في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم يعد ارتفاع درجات الحرارة في بريطانيا مجرد موجات حر عابرة أو فصول صيف استثنائية، بل تحوّل إلى اختبار قاسٍ لقدرة البلاد على التكيف مع واقع مناخي جديد.
وبينما تكافح فرق الطوارئ الحرائق والجفاف وتعطل البنية التحتية، تحذر تقارير بريطانية من أن ما شهده صيف عام 2026 قد لا يكون سوى مقدمة لظروف أكثر تطرفا في الأعوام المقبلة.
وفي تحقيق مطول نشرته صحيفة إندبندنت، تقول لوسي إيستهوب -وهي خبيرة في التخطيط والاستجابة للكوارث- إن بريطانيا أصبحت "مكسورة وعطشى وفي حالة إنكار" أمام ما يحدث.
فقد شهدت البلاد أكثر أيام وليالي يونيو/حزيران حرارة في سجلها، وأدى الجفاف القياسي خلال يوليو/تموز إلى اندلاع حرائق مدمرة، خصوصا في منطقة سوفولك شرقي البلاد، وأدى توالي موجات الحر إلى نحو 3 آلاف وفاة مرتبطة بالحر حتى الآن.
وترى إيستهوب أن المشكلة الأعمق تتمثل في أن بريطانيا تأخرت كثيرا في الاستعداد لأزمة مناخية أصبحت مزمنة. وتقول إن الحكومات تفتقر إلى الحافز السياسي لتنفيذ برنامج شامل لإعادة بناء البنية التحتية وتحصينها، لأن الاستثمارات المطلوبة اليوم لن تظهر نتائجها الكاملة إلا بعد انتهاء فترات الحكومات الحالية.
ولا تقتصر المخاطر على الحرارة والحرائق؛ فبريطانيا تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الغذاء بعدما تراجعت قدرتها على الإنتاج المحلي، مما يجعلها معرضة بصورة أكبر لأي اضطرابات في المحاصيل العالمية. وتحذر إيستهوب من أن الأمن الغذائي قد يصبح أحد أكثر المجالات تأثرا بالتغير المناخي.
وفي هذا السياق، تأتي تحذيرات مجلة "بروسبيكت" البريطانية من أن الصيف الحالي قد يبدو معتدلا مقارنة بما ينتظر العالم في عام 2027؛ فالمجلة تشير إلى وصول ظاهرة "إل نينيو" بعد فترة من تأثير "لا نينيا"، وهي حالة تنخفض فيها حرارة مياه سطح المحيط الهادئ الاستوائي، خصوصا في الأجزاء الوسطى والشرقية بشكل غير معتاد، بما قد يضيف دفعة قوية إلى درجات الحرارة العالمية فوق التأثير المتراكم للاحتباس الحراري الناجم عن النشاط البشري.
وتوضح بروسبيكت أن المحيطات امتصت نحو 90% من الحرارة الناتجة عن تغير المناخ، في حين بلغت حرارة محيطات العالم في يونيو/حزيران أعلى مستوى مسجل، متجاوزة مستوى ما قبل الثورة الصناعية بنحو 1.17 درجة مئوية. وفي بعض المناطق البحرية قبالة جنوب فرنسا وإيطاليا، تجاوزت الحرارة المعدلات المعتادة بنحو 6 درجات.
بروسبيكت أشارت إلى احتمال أن يصبح صيف هذا العام -في المستقبل القريب- أحد أكثر فصول الصيف اعتدالا في ذاكرة البريطانيين
وتقول المجلة إن الأكثر إثارة للقلق هو سرعة تطور ظاهرة "إل نينيو" الحالية. وتنقل عن عالم المناخ زيك هاوسفاذر قوله إن نماذج التنبؤ تشير إلى حدث يتجاوز نطاق كل ما سبق رصده تقريبا، في حين وصف العالم بيل ماكغواير الظاهرة بأنها "إل نينيو الفائق" الذي قد يجلب طقسا شديد التطرف ودرجات حرارة قياسية في عام 2027.
وحتى مكتب الأرصاد البريطاني يتوقع أن تؤدي الظاهرة إلى ارتفاع مؤقت في متوسط الحرارة العالمية، وربما تجعل 2027 أكثر الأعوام حرارة منذ بدء السجلات عام 1850.
وتحذر بروسبيكت من أن انعكاسات ذلك على بريطانيا قد تشمل طقسا أكثر تطرفا ومخاطر متزايدة على الأمن الغذائي. كما أن ظاهرة إل نينيو القوية يمكن أن ترفع أسعار الغذاء عالميا لمدة تصل إلى عامين، مما يعني أن أزمة المناخ قد تتحول إلى أزمة معيشية واقتصادية أيضا.
ومع ذلك، ترى إيستهوب في إندبندنت أن الاستسلام ليس الخيار الوحيد. فقد بدأت حملات توعية ومراكز تبريد وخدمات طبية عن بُعد تساعد على الحد من الوفيات، كما أصبح تمويل مكافحة حرائق الغابات والتخطيط لموجات الحر أكثر قبولا لدى المسؤولين مع تكرار الظاهرة.
لكن الرسالة الأبرز التي تخرج بها المادتان هي أن بريطانيا لم تعد أمام سؤال: هل سيؤثر تغير المناخ فيها؟ بل: كيف ستتعامل معه؟ وإذا كان صيف عام 2026 قد بدا استثنائيا، فإن تحذيرات بروسبيكت تشير إلى احتمال أن يصبح هذا الصيف -في المستقبل القريب- أحد أكثر فصول الصيف اعتدالا في ذاكرة البريطانيين.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة