اعتمدت الولايات المتحدة لسنوات على شبكة واسعة من أدوات النفوذ التي تجاوزت القوة العسكرية والاقتصادية، من جامعات تستقطب أفضل العقول إلى تحالفات راسخة، وصولا إلى ثقلها الدبلوماسي وقدرتها على التأثير في قرارات الدول الأخرى.
ولكن مع دخول الرئيس الـ47 البيت الأبيض، بدأت مظاهر تآكل القوة الناعمة والهيبة الأمريكية في الظهور، إذ أدت سياسات دونالد ترمب إلى تراجع جاذبية الولايات المتحدة ومصداقيتها لدى الحلفاء، وتآكل بعض ركائز قوتها الناعمة.
وبحسب تقارير الصحافة البريطانية، ظهر هذا التراجع في 3 ساحات مختلفة: التعليم والقوة الناعمة داخليا، والدبلوماسية والسياسة الخارجية دوليا، والعلاقات مع الحلفاء، فهذه التطورات وإن بدت منفصلة، ترسم صورة واحدة لتآكل أدوات النفوذ الأمريكي.
وتنطلق هذه الرؤية من الداخل الأمريكي، إذ يؤكد الصحفي أندرو غومبل -في مقال نشرته صحيفة آي بيبر البريطانية بعنوان "الهيبة الأمريكية ماتت.. لقد قتلها ترمب في جامعة تلو الأخرى"- أن الحرب التي يشنها ترمب على مؤسسات التعليم العالي ليست عشوائية كما تبدو، بل تستند إلى إستراتيجية سياسية مدروسة.
ورغم تبرير الإدارة الأمريكية إجراءاتها بمكافحة معاداة السامية، فإن الحملة -كما يوضح الكاتب- لا تعكس مجرد نزعة انتقامية لدى ترمب أو رغبة في إخضاع أعرق الجامعات لسلطته، بل تمثل جزءا من مشروع محافظ أوسع يهدف إلى إضعاف المؤسسات الأكاديمية التي تضع أسس المقاومة الليبرالية لأجندة الجمهوريين في البلاد.
ولدعم فرضيته، يشير الكاتب إلى كتيب مهام الجمهوريين، أو ما يعرف بـ" مشروع 2025" الذي يدعو إلى إعادة توجيه التعليم العالي نحو التدريب المهني وتقليص دعم الدراسات الإنسانية والبحوث، باعتبار الجامعات مؤسسات يهيمن عليها الفكر "اليقظ" ("ووك").
ويتبع ترمب وإدارته هذه الخطة دون الاكتراث بعواقبها الكارثية، بما في ذلك الطعن في سمعة واشنطن دوليا، وحرمان الجامعات من مصدر تمويل أساسي هو الطلاب الدوليون، وفتح المجال أمام دول أخرى منافسة لملء الفراغ، وتقويض المؤسسات البحثية الأمريكية المسؤولة عن حماية البلاد من الجائحة القادمة أو تطوير الذكاء الاصطناعي.
وقد فرضت إدارة ترمب تخفيضات كبيرة للتمويل الفدرالي المخصص للبحث العلمي، وشددت قيود التأشيرات على الطلاب الأجانب، مما أدى إلى تراجع أعدادهم بنحو 17%، فضلا عن توقيف بعضهم أو التهديد بترحيلهم بسبب مواقفهم السياسية مثل دعم غزة، وهو ما أضعف مكانة الجامعات الأمريكية وجاذبيتها الدولية، بحسب المقال.
وأصبحت الجامعات تعيش حالة الهلع السائدة بين الأساتذة والطلاب في الجامعات الأمريكية خشية الوشاية بهم أو مراقبتهم من قِبل لجان يمينية لمجرد بحثهم في مواضيع حساسة مثل الشرق الأوسط أو الاستعمار أو إرث العبودية.
ولا تقتصر تداعيات ذلك على الولايات المتحدة وحدها -كما يتابع المقال- إذ يجري تفكيك شبكات كاملة من التعاون الدولي وتبادل المعرفة، في إطار ما يصفه الكاتب بـ"نمط أوسع من سياسات ترمب الجيوسياسية التي تجعل العالم أقل تعاونا وأقل أمانا".
ويوافق كاتب العمود لدى صحيفة فايننشال تايمز البريطانية إدوارد لوكي على تقييم غومبل، إذ لا ينفك نفوذ واشنطن وقوة ترمب يتضاءلان -حسب رأيه- وذلك أمر مثير للاهتمام نظرا إلى أن أغلب فترة رئاسة ترمب ركزت على تعزيز قوته في جميع المجالات، العسكرية والمدنية والسياسية والقضائية.
وخلاصة رأي لوكي هي أن ترمب -رغم توسيعه صلاحيات الرئاسة الأمريكية- بدأ يفقد قدرته على التأثير في السياسة الدولية لأن تصريحاته المتكررة والمبالغ فيها، بجانب أسلوبه القائم على "الاستفزاز الرقمي"، وإدارة السياسة بمنطق الصفقات التجارية الشخصية، أفقدته المصداقية.
هوس ترمب بالقوة يأتي بنتائج عكسية وهو أمر يمكن رؤيته في إيران، حيث لم تفض القدرات العسكرية الهائلة للجيش الأمريكي إلى حل للأزمة
بواسطة إدوارد لوكي
ويبدو أن هوس ترمب بالقوة يأتي بنتائج عكسية -بحسب المقال- وهو أمر يمكن رؤيته في إيران، حيث لم تفضِ القدرات العسكرية الهائلة للجيش الأمريكي إلى حل للأزمة التي أسهمت في تقويض ثقة الحلفاء بواشنطن.
كما يتجلى تضاؤل موثوقية ترمب في الأسواق، ففي بداية الحرب على إيران، كانت كل جملة أو كلمة منه ترسل صواعق تهز الأسواق المالية وأسواق الطاقة، أما الآن، فمهما استرسل في الكلام أو المنشورات، سواء بالتهديد بمحو إيران أو بادعاء موافقتها على اتفاقية ما، فإن العالم المالي ينظر إليه بعدم اهتمام ويهز كتفيه ويتابع عمله.
وبينما تبدو تصرفات ترمب "غير عقلانية" -وفق المقال- بالمعايير الدبلوماسية التقليدية، فإنها مفهومة تماما ضمن معياره الخاص، فهو يضحي بالاستقرار الجيوسياسي والمصداقية طويلة الأجل من أجل تحقيق مكاسب تجارية لعائلته وتركيز اهتمام الرأي العام عليه، مما يضمن صفقات سريعة تعود بالنفع على مصالحه الخاصة على حساب المصلحة القومية للولايات المتحدة.
ولا يقتصر الحديث عن تراجع جاذبية الولايات المتحدة على تقييمات المحللين، بل تدعمه مؤشرات اقتصادية وسلوكية لدى أقرب حلفائها، وفي مقدمتها كندا.
وترصد صحيفة غارديان البريطانية -في تقرير أعدته الصحفية أوليفيا بودين- أحد أوضح مظاهر هذا التحول. فبحسب بيانات هيئة الإحصاء الكندية، تراجع إنفاق الكنديين على السفر إلى الولايات المتحدة في عام 2025 نحو 3.3 مليارات دولار مقارنة بالعام السابق، في حين ارتفع إنفاقهم على السفر إلى وِجهات دولية أخرى بنحو 3.6 مليارات دولار.
زادت زيارات الكنديين لأوروبا بنسبة تقارب 14% ولآسيا بنحو 17% مقارنة بالعام السابق
ويعزو التقرير هذا التحول إلى سياسات ترمب، ولا سيما الرسوم الجمركية، وشعار "أمريكا أولا"، إلى جانب تصريحاته المتكررة بشأن ضم كندا، مما دفع كثيرا من الكنديين إلى استبدال أوروبا وآسيا بوجهاتهم الأمريكية.
ولم يكن هذا التراجع نتيجة انخفاض رغبة الكنديين في السفر عموما، بل أعادوا توجيه إنفاقهم إلى وِجهات أخرى، إذ زادت زياراتهم عام 2025 إلى أوروبا بنسبة تقارب 14% وإلى آسيا بنحو 17%، مقارنة بالعام السابق.
وتوضح هذه المؤشرات أن التحدي الذي تواجهه الولايات المتحدة في عهد ترمب يمتد إلى الأدوات التي بنت بها واشنطن نفوذها لعقود، فالجامعات التي جذبت العقول، والدبلوماسية التي عززت الثقة، والعلاقات الوثيقة مع الحلفاء، جميعها تواجه ضغوطا متزامنة.
ويحذر الكاتبان غومبل ولوكي من أن هذه التحولات يصعب عكسها، وهي لا تمثل أزمات مؤقتة فحسب، بل تغييرات قد تعيد تشكيل مكانة الولايات المتحدة عالميا حتى بعد انتهاء ولاية ترمب.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة