفني نحو 80 ألف شيكل (نحو 26.6 ألف دولار)، ولي في كل زاوية منه ذكرى".
ويتسبب الاحتلال في كل اقتحام، بتخريب ودمار في المنزل ومقتنياته، كان آخرها في شهر رمضان الماضي، حيث أُبعد عباس عن منزله 17 يوما، عدا عن سرقة ألفي شيكل (نحو 666 دولاراً) وحصالة طفلة صغيرة من داخله.
ويقول: "في كل مرة أضطر إلى إجراء إصلاحات فيه، لكن الأهم أنني أصبحت لا أحمل نقوداً في جيبي إلا ما يكفيني ليومي فقط، خوفاً من مداهمة مفاجئة وسرقة ما في البيت".
وفي بلدة يعبد، إلى الجنوب من جنين، والتي يقتحمها جيش الاحتلال بشكل شبه يومي، كانت عائلة إياد القنيري على موعد مع إخلاء منزلها قسرا، تمهيداً لتحويله إلى نقطة عسكرية مدة 48 ساعة.
ويصف صاحب المنزل ما حدث، قائلاً إنه "نكبة جديدة"، ويضيف "داهم الجنود المنزل المكون من 3 شقق، حيث أسكن أنا وإخوتي، وأعطونا مهلة 20 دقيقة لإخلائه وحمل ما نريد. ماذا يأخذ الإنسان معه وهو مجبر على ترك بيته؟ حملنا فقط ملابس تكفينا. بكل صدق، ترك المنزل أمر صعب جدا، ويترك شعورا ثقيلا على النفس".
ويتابع -في حديثه للجزيرة نت- أن كل عائلة تشتت في جهة؛ "بقيت زوجتي في منزل شقيقتها، وأنا عند أهلي، وإخوتي عند أقاربنا".
ويوضح أنه ومنذ بدء الحرب على غزة، لا يهدأ الاحتلال ليلاً ولا نهاراً، وتستمر الاقتحامات في كل الضفة "لأنهم لا يريدوننا هنا، والهدف أن تبقى الأرض من دون السكان، فإن المغزى ليس في البيت، بل في كل الوطن".
ويرى مختصون أن هناك تحولاً في السياسة الإسرائيلية في التعامل مع الوضع في الضفة الغربية بشكل عام؛ فبينما كانت العمليات سابقاً تقوم على مبدأ "الدخول السريع والخروج السريع"، بهدف تنفيذ اعتقالات محددة ثم الانسحاب، نشهد اليوم نمطاً مختلفاً يتسم بالتمركز الطويل، وتحويل المنازل إلى ثكنات عسكرية، وإطلاق عمليات مفتوحة تمتد لأيام.
وتصف منظمة العفو الدولية ما يحدث بأنه من "الفظائع والإرهاب الاستيطاني المنسق والإستراتيجي"، في حين وثقت الأمم المتحدة نزوح أكثر من 2200 فلسطيني خلال النصف الأول من العام الجاري، بسبب عنف المستوطنين والاعتداءات على أراضي الفلسطينيين ومنازلهم.
وعلى الرغم من عدم وجود توثيق رسمي من مؤسسات فلسطينية لعدد المنازل التي حُوّلت إلى ثكنات عسكرية في الضفة الغربية منذ بداية العام، فإن منظمة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية " أوتشا" وثّقت نحو 40 منزلاً جرى اقتحامها واستعمالها لأغراض عسكرية منذ يناير/كانون الثاني الماضي وحتى نهاية يونيو/حزيران 2026.
من جهته، يقول المدير العام لمؤسسة الحق شعوان جبارين إنه لا يوجد أي أساس قانوني لسلوك الاحتلال الحالي، رغم ادعائه بوجود أسباب أمنية.
ويوضح للجزيرة نت أن محكمة العدل الدولية أقرت في يوليو/تموز 2024 بعدم شرعية وجود الاحتلال ومستعمراته، وضرورة تكاتف الجهود الدولية لإنهائه. وبناءً عليه، فإن وجود كل ما يخص هذا الاحتلال وجيشه غير قانوني.
ويتابع جبارين: "الجيش يدعي وجود حجج أمنية لاحتلال المنازل وتحويلها إلى ثكنات وإخراج أهلها منها، لكن كل التجارب أثبتت أن هذه المنازل وأصحابها والبيوت القريبة منها لا تشكل أي تهديد أمني عليه أو على مستوطنيه. بل على العكس، الاحتلال أحياناً يلجأ إلى الاحتماء داخلها خلال عملياته ضد المواطنين في البلدات والقرى والمخيمات".
وبحسبه، فإن الاتفاقيات الدولية حددت اعتبارات ضيقة ومحددة وواضحة لاستخدام الممتلكات الخاصة، كالمنازل وغيرها، لأغراض عسكرية، وهو ما لا يأخذه جيش الاحتلال بالاعتبار.
ويضيف أن القانون الدولي تحدث بشكل واضح عن ضرورة تعويض أصحاب المباني والممتلكات عن أي ضرر قد يلحق بها جراء استخدامها لأغراض عسكرية عند الضرورة القصوى، لكن محكمة الاحتلال أقرت قانوناً يلتف على القانون الدولي ويفرض عدم التعويض عن أي ضرر تسبب فيه الجنود خلال أعمالهم العسكرية في ممتلكات الفلسطينيين.
آثار تدمير وخراب في الباب الرئيسي بمنزل مؤيد عباس بقرية فقوعة بعد اقتحام جيش الاحتلال (الجزيرة)
مخلفات جيش الاحتلال في منزل مؤيد عباس في فقوعة بعد تحويله إلى ثكنة عسكرية (الجزيرة)
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة