أظهرت صور أقمار صناعية عالية الجودة -ملتقطة بواسطة " إيرباص" و"غوغل إيرث"- حجم الدمار في بلدتي زوطر الشرقية وزوطر الغربية في جنوب لبنان، في أعقاب العمليات العسكرية الإسرائيلية في البلدتين.
وتكشف الصور الملتقطة يوم 20 يوليو/تموز الجاري عن دمار واسع في البلدتين الواقعتين في قضاء النبطية، إذ تظهر مساحات كبيرة من الركام والأراضي المجروفة داخل النسيج العمراني، إلى جانب تضرر الطرق واختفاء تجمعات متجاورة من المباني.
كما أظهرت الصور أن الضرر يمتد في صورة أحزمة متصلة عبر مركزي البلدتين والأحياء الواقعة بينهما، رغم اختلاف الوضع الميداني الحالي في كل منهما.
وتكمن أهمية البلدتين في أنهما تقعان عند الحافة الشمالية للمنطقة التي ترسمها إسرائيل بـ"الخط الأصفر"، ويمر نهر الليطاني بمحاذاة حدودهما الجنوبية.
وتحولت البلدتان بذلك إلى منطقة انتقال بين ثلاثة نطاقات: مناطق انتشار الجيش الإسرائيلي جنوب "الخط"، والشريط الواقع بين "الخط" ونهر الليطاني، ثم المناطق الممتدة شمالا باتجاه النبطية. كما تمنح التلال المشرفة على مجرى الليطاني وممراته قيمة ميدانية للمراقبة والوصول.
تتجاور البلدتان وتتداخل كتلتاهما العمرانيتان، وتربط بينهما شبكة من الطرق والأحياء المتقاربة.
ويظهر أحد أكثر نطاقات الضرر وضوحا بمحاذاة الحد الإداري الفاصل بين البلدتين، حيث تنتشر بقع واسعة فاتحة اللون تتداخل مع مواقع المباني والطرق، وتظهر بينها أكوام من الركام ومساحات فقدت نمطها العمراني السابق، كما تظهر مسارات ترابية عريضة وطرق أنشئت بطول البلدة.
في زوطر الغربية، يتركز الضرر الأوضح في مركز البلدة والقطاع الشرقي منه، حيث تظهر مساحات متصلة من الركام في مواقع كانت تضم تجمعات كثيفة من المباني، بحسب ما أظهرته مقارنة الصور الفضائية بين ديسمبر/كانون الأول 2025 و20 يوليو/تموز الجاري.
ويمتد الضرر كذلك باتجاه الأحياء الجنوبية والجنوبية الشرقية، حيث تبدو مبان قليلة ومتباعدة وسط مناطق واسعة من الأرض المكشوفة والأنقاض. كما تظهر أضرار على امتداد الطرق الرابطة بين مركز البلدة وأطرافها الشرقية المتاخمة لزوطر الشرقية. في المقابل، تبدو الأطراف الشمالية والشمالية الغربية أقل تضررا نسبيا.
وتتطابق هذه الأنماط الظاهرة في صور الأقمار الصناعية مع المشاهد الميدانية التي نُشرت عقب بدء عودة الأهالي إلى زوطر الغربية، إذ تظهر الطرق الداخلية مغطاة بالركام، ومنازل ومتاجر مدمرة كليا أو جزئيا، خصوصا في مركز البلدة.
في زوطر الشرقية، يمتد نطاق الضرر على مساحة جغرافية أوسع، ويتركز بصورة خاصة في وسط البلدة والقطاعين الجنوبي والجنوبي الغربي.
وتظهر في هذه المناطق مساحات فقدت جزءا كبيرا من كثافتها العمرانية، إلى جانب طرق ترابية عريضة ومسارات جديدة تتخلل مواقع الركام. كما يبدو الحزام الغربي من البلدة -المتصل بزوطر الغربية- من أكثر المناطق تضررا في الصورة.
وفي المقابل، حافظت بعض أجزاء الشمال والشمال الشرقي على عدد أكبر من المباني والحقول الزراعية، لكن الضرر يظل ظاهرا بصورة متفرقة داخل الأحياء وعلى طول محاور الطرق.
ولا يقتصر المشهد في زوطر الشرقية على آثار الدمار الظاهرة في صور الأقمار الصناعية، إذ نشر مصور لبناني -أمس الثلاثاء 28 يوليو/تموز- مقاطع قال إنه وثقها في اليوم السابق، تُظهر تحركات لآليات عسكرية وجنود إسرائيليين بين المنازل وعلى الطرق الداخلية للبلدة.
وفي سياق متصل، نشرت منصات لبنانية -أمس الثلاثاء- مقطع فيديو يوثق تصاعدا كثيفا للدخان من داخل زوطر الشرقية، بالتزامن مع أنباء عن تفجير إسرائيلي في البلدة.
بدأ الجيش اللبناني -صباح 21 يوليو/تموز الجاري- الانتشار داخل زوطر الغربية بالتنسيق مع مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان، ودعا السكان حينئذ إلى عدم التوجه إلى البلدة قبل استقرار الوضع الأمني.
وأكد الجيش لاحقا أن وحداته دخلت زوطر الغربية، لكنها لم تدخل زوطر الشرقية. وقال إن قوات إسرائيلية اقتربت من أطراف البلدة الغربية، وأطلقت النار بالقرب من وحداته أثناء تنفيذ الانتشار، مما عرّض العسكريين للخطر وأعاق مهمتهم.
وبالتزامن مع الانتشار، نفذت وحدات متخصصة عمليات تفجير لذخائر غير منفجرة داخل زوطر الغربية، بما يعكس استمرار المخاطر التي تواجه السكان حتى في المناطق التي شهدت انتشارا عسكريا لبنانيا.
وفي 23 يوليو/تموز، تفقد قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل الوحدات المنتشرة في البلدة، وشدد على اتخاذ الإجراءات الضرورية لتأمين عودة آمنة للسكان. وفي اليوم التالي، بدأ عدد محدود من أهالي زوطر الغربية دخول البلدة ضمن مجموعات صغيرة وبمواكبة الجيش اللبناني، لتفقد منازلهم وممتلكاتهم.
وأعلن الجيش اللبناني استمرار مواكبة عودة الأهالي إلى زوطر الغربية في 26 يوليو/تموز، وقال إن إطلاق النار الإسرائيلي قرب نقاط تمركزه في البلدة يعرقل تنفيذ مهماته.
لا تقتصر الآثار الظاهرة على المنازل، إذ تُظهر الصورة تغيرات واسعة في الأراضي الزراعية المحيطة بالكتلتين العمرانيتين، فضلا عن تجريف مساحات مجاورة للطرق.
ومن شأن تراكم الركام وتضرر الطرق -إلى جانب وجود الذخائر غير المنفجرة- أن يجعل العودة مرتبطة بأكثر من مجرد انتهاء العمليات العسكرية؛ إذ تتطلب إعادة فتح البلدتين مسحا هندسيا، وإزالة الأنقاض، وإعادة شبكات المياه والكهرباء والاتصالات، وفحص سلامة المباني المتبقية.
ويكشف المشهد مفارقة ميدانية بين بلدتين تشكلان فعليا كتلة جغرافية وعمرانية واحدة. ففي زوطر الغربية بدأ انتشار الجيش اللبناني وأعمال المسح الهندسي، في حين بقيت زوطر الشرقية خارج الانتشار المعلن.
ويعني هذا أن عودة السكان إلى الغربية لا تنفصل عن الوضع في الشرقية المجاورة، لا سيما أن الطرق والأحياء ومناطق الضرر تمتد عبر الحدود الإدارية بين البلدتين، في مشهد تبدو فيه آثار الحرب متصلة حتى إن اختلفت خرائط السيطرة والانتشار.
وكان تقييم -نشره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في يونيو/حزيران الماضي- قد أحصى على مستوى جنوب لبنان 11 ألفا و95 مبنى مدمرا كليا، إضافة إلى 2242 مبنى متضررا جزئيا و9311 مبنى تعرّض لأضرار طفيفة. وأوضح البرنامج أن التقييم اعتمد صور أقمار صناعية عالية الدقة، لكنه لم يشمل الأضرار التي لحقت بالطرق والجسور وشبكات الكهرباء والمياه والاتصالات.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة