في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تتسارع وتيرة المأساة الإنسانية في مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان وسط السودان، مع استمرار المواجهات العسكرية حول المدينة وتفاقم أوضاع مئات الآلاف من النازحين الذين وجدوا أنفسهم عالقين بين مخاطر القتال ونقص الغذاء والدواء والمياه.
وخلال نقاش في برنامج "ما وراء الخبر" على الجزيرة، طرحت تساؤلات حول أسباب تفاقم الوضع الإنساني في الأبيض، ولماذا أصبح المدنيون في قلب المواجهة، وما الذي يجعل هذه المعركة ذات خصوصية إنسانية وعسكرية، إضافة إلى أسباب تعثر الجهود الدولية في فرض هدنة إنسانية رغم تعدد مبادرات التسوية.
تأتي التحذيرات الإنسانية في وقت كشف فيه مفوض العون الإنساني بولاية شمال كردفان محمد إسماعيل أن نحو 400 ألف نازح فقط من أصل 1.2 مليون نازح في مدينة الأبيض يحصلون على حصص غذائية، ما يعني وجود فجوة تتجاوز 50% في الاحتياجات الغذائية.
وأوضح التقرير أن المدينة تستضيف أعدادا كبيرة من النازحين القادمين من مناطق مختلفة، وأن النزوح لم يعد يقتصر على أفراد أو عائلات محدودة، بل باتت قرى بأكملها تتحرك باتجاه الأبيض بحثا عن الأمان، ما ضاعف الضغط على الموارد والخدمات.
وتسبق هذه التحذيرات الإنسانية صرخة أطلقتها نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية أمام مجلس الأمن الدولي، حذرت فيها من خطر تكرار الفظائع التي شهدها إقليم دارفور في مدينة الأبيض، داعية إلى تحرك سريع لمنع وقوع انتهاكات واسعة، ومؤكدة أن الأسوأ قد يكون قادما إذا لم يتم التدخل.
ووصف المستشار لدى المجلس النرويجي للاجئين إلياس أبو عطة الوضع في الأبيض بأنه من أصعب المراحل منذ اندلاع الحرب، مشيرا إلى أن المدنيين يعيشون تحت ضغط الهجمات، وأن الوصول إلى الخدمات الأساسية أصبح أمرا بالغ الصعوبة.
وقال أبو عطة إن سكان المدينة يواجهون معاناة يومية للحصول على المياه، حيث تضطر بعض الأسر للانتظار لساعات طويلة قد تصل إلى عشر ساعات للحصول على مياه غير نظيفة، ما يجبرها على المفاضلة بين استخدامها للشرب أو الطهي أو النظافة.
وأضاف أن ارتفاع أسعار الوقود والغذاء جعل كثيرا من السكان عاجزين عن تحمل تكاليف الحياة اليومية، محذرا من أن بداية موسم الأمطار في السودان تزيد مخاطر انتشار الكوليرا والأمراض المرتبطة بتلوث المياه.
وأشار المستشار لدى المجلس النرويجي للاجئين إلى أن المساعدات الإنسانية تصل إلى المدينة، لكنها لا تصل بالحجم المطلوب مقارنة بحجم الاحتياجات، موضحا أن بعض السكان تمكنوا من مغادرة الأبيض بسبب قدرتهم على تحمل تكاليف النزوح، بينما بقي آخرون عاجزين عن الخروج بسبب ارتفاع تكاليف السفر.
وحول أسباب ضعف تدفق المساعدات، قال أبو عطة إن المشكلة لا ترتبط فقط بنقص التمويل، بل أيضا بالمخاطر الأمنية التي تواجه عمليات الإغاثة، مشيرا إلى تقارير عن استهداف مسيرات لشاحنات وبنى تحتية مدنية مثل المستشفيات والمدارس.
وأوضح أن منظمات الإغاثة تطالب فقط بضمان وصول المساعدات إلى المدنيين دون تعريضهم للخطر، واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني.
وضرب مثالا بحالات قال إن منظمته سمعت عنها من أشخاص على الأرض، بينهم شخص فقد ابنه بعد قصف شاحنة كان يعمل عليها، وآخر فقد ساقه جراء القصف، إضافة إلى عائلة فقدت مأواها في أحد مخيمات النزوح داخل الأبيض.
وأكد أبو عطة أن التواصل بين المنظمات الإنسانية والأطراف المتحاربة يهدف فقط إلى تسهيل الوصول للمدنيين وليس الدخول في ترتيبات سياسية، مشددا على أن الأولوية يجب أن تكون حماية حياة السكان.
من جانبه، رأى الدكتور فتحي أبو عمار، الأكاديمي السوداني ورئيس تحرير صحيفة الوسط، أن معالجة الأزمة تتطلب النظر إلى جذورها وليس الاكتفاء بتبادل الاتهامات بين أطراف الحرب.
وقال أبو عمار إن الأبيض تعيش بين "مطرقة الجوع وسندان الحرب"، معتبرا أن هناك مسؤولية على الطرفين في الوصول إلى حلول، ومشيرا إلى أن الأزمة الإنسانية لا يمكن إنهاؤها إلا عبر مسار تفافضي.
وأضاف أن إدخال المساعدات يواجه عقبات، مستشهدا بتصريحات لمسؤولين أمميين قالوا إن إيصال الإغاثة إلى الأبيض يواجه صعوبات، خصوصا عبر الطرق المفتوحة من جهة الجيش.
وفي تفسيره لطبيعة المعركة، قال أبو عمار إن الأبيض تحولت إلى منطقة عسكرية، وإن وجود أعداد كبيرة من القوات داخل المدينة أدى -بحسب قوله- إلى تداخل المناطق العسكرية والمدنية، وهو ما يزيد مخاطر تعرض السكان للخطر.
وأشار إلى أن استمرار القتال داخل المدن يهدد بوقوع كوارث، داعيا الجيش إلى الانسحاب من المناطق المدنية أو التوجه نحو خيار السلام، محذرا من أن استمرار المواجهة داخل المدينة قد يؤدي إلى نتائج كارثية.
أما الدكتور رشيد محمد إبراهيم، الأكاديمي والباحث السياسي، فقدم قراءة مختلفة للمشهد، مؤكدا أن الأبيض أصبحت مركز تجمع للنازحين الذين فروا من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع.
وقال إبراهيم إن المدنيين لم يتجهوا إلى مناطق أخرى مثل النهود أو بارا أو الخوي، بل اختاروا الأبيض بسبب خوفهم من الانتهاكات، مضيفا أن المجتمع الدولي يحذر من تكرار مأساة الفاشر في المدينة.
واتهم إبراهيم قوات الدعم السريع بأنها تتحمل مسؤولية كبيرة عن تدهور الوضع الإنساني، مشيرا إلى أنها تستهدف محطات الطاقة والمياه وشاحنات الوقود والغذاء، وهو ما يزيد معاناة السكان.
وأضاف أن الحل من وجهة نظره يتمثل في إبعاد قوات الدعم السريع عن محيط الأبيض وفتح الطرق، مشيرا إلى أن الجيش يعمل على التقدم في عدد من المحاور القريبة من المدينة، بينها بارا وجبرة الشيخ والخوي وأبو سنون وكازكيل.
ورأى إبراهيم أن السيطرة على الأبيض تمثل نقطة تحول في مسار الحرب، باعتبارها مدينة إستراتيجية تربط مناطق عدة وتملك أهمية اقتصادية وعسكرية كبيرة.
وحول تحذيرات المحكمة الجنائية الدولية من تكرار سيناريو دارفور، عاد النقاش إلى طبيعة الانتهاكات التي شهدتها مناطق مختلفة من السودان منذ اندلاع الحرب.
وقال الدكتور فتحي أبو عمار إن الحل لا يمكن أن يكون عسكريا، مؤكدا أن استمرار القتال سيؤدي إلى مزيد من المعاناة، ودعا إلى العودة إلى طاولة التفاوض.
في المقابل، اعتبر الدكتور رشيد محمد إبراهيم أن المقارنة بين الأبيض ودارفور تعكس مخاوف حقيقية من تمدد الانتهاكات، مؤكدا أن إنهاء الخطر -بحسب رأيه- يمر عبر إنهاء قدرة قوات الدعم السريع على التقدم عسكريا.
وبينما يستمر الجدل بين الطرفين حول مسؤولية تفاقم الأزمة، يبقى المدنيون في الأبيض أمام واقع بالغ القسوة، حيث تتقلص خياراتهم بين البقاء تحت خطر القتال، أو النزوح في ظل غياب ضمانات الأمان، في وقت لم تنجح فيه الضغوط الدولية حتى الآن في فرض هدنة إنسانية توقف نزيف المدينة.
المصدر:
الجزيرة