كشفت صحيفة "نيويورك تايمز"، نقلاً عن مسؤولين إيرانيين، عن ملامح الاستراتيجية التي تتبناها طهران في التعامل مع التصعيد الأخير، والتي تقوم على تحريك شبكة حلفائها الإقليميين لزيادة الأعباء السياسية والاقتصادية على الإدارة الأمريكية، مع الحرص في الوقت نفسه على تفادي الانخراط في مواجهة مباشرة يصعب ضبط مسارها لاحقاً.
وبحسب ما نقلته الصحيفة، عقد قادة من فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني ، خلال فترة وقف إطلاق النار، سلسلة اجتماعات عبر الإنترنت مع قيادات حزب الله اللبناني ، وجماعة الحوثي اليمنية، وميليشيات شيعية عراقية. وهدفت هذه اللقاءات إلى وضع خطة يمكن تفعيلها في حال اتسع نطاق العمليات العسكرية الأمريكية في المنطقة.
وأوضح المسؤولون أن مستشارين وعناصر من فيلق القدس رابطوا ميدانياً إلى جانب هذه الجماعات، في وقت حاول فيه الحرس الثوري تعويض الخسائر التي مُني بها حزب الله جراء مواجهاته الأخيرة مع إسرائيل. أما في العراق، فأشار التقرير إلى أن عناصر إيرانية نشطت انطلاقاً من قواعد تسيطر عليها فصائل مسلحة موالية لطهران.
وكانت كل من الولايات المتحدة والسعودية قد نفذت هذا الأسبوع، استهدفت فصائل مسلحة موالية لإيران داخل العراق، وقد نشرت وسائل إعلام إيرانية صوراً لأربعة قتلى في تلك الضربات، قائلة إنهم كانوا يرتدون الزي الأخضر المرتبط بفيلق القدس، وأن نعوشهم غُطيت بالأعلام الإيرانية.
ورغم الخسائر المتكررة التي تعرضت لها الجماعات الحليفة لإيران منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، يرى محللون استندت إليهم الصحيفة أن هذه الجماعات ما زالت تحتفظ بقدرة على إعادة تنظيم صفوفها، وإحداث اضطرابات ميدانية، وتزويد طهران بأدوات ضغط.
وتختلف درجة استقلالية هذه الأطراف عن القرار الإيراني بشكل ملحوظ: فالحوثيون يُنظر إليهم باعتبارهم الأكثر استقلالية في تحركاتهم، في حين يحافظ حزب الله على مستوى تنسيق أعلى مع طهران، فيما تقف الفصائل العراقية في موقع وسط بين النموذجين.
وتُظهر الهجمات الأخيرة، بحسب خبراء استشهدت بهم "نيويورك تايمز"، نمطاً محسوباً يعتمد على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة على قواعد تضم قوات أمريكية، مع تفادٍ متعمد لأي مواجهة مباشرة مع القوات الأمريكية أو الإسرائيلية.
ودفع استهداف منشأة نفطية سعودية الرياض إلى التورط بشكل أكبر في مسار الأزمة، غير أن الرد السعودي اقتصر على فصائل عراقية مسلحة، ولم يمتد إلى الأراضي الإيرانية.
يعتقد معدّو التقرير أن تحركات حلفاء إيران تمتد إلى محاولة التأثير في تدفقات الطاقة الإقليمية عبر الحد من صادرات النفط، وهو ما قد يرفع أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة ويزيد الضغط الاقتصادي على حلفاء واشنطن في المنطقة. وتراهن طهران، وفق التقرير، على أن استمرار هذه الضغوط قد يدفع بعض دول المنطقة لإعادة النظر في مواقفها إزاء إدارة الملاحة في مضيق هرمز.
وفي مواجهة الاضطراب الذي طال جزءاً من صادراتها النفطية عبر المضيق، لجأت السعودية إلى زيادة الاعتماد على خط أنابيب بري يعبر أراضيها نحو البحر الأحمر، تمهيداً لنقل الشحنات عبر مضيق باب المندب الفاصل بين اليمن والقرن الأفريقي.
وأعلن الحوثيون في العشرين من يوليو/تموز فرض حصار بحري على السعودية، وأطلقوا صواريخ وطائرات مسيرة في محاولة لتنفيذه فعلياً. ولاحقاً، امتدت المخاوف إلى قناة السويس بعد تعرض ناقلات في مصر لهجمات بطائرات مسيرة، في حين نفت إيران أي مسؤولية عن تلك الهجمات.
وبحسب التقرير، تستند شبكة تحالفات إيران إلى دوافع سياسية وأيديولوجية، إذ تنظر طهران إلى هذه الجماعات كأداة ضغط لإخراج القوات الأمريكية من المنطقة ومواجهة إسرائيل، فضلاً عن كونها خط دفاع متقدم يحول دون انتقال المواجهات مباشرة إلى الداخل الإيراني.
مع ذلك، لم تسلم هذه الاستراتيجية من الانتكاسات خلال الفترة الأخيرة، أبرزها سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، وتراجع القدرات العسكرية لكل من حماس وحزب الله، وهي تطورات قلّصت مساحة الحركة المتاحة أمام طهران في المنطقة.
ويخلص التقرير إلى أن إيران، استناداً إلى تقديرات المسؤولين والخبراء الذين استشهدت بهم "نيويورك تايمز"، تراهن على أن التنسيق بين حلفائها الإقليميين كفيل برفع الكلفة السياسية والاقتصادية للمواجهة مع الولايات المتحدة، مع الحرص في الوقت ذاته على تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة يصعب التحكم في مسارها ونتائجها.
المصدر:
يورو نيوز