آخر الأخبار

من التفاوض إلى التكيف.. هل تستعد مصر لمواجهة الجفاف والعجز المائي؟

شارك

القاهرة – على امتداد أكثر من عقد، دارت معركة مصر مع سد النهضة الإثيوبي داخل قاعات التفاوض، بين جولات ترعاها أطراف إقليمية ودولية، ومحاولات متكررة للتوصل إلى اتفاق ينظم ملء وتشغيل السد ويحافظ على الحقوق المائية لدولتي المصب.

لكن في الأشهر الأخيرة، بدت ملامح مختلفة تتشكل بعيدًا عن طاولة المفاوضات، فبينما لا يزال الجمود يخيم على المسار السياسي، تتسارع خطوات حكومية على الأرض تشمل إعادة رسم الخريطة المحصولية، والتوسع في إنتاج أصناف زراعية أقل استهلاكا للمياه، وزيادة الاعتماد على نظم الري الحديثة، إلى جانب ضخ استثمارات ضخمة في تحلية مياه البحر وإعادة استخدام المياه.

ورغم أن الحكومة المصرية تقدم هذه الإجراءات باعتبارها جزءًا من إستراتيجية طويلة الأمد لمواجهة ندرة المياه وتغير المناخ، فإن تزامنها مع تعثر مفاوضات سد النهضة يثير تساؤلا محوريا: هل بدأت القاهرة بالفعل تنفيذ خطة عملية للتكيف مع احتمال دخول المنطقة في سنوات جفاف مائي، أم أنها مجرد سياسات احترازية كانت مطروحة قبل أزمة السد؟

ويكتسب هذا السؤال أهمية إضافية مع استمرار الغموض بشأن فرص نجاح التحركات الدولية، وفي مقدمتها المساعي الأمريكية، لإعادة مصر و إثيوبيا إلى مسار تفاوضي يفضي إلى اتفاق ملزم، في وقت تتعامل فيه القاهرة مع احتمال استمرار الوضع الراهن باعتباره سيناريو يجب الاستعداد له، وليس مجرد فرضية سياسية.

مصدر الصورة لقاء وزيري الزراعة والري عقب اجتماع مع عدد من الشركات الهندية لبحث التوسع في زراعة الدخن (وزارة الري-فيسبوك)

مؤشرات على الأرض

خلال الأسبوع الأخير يونيو/حزيران الماضي، بدت التحركات الحكومية في ملف المياه والزراعة أكثر كثافة من المعتاد، ففي القاهرة، عقد وزيرا الزراعة علاء فاروق والموارد المائية والري هاني سويلم اجتماعًا مع ممثلي شركات وهيئات هندية لبحث التعاون في مجالات الزراعة المستدامة، والأمن الغذائي، والإدارة الحديثة للمياه، والتوسع في زراعة محاصيل تتحمل الجفاف، وفي مقدمتها الدخن.

إعلان

وفي التوقيت نفسه، كان رئيس الوزراء مصطفى مدبولي يتابع، في اجتماع آخر، مستجدات تنفيذ الخطة الإستراتيجية لتحلية مياه البحر، معلنًا تلقي الحكومة عروضًا من شركات عالمية لتنفيذ مشروعات جديدة، واصفًا التحلية بأنها أحد الحلول المستدامة لتوفير الموارد المائية اللازمة للتنمية.

ورغم اختلاف الملفين، فإن اجتماعهما في توقيت واحد يعكس -حسب خبراء- مسارًا حكوميًا يقوم على تنويع مصادر المياه وتقليل الضغط على حصة مصر الثابتة من مياه نهر النيل والتي تقدر بـ55.5 مليار متر مكعب من المياه، في ظل بيئة إقليمية تزداد تعقيدًا.

ولا تبدو هذه الإجراءات منفصلة عن بعضها، بل تندرج ضمن رؤية أوسع تستهدف رفع كفاءة استخدام كل متر مكعب من المياه، سواء عبر تغيير أنماط الزراعة، أو استنباط أصناف جديدة، أو التوسع في إعادة استخدام المياه، أو الاعتماد بصورة أكبر على التحلية.

مصدر الصورة وزارة الري وضعت سيناريوهات متعددة للتعامل مع احتمالات الجفاف الممتد وأجرت محاكاة لإدارة منظومة المياه (غيتي)

من التفاوض إلى التكيف

يرى أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة الدكتور عباس شراقي أن مصر كانت تعاني أصلا من حالة ندرة مائية قبل ظهور أزمة سد النهضة، نتيجة وقوعها في نطاق جغرافي صحراوي، مقابل ثبات مواردها المائية تقريبا، واستمرار الزيادة السكانية التي ترفع الطلب على المياه عامًا بعد آخر.

وبحسب شراقي، فإن سد النهضة لم ينشئ الأزمة، لكنه أضاف إليها عاملًا جديدًا يزيد من تعقيد إدارة الموارد المائية، وهو ما دفع الدولة إلى تبني سياسة طويلة الأجل لمواجهة العجز المتوقع.

ويشير -في حديث للجزيرة نت- إلى أن مصر كانت محظوظة خلال سنوات الملء السبع، إذ لم تتزامن مع موجات جفاف أو جفاف ممتد في حوض النيل الأزرق، وهو ما منح منظومة إدارة المياه مساحة للحركة، وساعد في تجنب تأثيرات مباشرة على المواطنين.

لكن هذا "الحظ"، كما يصفه، لم يكن العامل الوحيد، إذ رافقته استثمارات ضخمة تجاوزت 500 مليار جنيه ( نحو 10 ميارات دولار) يعادل في مشروعات تحلية مياه البحر، ومعالجة مياه الصرف الزراعي، وإعادة الاستخدام، بهدف تخفيف الضغط على المياه العذبة المخصصة للشرب والزراعة.

مصدر الصورة مصر تعاني من ندرة مائية قبل ظهور أزمة سد النهضة نتيجة وقوعها في نطاق صحراوي مقابل ثبات مواردها المائية (غيتي)

ويعتبر شراقي أن هذه المشروعات لا يمكن النظر إليها باعتبارها استجابة طارئة لسد النهضة فقط، وإنما جزء من "منظومة مكتملة" بدأت الدولة في بنائها منذ سنوات، وتشمل تطوير أصناف زراعية أقل استهلاكًا للمياه، والتوسع في نظم الري الحديثة، والحد من الري بالغمر في الأراضي الجديدة، إلى جانب إعادة تنظيم زراعة المحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه، وعلى رأسها الأرز، عبر تشريعات تنظم المساحات المسموح بزراعتها.

ويعكس هذا المسار، بحسب الخبير المصري، إدراكًا مبكرًا لدى صانع القرار بأن إدارة ملف المياه لن تعتمد مستقبلًا على زيادة الموارد بقدر اعتمادها على رفع كفاءة استخدامها.

ولا يقتصر الأمر على الإجراءات الزراعية، إذ يكشف مصدر مسؤول بوزارة الموارد المائية والري، تحفظ على نشر اسمه، في حديث للجزيرة نت، أن الوزارة وضعت منذ سنوات سيناريوهات متعددة للتعامل مع احتمالات الجفاف الممتد، وأجرت بالفعل تدريبات ومحاكاة لإدارة منظومة المياه في مثل هذه الظروف.

إعلان

ويوضح المصدر أن سنوات ملء سد النهضة فرضت على الوزارة تعديل آليات تشغيل السد العالي في محافظة أسوان أكثر من مرة، ففي بعض الفترات اضطرت إلى تمرير كميات إضافية من المياه للحفاظ على المنسوب الآمن لبحيرة ناصر بعد تدفقات غير متوقعة، بينما استدعت فترات أخرى السحب من المخزون الإستراتيجي لتعويض انخفاض الوارد المائي الناتج عن عمليات الملء الإثيوبية التي جرت دون تنسيق مع دولتي المصب.

وبحسب المصدر، فإن الخبرة التي اكتسبتها أجهزة الدولة خلال تلك السنوات أصبحت اليوم جزءًا من منظومة إدارة المياه، ما يجعل التعامل مع أي نقص محتمل أكثر مرونة مقارنة ببداية الأزمة، وإن كان لا يلغي المخاطر التي قد تفرضها سنوات جفاف ممتد إذا تزامنت مع استمرار غياب اتفاق ينظم تشغيل السد.

مصدر الصورة شتلات مزروعة في حقل بنظام الري بالتنقيط (شترستوك)

هل تتغير خريطة الزراعة المصرية؟

تبدو الزراعة ساحة الاختبار الأكثر حساسية للتحركات المصرية، إذ تستهلك ما يزيد على ثلاثة أرباع الموارد المائية في مصر، ما يجعل أي سياسة لترشيد المياه تبدأ عمليًا من الحقول.

غير أن ما يجري داخل القطاع الزراعي لا يقتصر على استبدال محصول بآخر، بل يعكس -وفق متخصصين- تحولًا أوسع في فلسفة إدارة المياه، يقوم على تعظيم إنتاجية "وحدة المياه" بدلاً من التوسع في استهلاكها.

في هذا السياق، يؤكد رئيس مركز معلومات تغير المناخ بوزارة الزراعة الدكتور محمد علي فهيم أن التعاون بين وزارتي الزراعة والموارد المائية لم يعد يركز على زيادة الرقعة الزراعية فحسب، وإنما على تحقيق أعلى إنتاج ممكن من كل متر مكعب من المياه، عبر حزمة متكاملة تشمل استنباط أصناف أقل استهلاكًا للمياه، وتطوير نظم الري، وتحسين إدارة المحاصيل، بما يتوافق مع الإستراتيجية الوطنية للموارد المائية 2037 والإستراتيجية الوطنية للتغيرات المناخية 2050.

ويشير فهيم، إلى أن الحديث عن إدخال محاصيل جديدة لا يعني التخلي عن المحاصيل الإستراتيجية التي يعتمد عليها الأمن الغذائي المصري، بل يهدف إلى بناء منظومة أكثر مرونة في مواجهة تغير المناخ واحتمالات الجفاف، من خلال تنويع المحاصيل وتحسين توزيعها الجغرافي وفقًا لطبيعة التربة والموارد المائية.

مصدر الصورة يحتاج نبات الدخن إلى كميات مياه أقل مقارنة بالحبوب التقليدية (غيتي)

الدخن.. من محصول هامشي إلى خيار إستراتيجي

ومن بين المحاصيل التي حظيت باهتمام متزايد خلال السنوات الأخيرة يبرز "الدخن"، الذي ظل لعقود خارج دائرة الاهتمام التجاري الواسع، قبل أن يتحول إلى أحد أبرز المرشحين للتوسع في زراعته داخل المناطق الأكثر تعرضًا لندرة المياه.

ويعزو فهيم -في حديث للجزيرة نت- هذا الاهتمام إلى قدرة الدخن على تحمل درجات الحرارة المرتفعة والجفاف، وإنتاجه في الأراضي الرملية والهامشية وبعض الأراضي المتأثرة بالملوحة، إلى جانب احتياجه إلى كميات مياه أقل مقارنة بعدد من محاصيل الحبوب التقليدية.

وتشير نتائج الدراسات التي أجراها مركز البحوث الزراعية، بالتعاون مع جامعات مصرية، بحسب فهيم، إلى أن المحصول أظهر نتائج واعدة في عدد من المناطق، بينها جنوب الصعيد والوادي الجديد وسيناء وشرق العوينات وتوشكى، مع إمكانية استخدامه في إنتاج الحبوب أو الأعلاف أو السيلاج، وهو ما يمنحه قيمة اقتصادية وغذائية في الوقت نفسه.

لكن فهيم يلفت إلى أن هذه النتائج لا تعني أن الدخن سيصبح بديلًا مباشرًا للقمح أو الذرة الشامية، بل يمثل محصولًا مكملًا يوسع قاعدة الخيارات الزراعية، ويمنح الدولة قدرة أكبر على التكيف مع الظروف المناخية المتغيرة، دون الإخلال باحتياجات السوق أو منظومة الأمن الغذائي.

سورجم وكينوا وشعير.. توسيع دائرة الخيارات

ولا يتوقف توجه وزارة الزراعة عند الدخن وحده، إذ يكشف رئيس مركز معلومات تغير المناخ عن دراسة إدخال عدد من المحاصيل الأخرى التي تتمتع بكفاءة مرتفعة في استخدام المياه.

إعلان

وفي مقدمة هذه المحاصيل يأتي السورجم (الذرة الرفيعة)، الذي يتميز بتحمله درجات الحرارة المرتفعة واحتياجه إلى كميات مياه أقل من الذرة الشامية، إلى جانب الشعير الذي يزداد الاهتمام به في المناطق الساحلية والأراضي الجديدة بفضل قدرته على تحمل الجفاف والملوحة.

كما يبرز نبات الكينوا ضمن المحاصيل التي حققت نتائج إيجابية في التجارب البحثية داخل مصر، نتيجة قدرته على النمو في الأراضي الملحية وتحمل نقص المياه، وهو ما يجعله أحد الخيارات المطروحة ضمن خطط تنويع الخريطة المحصولية مستقبلًا.

ويرى فهيم أن أهمية هذه المحاصيل لا تكمن في حجم المساحات المزروعة بها حاليًا، وإنما في كونها تمنح صانع القرار بدائل متعددة إذا ما واجهت البلاد ظروفًا مناخية أو مائية أكثر تعقيدًا.

ليست المحاصيل وحدها

لكن تغيير الخريطة المحصولية، بحسب فهيم، لا يمثل سوى جزء من معادلة التكيف، فالتوفير الحقيقي للمياه يتحقق أيضًا عبر استنباط أصناف مبكرة النضج، وتعميم نظم الري الحديثة، والاعتماد على الزراعة الذكية مناخيًا، والاستفادة من نظم الإنذار المبكر، وتحسين مواعيد الزراعة، وهي إجراءات يرى فهيم أنها تحقق وفرًا مائيًا قد يفوق في بعض الحالات أثر استبدال محصول بآخر.

ويبرز هنا مفهوم "التركيب المحصولي"، الذي بات أحد أهم أدوات إدارة الموارد المائية في مصر، وفقاً للمسؤول المصري بوزارة الزراعة، موضحاً أن هذا المفهوم يقوم على إعادة توزيع المحاصيل وفق طبيعة التربة، والظروف المناخية، والعائد الاقتصادي، وكميات المياه المتاحة لكل منطقة.

ويشير فهيم إلى أنه بموجب هذا التصور، لا يجري إلغاء زراعة محاصيل بعينها، وإنما إعادة توزيعها زمانيا ومكانيا بما يحقق أعلى إنتاجية ممكنة لكل متر مكعب من المياه، وهو ما يعكس انتقال إدارة الملف الزراعي من منطق التوسع في المساحات إلى منطق تعظيم كفاءة الموارد.

ويتفق كل من شراقي وفهيم على أن هذه الإجراءات، مجتمعة، تعكس تحولًا تدريجيًا في السياسة الزراعية المصرية من إدارة موسمية للمياه إلى إدارة إستراتيجية طويلة المدى، تستهدف رفع قدرة القطاع الزراعي على الصمود أمام سيناريوهات أكثر تعقيدًا، سواء ارتبطت بتغير المناخ أو باستمرار حالة عدم اليقين المحيطة بمفاوضات السد الإثيوبي.

صورة بانورامية لموقع السد العالي في أسوان تظهر جسم السد وبحيرة ناصر وبوابات تصريف المياه (الجزيرة)

تحلية مياه البحر.. الرهان الأعلى كلفة

إذا كانت إعادة هيكلة الخريطة الزراعية تستهدف تقليل الطلب على المياه، فإن تحلية مياه البحر تمثل الوجه الآخر للمعادلة، عبر البحث عن مصادر جديدة للمياه خارج نهر النيل.

وخلال السنوات الأخيرة، تحولت التحلية من مشروعات محدودة تخدم المدن الساحلية إلى أحد أبرز محاور الإستراتيجية المائية المصرية، في ظل توقعات بارتفاع الطلب على المياه بفعل النمو السكاني والتوسع العمراني، إلى جانب حالة عدم اليقين التي تحيط بمستقبل تدفقات النيل.

وتعزز هذا التوجه بإعلان رئيس الوزراء المصري خلال الاجتماع المشار إليه سلفا، تلقي الحكومة عروضًا من شركات عالمية للمشاركة في تنفيذ مشروعات جديدة لتحلية مياه البحر، مؤكدًا في الوقت ذاته أن التحلية أصبحت أحد الحلول المستدامة لتوفير الموارد المائية اللازمة للتنمية.

وبحسب المصدر المسؤول بوزارة الموارد المائية والري، فإن خطة التحلية لا ترتبط بتطورات سد النهضة وحدها، وإنما تأتي ضمن إستراتيجية ممتدة حتى عام 2050 تستهدف تنويع مصادر المياه وتقليل الاعتماد على المورد التقليدي.

ويشير المصدر إلى أن الخطة تستهدف الوصول إلى طاقة إنتاجية تقارب مليوني متر مكعب يوميًا، موضحًا أن مصر تمتلك حاليًا 129 محطة تحلية قائمة بإجمالي طاقة إنتاجية تصل إلى نحو 1.4 مليون متر مكعب يوميًا، إلى جانب 19 محطة جديدة قيد التنفيذ بطاقة تبلغ نحو 687 ألف متر مكعب يوميًا، بما يرفع إجمالي عدد المحطات القائمة والجاري تنفيذها إلى 148 محطة.

ويرى المصدر أن هذه الأرقام تكشف حجم الرهان الذي تضعه الدولة على التحلية، رغم ارتفاع كلفتها الاقتصادية واستهلاكها الكبير للطاقة، باعتبارها أحد الخيارات القليلة القادرة على توفير مصدر مستدام للمياه لا يرتبط بتقلبات تدفقات النيل أو الظروف المناخية.

ماذا لو جاءت سنوات الجفاف؟

ورغم اكتمال سد النهضة من الناحية الهندسية، لا يرى أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة الدكتور عباس شراقي أن السد، في وضعه الحالي، يمثل مصدر التهديد الأكبر لمصر، بقدر ما تمثله احتمالات تزامن تشغيله مع سنوات جفاف أو جفاف ممتد في حوض النيل الأزرق.

إعلان

ويقول شراقي إن مصر استفادت خلال سنوات الملء من عدم تعرض الهضبة الإثيوبية لموجات جفاف حادة، وهو ما أتاح للدولة إدارة الأزمة دون تأثيرات مباشرة على المواطنين أو اضطرابات كبيرة في إمدادات المياه.

لكن هذا السيناريو قد يتغير إذا انخفضت إيرادات النيل الأزرق خلال سنوات متتالية، وهو احتمال يصفه بأنه وارد من الناحية الهيدرولوجية، وإن كانت قدرة مصر على التعامل معه أصبحت أكبر مقارنة ببداية الأزمة.

ويعزو ذلك إلى الدور الذي يؤديه السد العالي، الذي ما زال يمثل صمام الأمان الرئيسي لمنظومة المياه في مصر، إذ يمنح الدولة مرونة في تعويض أي انخفاض مؤقت في الإيراد المائي عبر السحب من المخزون الإستراتيجي في بحيرة ناصر، ثم إعادة تعويضه خلال سنوات الوفرة.

إعادة هيكلة الخريطة الزراعية في مصر تستهدف تقليل الطلب على المياه (غيتي)

منظومة طويلة الأجل للتكيف

ورغم أن القاهرة لا تزال تؤكد تمسكها بالتوصل لاتفاق ملزم مع إثيوبيا، فإن مسار السنوات الأخيرة يشير إلى أن الدولة لم تعد تربط أمنها المائي بنتائج المفاوضات وحدها.

ففي الوقت الذي تترقب فيه مصر مساعي أمريكية هادفة للعودة إلى إعادة مسار التفاوض مع إثيوبيا بشكل يسمح بالتوصل إلى اتفاق يضمن تبادل المعلومات، وينظم تشغيل السد بالتنسيق مع دولتي المصب مصر والسودان، بحسب مصدر دبلوماسي مصري رفيع المستوى تحدث للجزيرة نت، تمضي مؤسسات الدولة المصرية في تنفيذ سياسات تبدو أقرب إلى بناء منظومة طويلة الأجل للتكيف مع مختلف السيناريوهات.

ووفقا للمصدر الدبلوماسي المسؤول، فإن القاهرة لا تتعامل مع المفاوضات باعتبارها فقدت جدواها، بقدر ما يعكس قناعة متزايدة بأن الأمن المائي لا يمكن أن يظل رهينة لمسار سياسي تتعثر جولاته منذ أكثر من عقد.

وهو الأمر الذي يؤكد عليه رئيس مركز معلومات تغير المناخ محمد علي فهيم، بالقول بأن "استنباط أصناف زراعية أقل استهلاكًا للمياه، والتوسع في نظم الري الحديث، وإعادة توزيع التركيب المحصولي، وزيادة الاعتماد على معالجة المياه وتحليتها، وتطوير آليات إدارة السد العالي، كلها سياسات تشترك في هدف واحد هو تقليل هشاشة المنظومة المائية أمام أي متغيرات مستقبلية".

يمكن القول إن البيانات الرسمية ربما لا تحمل إجابة حاسمة عمّا إذا كانت هذه الإجراءات تمثل مجرد استكمال لإستراتيجية إدارة الموارد المائية في دولة تعاني أصلا من الفقر المائي، أم أنها تعكس انتقالا فعليا من إدارة أزمة سد النهضة إلى التكيف مع احتمال استمرارها لسنوات أخرى، لكن قراءة مسار القرارات والمشروعات التي تنفذها الدولة خلال السنوات الأخيرة توحي بأن مصر لا تبني سياساتها على افتراض نجاح المفاوضات وحده، بل تعمل بالتوازي على رفع جاهزية منظومتها المائية والزراعية لمواجهة سيناريوهات أكثر تعقيدا، إذا ما فرضت الجغرافيا والسياسة سنوات جفاف جديدة على حوض النيل.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا