في يوليو/تموز 2026، سيطرت مجموعة من الطلاب على مرصد "جانتر مانتر"، مطلقين على أنفسهم اسم "حزب صراصير جاناتا"، وهو مسمى تبنوه ردا على ما عدوه وصفا مهينا أطلقه رئيس قضاة الهند، حين نعت الشباب العاطلين عن العمل بـ "المضللين".
ويعد "جانتر مانتر" موقعا مخصصا في العاصمة يسمح فيه بتنظيم الاحتجاجات شريطة الحصول على إذن من السلطات المختصة.
وقد اندلعت شرارة هذه التعبئة إثر تسريب أسئلة "الاختبار الوطني للأهلية والقبول"، الذي يصنف ضمن أصعب امتحانات القبول للالتحاق بأكثر من 800 كلية طب حكومية، سواء كانت مركزية أو تابعة للولايات، والتي توفر مجتمعة نحو 130 ألف مقعد للطلاب الطامحين لدراسة الطب.
ووفقا لـ "الوكالة الوطنية للاختبارات"، فقد سجل مليونان و279 ألفا و743 مرشحا لاجتياز هذا الامتحان، وعقب ذلك، ألغت الوكالة الامتحان وحددت موعدا لإعادته، إلا أنه في غضون ذلك، أقدم 12 طالبا على الانتحار بسبب هذا الإلغاء.
عولت الحركات الشبابية في شتى بقاع العالم – ولا سيما في الدول العربية ودول جنوب أوروبا إبان الضائقة التي خلفتها الأزمة المالية، إلى جانب حركات "الاحتلال" المتنوعة – على مبدأ "المواطنية" بوصفه مفهوما حديثا للمواطنة
تمركزت الاحتجاجات حول نواة أساسية تمثل "حزب صراصير جاناتا"، مستندة إلى أجندة محددة تطالب بمساءلة الحكومة واستقالة وزير التعليم.
واكتسبت هذه الحركة، التي قادها الشباب والطلاب، زخما واسعا، على غرار سابقاتها من الاحتجاجات الشبابية في الهند؛ كالحركة العفوية التي اجتاحت دلهي ومختلف أنحاء البلاد في أعقاب واقعة الاغتصاب الجماعي لشابة في ديسمبر/كانون الأول 2012، وتلك التي اندلعت بعدها بسنوات في ديسمبر/كانون الأول 2019 تنديدا بـ "قانون تعديل المواطنة".
وتجلى هذا الزخم في مشاركة طيف واسع من المجتمع، شمل الآباء، والنشطاء، والمتعاطفين مع القضية، فضلا عن طلاب ينتمون لمنظمات يسارية توافدوا جميعا إلى ساحة الاحتجاج.
وكما في الاحتجاجات السالفة، حينما استحالت المطالبة بإنصاف المرأة المغتصبة وصون المساواة في المواطنة إلى شعارات حاشدة تنادي بإصلاح نظام العدالة الجنائية تارة، والالتزام بالعلمانية الدستورية تارة أخرى، صاغ المحتجون في "جانتر مانتر" مطلبا ملحا ومقنعا بضرورة إجراء إصلاحات مؤسسية.
وقد عولت الحركات الشبابية في شتى بقاع العالم – ولا سيما في الدول العربية ودول جنوب أوروبا إبان الضائقة التي خلفتها الأزمة المالية، إلى جانب حركات "الاحتلال" المتنوعة – على مبدأ "المواطنية" بوصفه مفهوما حديثا للمواطنة.
وانطوت "المواطنية"، كما يبين باولو جيرباودو في مقاله "المواطن الساخط" (2017)، على المطالبة بهوية "مواطن" واعية بذاتها كـ"هوية شعبية".
وتطلب ذلك إرساء قواسم مشتركة للحشد الاحتجاجي، بغية صياغة إستراتيجية إصلاحية جذرية تروم "استعادة" المؤسسات.
وفي مؤلفات أخرى، كأعمال ساسكيا ساسين ("الشارع العالمي"، 2011)، نظر إلى الاستحواذ على الشوارع كنمط من أنماط الاحتجاج غير التقليدي، الذي يمتلك القدرة على تحويل حالة العجز والضعف إلى حالة من التعقيد والتأثير.
وفي الآونة الأخيرة، أثمرت الاحتجاجات الشبابية في جنوب آسيا (كما في بنغلاديش وسريلانكا ونيبال) – والتي تعد تجسيدا للقلق الجماعي لجيل بأسره تجاه الأنظمة الفاسدة والمتبلدة – عن إحداث تغييرات في تلك الأنظمة، بيد أن ذلك لم يتحقق إلا عقب محاولات عنيفة لقمعها، أسفرت عن سقوط العديد من الضحايا.
في حين تبرز الدراسات عزوف الشباب عن الانخراط في العمليات الديمقراطية الرسمية – التي يعدونها غير مجدية – وانعدام ثقتهم في القيادات السياسية، فإنهم يمارسون السياسة عبر أنشطة تتيحها شبكات الإنترنت
وينظر إلى " جيل زد" – وهو اللقب الرائج الذي أطلق على الشباب المحتجين وتبنوه طواعية – على أنهم "مواطنون رقميون أصليون"، بخلاف الجيل الذي سلفهم (جيل الألفية) الذي عاصر العصر الرقمي وتكيف معه.
ولطالما وصم الجيل "زد" بأنه جيل "غير مسيس"، لكونهم أبناء أصليين لمجتمع رقمي يتواصلون عبر فضاء تحكمه لغة تجعل الاتصال شاملا وحصريا في آن واحد.
ومع ذلك، وكشأن كافة التصنيفات، غالبا ما تطرح فئة "الشباب" في الخطابات المهيمنة ككتلة صماء غير متمايزة؛ فهم يمثلون – للمفارقة – موردا وطنيا يجب صونه وإدارته وتأهيله ورعايته ليغدوا "مواطني المستقبل" (وهي "مسؤولية" تلقى على عاتق الجيل الحالي)، بينما يشكلون في الوقت عينه أهدافا استراتيجية في حلبات التنافس الانتخابي.
وبصفتهم كتلة واحدة، فإنهم يحظون بأهمية بالغة في السباق الانتخابي، حيث يرجحون كفة النتائج كـ "ناخبين جدد"، غير أنه يفترض بهم، في الوضع المثالي، أن يكونوا منعزلين سياسيا أو سذجا.
وفي حين تبرز الدراسات (مثل دراسة هاريس وزملاؤه "الشباب والمواطنة"، 2007) عزوف الشباب عن الانخراط في العمليات الديمقراطية الرسمية – التي يعدونها غير مجدية – وانعدام ثقتهم في القيادات السياسية، فإنهم يمارسون السياسة عبر أنشطة تتيحها شبكات الإنترنت.
وتسهم هذه الشبكات في خلق مجتمعات مألوفة تتفاوت في درجات ديمومتها، لتتحول إلى منصات حيوية يصيغ فيها الشباب أفكارهم السياسية عبر التعبير عن ذواتهم بلغة مغايرة، ومفصولة عمدا عن لغة آبائهم.
وقد خضع الشباب في الهند، بوصفهم الفئة المستهدفة من إصلاحات التعليم – كما هو الحال في أصقاع أخرى من العالم تحت ظل أنظمة سياسية متباينة – لسياسات تسعى إلى غرس مواقف واستجابات محددة في نفوسهم، وتلقينهم مفاهيم تقدير السلطة، وتوجيه سلوكهم السياسي ليتناغم مع الأيديولوجية السياسية السائدة.
ومنذ فترة ليست بالقصيرة، ينظر إلى التحولات الطارئة على سياسة التعليم، والمناهج الدراسية، وآليات التوظيف في مؤسسات التعليم العالي، على أنها مدفوعة بتوجهات يمينية، مما ولد إحساسا بالاغتراب لدى شرائح واسعة من الشباب.
وفي هذا السياق، يكشف تقرير "حالة العمل في الهند 2026: الشباب في سوق العمل"، الصادر عن مركز التنمية المستدامة بجامعة "عظيم بريمجي"، أنه على الرغم من الطفرة الملحوظة في مستوى التحصيل العلمي للشباب الهندي على مدار العقود الأربعة الماضية، ولا سيما في صفوف النساء، إلا أن عبور الفجوة بين التعليم والتوظيف لا يزال محفوفا بالصعوبات، خاصة للخريجين.
ولا تزال معدلات البطالة بين الشباب الخريجين (في الفئة العمرية من 15 إلى 25 عاما) تسجل نسبة مرتفعة تبلغ 40%.
وعليه، لم يكن مستغربا أن تتسع دائرة مطالب احتجاجات يوليو/تموز لتطال السياسات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية التي تنتهجها الحكومة، فضلا عن التطرق لمعضلتي البطالة والفساد.
وقد اتسمت الاحتجاجات في حد ذاتها بتعدد إيقاعاتها وتنوع أصواتها، فبينما حافظ الدكتور "بي. آر. أمبيدكار" على رمزيته كامتداد للاحتجاجات السابقة، مجسدا التمسك بالضمير الجمعي والأخلاق الدستورية، اكتظت ساحات الاحتجاج بـ "الملصقات" المادية، وعجت منصات التواصل الاجتماعي بـ "المنشورات" الرقمية المليئة بالصور الساخرة (الميمز) اللاذعة والمتمردة.
الانفصام بين الممارسات السلطوية للدولة والتضامن الحديث العابر للأجيال، قد يشرع الأبواب أمام حراك سياسي يتبوأ فيه الشباب موقع المساهم الرئيسي
لتبرز ما أطلق عليه في سياق آخر من الاحتجاجات الشبابية ( الربيع العربي) مصطلح "التمرد الإبداعي" (مروان كريدي، المدون العاري في القاهرة، 2016).
ويقصد كريدي بهذا المصطلح تجليات "المعارضة" داخل الفضاء الإلكتروني، والتي تعزز من فرص نشوء مواطنة ترتكز على دعائم الديمقراطية الحوارية.
وأسدلت الاحتجاجات ستارها باستقالة وزير التعليم، لا سيما بعد امتداد رقعتها لتشمل أجزاء أخرى من البلاد.
وتبدو جلية تداعيات هذه الصحوة الشبابية، حيث عبر الشباب عن سخطهم واستيائهم بأسلوب مباغت لم يتوقعه النظام الحاكم قط. وفي حين بادرت الحكومة بالتواصل مع الشباب في مسعى لعقد مصالحة، لا تزال هناك تساؤلات جوهرية قائمة حول الجذور الحقيقية لغضبهم.
وقد دحضت شريحة واسعة من المحتجين، من خلال وعيهم وسلوكهم، الفكرة النمطية السائدة القائلة بأن الشباب لا يفقهون شيئا في السياسة؛ إذ أبدوا رفضهم القاطع لمحاولات تدجينهم عبر "سياسة الاستيعاب" – كما يحاجج براتاب بهانو ميهتا – وهي السياسة ذاتها التي انتهجها جيل آبائهم لينأوا بأنفسهم عن الصراعات الأيديولوجية ("يجب على آباء الجيل زد أن يتحملوا مسؤولية سياستهم التي خلقت هذه الأزمة"، إنديان إكسبريس ، 6 أغسطس/آب 2026).
وعلى الرغم من أن ميهتا يرى في ذلك "الشكل الأكثر حميمية من أشكال التمرد"، فقد يكون من الأجدى اعتبار هذه اللحظة بمثابة إرهاصات لولادة علاقات جديدة بين الأجيال.
فالانفصام بين الممارسات السلطوية للدولة والتضامن الحديث العابر للأجيال، قد يشرع الأبواب أمام حراك سياسي يتبوأ فيه الشباب موقع المساهم الرئيسي.
وفي هذا الصدد، يقدم التقرير العالمي لرصد التعليم – الصادر عن الأمم المتحدة بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة للشباب، تحت عنوان "القيادة مع الشباب: تقرير الشباب" (2026) – مسوغات قوية تدعم "القيادة الشبابية والطلابية في حقل التعليم"، إيمانا بـ "الطاقة التحويلية الكامنة في المشاركة الهادفة للشباب" في دوائر صنع القرار.
ويستلزم هذا الأمر من الهيئات الرسمية التفاعل بجدية مع شواغل الشباب، وفي مقدمتها إشراكهم الفعلي في رسم سياسات التعليم العام، وصياغة القوانين والإستراتيجيات التي تمس واقعهم.
ومن بين 93 دولة شملها التقرير، أفاد ثلثها فقط بوجود تشريعات قانونية رسمية تفرض إشراك الشباب في صياغة القرارات المصيرية.
ورغم غياب الهند عن هذه القائمة، إلا أن الحكومة اقترحت في مارس/آذار 2026 سياسة وطنية للشباب تروم ترسيخ "إطار حوكمة شبابي تشاركي وموجه نحو تحقيق النتائج"، ينظر بموجبه إلى الشباب بصفتهم "أصحاب مصلحة" فاعلين وليس مجرد "مستفيدين" (مكتب الإعلام الصحفي PIB، 20 مارس/آذار 2026).
وبينما يكتنف الغموض الآلية الدقيقة لتنفيذ هذه السياسة بغية إحداث تغييرات ملموسة تلبي مطالب الشباب الهندي التي صدحت بها الاحتجاجات الأخيرة، تبرز ضرورة ملحة لاستيعاب حقيقة لا مفر منها: وهي حتمية حجز مقعد للشباب على طاولة صنع القرار.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة