مع اشتداد المعارك وتوسع رقعة الاستهدافات في الشرق الأوسط، يبرز سؤال مصيري: إلى أين تتجه الحرب بين أمريكا وإيران في الأيام المقبلة؟ وهل هناك مخرج حقيقي من دائرة التصعيد؟
بينما تؤكد إدارة ترامب انفتاحها على الدبلوماسية -كما جاء على لسان وزير الخارجية ماركو روبيو - فإنها تواصل توسيع نطاق ضرباتها ضد البنية التحتية الإيرانية.
في المقابل، تتمسك طهران بمضيق هرمز كأداة ضغط استراتيجية، وتُصدر النيران إلى دول الخليج، فيما تتعامل مع خصمها بأعلى درجات انعدام الثقة. غير أن السؤال المطروح هو: إلى أي حد يمكن للجمهورية الإسلامية أن تستمر بهذه الاستراتيجية، وإلى أي سقف يمكنها الضغط على دول الخليج دون أن تواجه التبعات؟
في الداخل الأمريكي، يضع مقتل المزيد من الجنود وعودة أسعار البنزين إلى الارتفاع، الحزب الجمهوري أمام اختبار صعب قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر المقبل. ولذلك، يعتقد العديد من المراقبين أن الرئيس ترامب لا يريد تفجير الأوضاع مجددًا، خاصة مع تهديد الحوثيين بإغلاق مضيق باب المندب، غير أن شبح العودة إلى حرب شاملة ما يزال قائمًا.
في هذا السياق، ترى منى يعقوبيان من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن التصعيد المتواصل يعكس "قراءة خاطئة للذهنية الإيرانية"، محذرة من أن كلا الطرفين يراهن على التصعيد لكسر الجمود، غير أن الخطر الأكبر يكمن في أن هذه الاستراتيجية قد تغلق أي نافذة للعودة إلى الدبلوماسية، خاصة مع تعقّد المشهد وتشابك أطرافه الإقليمية.
من ناحية أخرى، يشير الدبلوماسي الأمريكي السابق آلان آير إلى أن الإدارة الأمريكية تبدو "حائرة" وتفتقر إلى استراتيجية متماسكة للخروج من ما يصفه بـ"المستنقع"، فهي تعتمد على "مستشارين ذوي خبرة محدودة في العلاقات الدولية". وغياب الثقة بين واشنطن وطهران يجعل أي تسوية مرتقبة أشبه بـ"طريق صعب لكن ممكن نظريًا"، في إشارة إلى صعوبة تجاوز حالة الجمود الحالية.
ومع ذلك، تظل هناك إشارات إيجابية ضئيلة، مثل الرد "المضبوط" من ترامب ووزير الدفاع بيت هيغسيث على مقتل الجنود في الأردن، وإفراج إيران عن أمريكية-إيرانية. لكن هذه البوادر قد تتبخر سريعًا إذا ما توسع الحصار البحري الذي فرضه الحوثيون على السعودية ليشمل إغلاق مضيق باب المندب بالكامل، وهو سيناريو وصفته يعقوبيان بـ"العاصفة المثالية" التي قد تهز اقتصادًا عالميًا هشًا أصلاً، وتغلق نهائيًا أي أفق دبلوماسي.
عسكريًا، يرى خبراء أن الضربات الجوية الأمريكية وحدها غير كافية لكسر إيران، وأن حرب الاستنزاف تصب في مصلحتها. فوفقًا لكريستوفر بريبل، الباحث في مركز ستيمسون للأبحاث المتخصص في السياسة الخارجية الأمريكية، فإن الصراع أظهر بوضوح حدود الاعتماد على القوة الجوية وحدها، غير أنه لاحظ أن إرسال قوات برية سيكون خيارًا غير شعبي لدى العديد من الأمريكيين وأعضاء الكونغرس، مما يضع الإدارة أمام معضلة حقيقية، إذ تبدو الخيارات كلها مسدودة أو مكلفة للغاية.
ويضيف بريبل: "يبدو أن الرئيس ترامب يمتلك بالتأكيد القدرة على مواصلة القصف، وستمتلك إيران القدرة على مواصلة إبقاء المضيق مغلقًا - أو مغلقًا بما يكفي"، وهو ما يكشف عن جمود خطير يهدد بإطالة أمد النزاع دون حسم في الأفق.
من جهته، يقول ديفيد شينكر، المسؤول السابق في إدارة ترامب الأولى والزميل الآن في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إن الضربات الجديدة على البنية التحتية الإيرانية هي مجرد تكرار لهجمات الأسابيع الأولى من الحرب، والتي لم تؤدِ إلى استسلام إيران، مشيرًا إلى أن "الولايات المتحدة ضربت 13 ألف هدف في الأسابيع الستة الأولى من الحرب، وهذا لم يدفع إيران للركوع".
أما فرانك كيندال، وزير القوات الجوية السابق الذي خدم في عهد الرئيس جو بايدن ، فيذهب إلى أن حروبًا سابقة مثل فيتنام أظهرت حدود القوة الجوية الأمريكية وحدها، مضيفًا: "عمومًا، عليك أن تقترن القوة الجوية بعمليات برية، وأحيانًا عمليات بحرية أيضًا، وبالتأكيد الفضاء اليوم_"_، في إشارة إلى أن الحسم العسكري يتطلب أدوات أوسع من القصف الجوي وحده.
ويوضح كيندال أنه عند شن الحرب في 28 فبراير، ضربت الولايات المتحدة العديد من الأهداف الثابتة التي تم تحديدها قبل بدء النزاع، لكن إيران كان لديها وقت طويل للاستعداد للهجمات من خلال إخفاء وتشتيت الأسلحة، مما جعل الضربات اللاحقة أقل فاعلية بكثير.
ويختتم كيندال: "لذا فإن الأهداف السهلة قد اختفت إلى حد كبير. يمكنهم إخفاء الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والمركبات الجوية الصغيرة بسهولة. لذا فهي مهمة صعبة للغاية لمحاولة قمع هذا النوع من التهديد على مدى فترة من الزمن. ولهذا السبب ما زالوا قادرين على مهاجمة ليس فقط السفن في المضيق، ولكن أيضًا قواعدنا في المنطقة وما إلى ذلك".
المصدر:
يورو نيوز