آخر الأخبار

من مروان بن محمد إلى بريماكوف.. ما السر الذي غيّر روسيا؟

شارك

إن الصراع المتصاعد بين الدول الغربية وروسيا له جذور وأسباب أعمق بكثير من مجرد صدام بين القادة الحاليين.

يكمن سبب هذا الصراع في قوة الجاذبية الهائلة التي مارسها الشرق على روسيا لأكثر من ألف عام.

ولهذا السبب، تُجبر روسيا، التي سعت تاريخيا جاهدة لتصبح جزءا من الحضارة الغربية، على الاعتماد باستمرار على قوة وموارد الشعوب والحضارات الشرقية، وهو ما يدركه المتخصصون الروس في الدراسات الشرقية بشكل جيد.

بدأت الدراسات الشرقية في روسيا بالظهور قبل نحو ألف عام، مدفوعة بحاجة الحكام والتجار الروس إلى إقامة علاقات مع الدول الشرقية.

علاوة على ذلك، نشأت الدولة الروسية نفسها عند ملتقى طرق أوروبا وآسيا، واضطرت تاريخيا إلى الموازنة بين الغرب والشرق.

لهذا السبب، تطورت الدراسات الشرقية الروسية في البداية بوصفها أداة للقوة والحرب والتجارة، ثم لاحقا كتخصص أكاديمي.

بدأت الدراسات الشرقية في روسيا بالظهور قبل نحو ألف عام، مدفوعة بحاجة الحكام والتجار الروس إلى إقامة علاقات مع الدول الشرقية

الحرب والدين والتجارة

حدث أول اتصال بين القبائل الروسية القديمة وشعوب الشرق عندما اقتربت شعوب الشرق الأوسط من حدود الأراضي الروسية. ففي القرنين السادس والسابع الميلاديين، استولت الإمبراطورية الساسانية الإيرانية على جزء من داغستان.

وفي عهد عمر بن الخطاب عام 642، دخل صحابة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) داغستان، والتي تعد اليوم أكبر جمهورية إسلامية داخل روسيا.

ومن داغستان، اتجه المسلمون شمالا خلال الخلافة الأموية، حتى وصلوا إلى نهر الفولغا العظيم.

وفي عام 737م، وتحت قيادة الخليفة الأموي مروان بن محمد، وصل الجيش الإسلامي إلى حدود أوكرانيا الحالية. بل إن المحاربين الروس القدماء أنفسهم تطوعوا في جيوش القادة الأمويين.

كان اعتناق الشعب الروسي للمسيحية في القرن العاشر الميلادي، وتحديدا عام 988م، ذا أهمية بالغة في توطيد العلاقات بين الشعب الروسي والعالم الشرقي.

إعلان

فمن خلال المسيحية، تعرف الروس على بلدان مثل فلسطين وسوريا ومصر وبيزنطة.

وبفضل الكتاب المقدس والكهنة المسيحيين والحجاج وكتب الكنيسة، بدأ الروس في اكتساب معلومات عن بلدان وشعوب الشرق الأوسط وجنوب آسيا.

بهذا الشكل، انجذبت روسيا إلى بيزنطة، فأصبحت معقلا للمسيحية الشرقية، لا الغربية.

وإلى جانب الحرب والدين، كانت التجارة، بطبيعة الحال، قناة فعالة أخرى لتطوير العلاقات بين الأراضي الروسية وشعوب الشرق.

وبدأت أولى الاتصالات التجارية بين التجار والحكام الروس وشعوب الشرق في القرنين الثامن والعاشر الميلاديين من خلال التجارة مع الخاقانية الخزرية، والخلافتين الأموية والعباسية.

وقد أثرت الحملات العسكرية لجنكيز خان، وتبعية الأراضي الروسية للقبيلة الذهبية، تأثيرا كبيرا في اكتساب الدولة الروسية خصائص آسيوية.

ومنذ ذلك الحين، بدأت العلاقات التجارية بين الروس وشعوب آسيا الوسطى، وسافر التجار الروس إلى مدينتي خوارزم وبخارى في آسيا الوسطى، وسافر السفراء الروس إلى منغوليا وأفغانستان.

ومن المعروف أن السفراء الروس زاروا مدينة هرات الأفغانية في القرن الـ15، كما زار سفراء من هرات موسكو.

وفي النصف الثاني من القرن نفسه، زار التاجر الروسي الشهير أفاناسي نيكيتين الهند، وبعده زار تاجر روسي آخر، هو فيدوت كوتوف، إيران.

وكانت هذه جميعها ولايات سابقة للإمبراطورية المغولية ومناطق أخرى تابعة لها.

بدأت أولى الاتصالات التجارية بين التجار والحكام الروس وشعوب الشرق في القرنين الثامن والعاشر الميلاديين من خلال التجارة مع الخاقانية الخزرية، والخلافتين الأموية والعباسية

مرحلة توسع الدولة الروسية

بدأت مرحلة جديدة في علاقات روسيا مع الشرق في منتصف القرن الـ16، عندما تعززت قوة روسيا وبدأ القيصر الروسي إيفان الرهيب في غزو الأراضي الإسلامية المجاورة بنشاط، وهي خانات قازان وأستراخان وسيبيريا.

ولطالما كانت هذه الأراضي طريقا رئيسيا للتجارة الأوروبية مع الشرق الأقصى وآسيا الوسطى، وازداد حجم التجارة الخارجية للدولة الروسية بشكل ملحوظ.

ومن ثم، بدأت دول أوروبا الغربية تعتمد على موسكو في تطوير علاقاتها التجارية مع دول الشرق وآسيا الوسطى.

في ذلك الوقت، بدأ التجار من شتى أنحاء العالم بالتوافد على موسكو، من أتراك وإيرانيين وآسيويين وأرمن وألمان وإيطاليين.

بعد ذلك، أنشأ القيصر الروسي إيفان الرهيب "بوسولسكي بريكاز" (السفارة الروسية)، كأول وكالة للسياسة الخارجية الروسية، والتي جمعت معلومات عن العديد من دول الشرق.

أدى انجذاب روسيا نحو الشرق إلى وضع لم يستطع فيه حتى الإمبراطور الروسي بطرس الأكبر، الذي بذل كل ما في وسعه لجعل روسيا جزءا من أوروبا، مقاومته.

ومع ذلك، اضطر إلى توسيع حدود الدولة شرقا، وشن حملات عسكرية في إيران، وفتح طرق تجارية جديدة إلى الشرق الأوسط، وقام بالبحث عن سبل لإقامة علاقات بين روسيا والهند.

لم يقاوم أي من القياصرة الروس اللاحقين هذا الانجذاب نحو الشرق، ولهذا السبب، واصلت روسيا في عهدهم التوسع السريع شرقا.

وبعد غزو سيبيريا والشرق الأقصى، وصل الروس إلى شواطئ المحيط الهادئ بحلول القرن الـ17.

إعلان

علاوة على ذلك، في القرن الـ19، ضمت روسيا نهائيا أراضي القوقاز وآسيا الوسطى، التي كانت تضم أعدادا كبيرة من السكان المسلمين، والتي أدمجت في الدولة الروسية حتى قبل ضمها.

تأسيس الدراسات الشرقية السوفياتية

في عام 1917، اندلعت الثورة الاشتراكية في روسيا، وأطيح بالقيصر الروسي من السلطة.

تحولت روسيا القيصرية إلى روسيا السوفياتية، وبدأت البلاد في بناء مجتمع اشتراكي تحت قيادة الحزب الشيوعي.

ورغم التحول الأيديولوجي والسياسي الحاد في الدولة الروسية، اضطرت الدراسات الشرقية السوفياتية إلى الاعتماد على تقاليد الدراسات الشرقية الروسية في العهد القيصري، وظل تقسيم الدراسات الشرقية الروسية إلى عملي وأكاديمي قائما خلال الحقبة السوفياتية.

أدى انجذاب روسيا نحو الشرق إلى وضع لم يستطع فيه حتى الإمبراطور الروسي بطرس الأكبر، الذي بذل كل ما في وسعه لجعل روسيا جزءا من أوروبا، مقاومته

كما تطورت الدراسات الشرقية العملية كأداة من أدوات السياسة الخارجية للاتحاد السوفياتي تجاه دول آسيا وأفريقيا.

أما في الدراسات الشرقية الأكاديمية، فقد اتسم البحث بطابع شيوعي واضح، واستخدم الباحثون السوفييت حصريا المناهج العلمية للمنظرين الشيوعيين كارل ماركس وفلاديمير لينين.

وأدت الدراسات الشرقية الإسلامية في العهد القيصري في القوقاز وآسيا الوسطى، الخاضعة للحكم السوفياتي، إلى إنشاء مراكز أكاديمية إقليمية للدراسات الشرقية السوفياتية في هذه المناطق الإسلامية من الاتحاد السوفياتي.

وقد أفضى ذلك إلى نمو سريع للدراسات الشرقية في الجمهوريات الإسلامية للاتحاد السوفياتي، كداغستان وأذربيجان وأوزبكستان وطاجيكستان وكازاخستان.

في هذه الجمهوريات، قاد باحثون محليون في الجامعات ومراكز الأبحاث المحلية دراسة العالم العربي والعالم التركي وإيران.

ويعود ذلك إلى أن الشعوب المسلمة في روسيا، ولاحقا في الاتحاد السوفياتي، كانت تاريخيا على صلة وثيقة بهذه الشعوب الثلاثة: العرب والأتراك والإيرانيين.

ومع ذلك، كانت جميع فروع الدراسات الشرقية في الاتحاد السوفياتي خاضعة لسيطرة الحزب الشيوعي، وتسعى إلى التعاون الوثيق مع وزارة الخارجية والمخابرات وجهاز المخابرات السوفيتي (كي جي بي).

ومن خلال المتخصصين في الدراسات الشرقية، دعمت الدولة السوفياتية بنشاط الأنظمة الموالية لها في الشرق الأوسط، وساندت الحركات الثورية، وعارضت سياسات بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل ودول أخرى في آسيا وأفريقيا.

وتجلى هذا الارتباط الوثيق بين الدراسات الشرقية السوفياتية والحزب الشيوعي وجهاز المخابرات السوفياتي (كي جي بي)، فضلا عن تأثير جاذبية الشرق على تطور روسيا، بوضوح في حياة يفغيني بريماكوف.

المستشرق الذي غير مسار روسيا

تخرج يفغيني بريماكوف من معهد موسكو للدراسات الشرقية في خمسينيات القرن الـ20، وعلى مدار 50 عاما حقق مسيرة مهنية باهرة من باحث شاب في اللغة العربية إلى مدير المخابرات الروسية ورئيس وزراء روسيا.

بعد حصوله على شهادته، بدأ مسيرته في أكاديمية العلوم كباحث أكاديمي، وبعد 20 عاما فقط من حصوله على شهادته في الدراسات الشرقية في سبعينات القرن الـ20، انخرط بريماكوف، كما روى بنفسه في كتابه "الشرق الأوسط على المسرح وخلف الكواليس"، في دبلوماسية سرية في الشرق الأوسط لصالح الحزب الشيوعي السوفياتي.

درس بريماكوف، بصفته محللا، الوضع السياسي في مصر، حيث خلص إلى أن الرئيس أنور السادات، على عكس سلفه جمال عبد الناصر، قد انتهج مسار التقارب مع الولايات المتحدة

في عام 1971، التقى بريماكوف في بيروت بزعيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، جورج حبش، ونقل إليه توصية موسكو بالامتناع عن اختطاف الطائرات واحتجاز الركاب كرهائن.

خلال تلك السنوات نفسها، درس بريماكوف، بصفته محللا، الوضع السياسي في مصر، حيث خلص إلى أن الرئيس أنور السادات، على عكس سلفه جمال عبد الناصر، قد انتهج مسار التقارب مع الولايات المتحدة.

إعلان

بعد اندلاع حروب إسرائيل مع الدول العربية، كتب بريماكوف مقترحات إلى القيادة السوفياتية بشأن تعديل علاقات الاتحاد السوفياتي مع إسرائيل.

وافق الزعيم السوفياتي ليونيد بريجنيف على هذه المقترحات، مما عزز بشكل كبير سلطة بريماكوف بين مسؤولي المخابرات والحزب الشيوعي السوفياتي.

في عام 1971، عهدت القيادة السوفياتية إلى بريماكوف بمهمة سرية لتحسين العلاقات مع إسرائيل، وهي مهمة حظيت بدعم رئيس جهاز المخابرات (كي جي بي) أندروبوف ووزير الخارجية السوفياتي غروميكو.

حاول بريماكوف إقناع إسرائيل بالانسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة، وهما منطقتان احتلتهما إسرائيل خلال حرب الأيام الستة عام 1967. وفي المقابل، عرض يفغيني بريماكوف، نيابة عن القيادة السوفياتية، على إسرائيل ضمانات أمنية من الاتحاد السوفياتي والغرب.

بعد 20 عاما، وتحديدا في عام 1991، أصبح يفغيني بريماكوف رئيسا لجهاز المخابرات الخارجية الروسية. تزامن ذلك مع الفترة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي مباشرة، حين كانت الدول الغربية على ثقة بأنها قد أخضعت روسيا نهائيا.

النأي عن الغرب

وبعد بضع سنوات، عين بريماكوف وزيرا للخارجية الروسية، وقد قوبل تعيينه في هذا المنصب باستياء من الدول الغربية، إذ يرتبط اسم بريماكوف بانتقال روسيا من التبعية للسياسة الغربية إلى انتهاج سياسة خارجية مستقلة.

وقد دعا بريماكوف إلى مواصلة تطوير علاقات روسيا مع دول أوروبا وأمريكا الشمالية، ومع ذلك، أصر أيضا على الحفاظ على حق روسيا في انتهاج سياسة خارجية مستقلة مع الصين وجنوب آسيا والشرق الأوسط.

بدأت جاذبية الشرق، وبمبادرة من المستشرقين، في تحويل مسار روسيا من الغرب إلى الشرق مجددا في فترة ما بعد الاتحاد السوفياتي. ووفقا للمحللين، أعاد بريماكوف، بصفته وزيرا للخارجية الروسية، "الكرامة إلى السياسة الخارجية للبلاد"

وكان بريماكوف أول من اقترح تعزيز التعاون المتبادل بين روسيا والهند والصين، وهو ما شكل أساس مجموعة البريكس.

وبدأت جاذبية الشرق، وبمبادرة من المستشرقين، في تحويل مسار روسيا من الغرب إلى الشرق مجددا في فترة ما بعد الاتحاد السوفياتي.

ووفقا للمحللين، أعاد بريماكوف، بصفته وزيرا للخارجية الروسية، "الكرامة إلى السياسة الخارجية للبلاد".

لكن أهم تحول سياسي في روسيا ما بعد الاتحاد السوفياتي كان تعيين يفغيني بريماكوف رئيسا للوزراء عام 1998.

وبينما كان على متن طائرة حكومية متجهة إلى اجتماع في الولايات المتحدة، علم بريماكوف بقرار واشنطن قصف يوغوسلافيا، فأمر الطيارين على الفور بالعودة وهم فوق المحيط الأطلسي.

أثار هذا الإجراء الذي اتخذه بريماكوف جدلا واسعا في جميع أنحاء العالم، إذ مثل بداية تحول روسيا من الخضوع للسياسة الغربية إلى سياسة النأي بنفسها عنها.

واستمر هذا النهج بعد استقالة بريماكوف، حيث تولى فلاديمير بوتين منصبي رئيس الوزراء ورئيس روسيا، مظهرا للغرب أن روسيا استمدت قوتها تاريخيا من الشرق.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا اسرائيل إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا