بعد نحو خمسة أشهر من تعيينها وزيرةً للثقافة في مصر، تقدمت جيهان زكي، الثلاثاء الماضي، باستقالتها إلى رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، قائلة إنها اتخذت القرار "لرفع الحرج عن الحكومة"، وذلك بعد رفض محكمة النقض طعنها على حكم قضائي في قضية تتعلق باتهامها بالتعدي على حقوق الملكية الفكرية للكاتبة المصرية سهير عبد الحميد.
وأعادت استقالة زكي النقاش حول آلية اختيار الوزراء في مصر، خاصةً مع صدور حكم ابتدائي ضدها قبل توليها المنصب، وما إذا كانت إجراءات مراجعة المرشحين للمناصب الوزارية كافية قبل تعيينهم.
وكانت محكمة النقض قد رفضت طعنين تقدمت بهما زكي، ليصبح الحكم نهائيًا، بعد أن استند الحكم إلى تقرير خبراء أشار إلى وجود نقل حرفي واقتباسات مطولة بين كتابها "كوكو شانيل وقوت القلوب.. ضفائر التكوين والتخوين" وكتاب "سيدة القصر.. اغتيال قوت القلوب الدمرداشية" للكاتبة سهير عبد الحميد.
وبموجب الحكم، أُلزمت زكي بدفع تعويض قدره 100 ألف جنيه مصري (نحو ألفي دولار أمريكي) للكاتبة، مع سحب الكتاب محل النزاع من الأسواق.
وكانت زكي قد نفت في وقت سابق أن يكون ما ورد في كتابها يمثل سرقة أدبية، وقالت في بيان عقب صدور الحكم إنها تحترم أحكام القضاء المصري، وإنها ستواصل اتخاذ الإجراءات القانونية المتاحة أمامها، بما في ذلك التماس إعادة النظر في الحكم وفقًا لما يسمح به القانون.
لم يقتصر الجدل على أسباب الاستقالة، بل امتد إلى طبيعة القرار نفسه: هل كان استقالة طوعية من جانب الوزيرة، أم إقالة اتخذت في صورة استقالة؟
ويرى خالد داوود، عضو الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، أن استمرار المسار القضائي بعد صدور الحكم الابتدائي قبل تولي زكي الوزارة كان يجب أن يدفع إلى عدم تعيينها من الأساس، أو إلى استقالتها لاحقاً.
ويقول داوود إن الوزيرة وجدت نفسها في موقف حرج بعد الحكم النهائي، معتبراً أن ما حدث "أقرب للاستقالة الإجبارية".
ويربط ذلك باستمرار الجدل حول وزراء آخرين في الحكومة، بينهم وزير التربية والتعليم بشأن مدى صحة شهادة الدكتوراه الخاصة به، ووزيرة الإسكان التي تعرّضت لتحقيقات بشأن مخالفات خلال عملها السابق في الوزارة، بحسب قوله.
في المقابل، يرى طلعت طه، مدير تحرير جريدة الجمهورية، أن الاستقالة تُحسب للحكومة المصرية حتى لو جرى تنسيقها قبل الإعلان عنها، "لأنها تعكس احترامها لأحكام القضاء".
أما عمرو هاشم ربيع، نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، فيرى أن ما حدث هو "إقالة في شكل استقالة"، للحفاظ على صورة زكي كوزيرة، لكنه يعتبر في الوقت نفسه أن التعامل مع الحكم يعكس حرصاً من الحكومة على احترام القضاء.
ويضيف: "الحكومة تأخرت، لكنها حسمت الأمر باحترام حكم القضاء، وأن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي أبداً".
تأتي استقالة زكي بعد فترة قصيرة من توليها المنصب، وهو ما يجعلها من الحالات النادرة في تاريخ استقالات الوزراء في مصر.
ويقول عمرو هاشم ربيع إن استقالات الوزراء في مصر محدودة، وغالباً ما ترتبط بالانتقال إلى منصب أعلى، أو وقوع حوادث كبرى، أو لأسباب صحية.
وتُعد استقالة زكي ثالث أسرع استقالة لوزير مصري، بعد استقالة وزير الخارجية محمد رياض عام 1977، بعد ساعات من تعيينه، احتجاجاً على زيارة الرئيس الراحل أنور السادات إلى القدس، واستقالة وزير الثقافة جابر عصفور عام 2011، بعد تسعة أيام فقط من توليه المنصب لأسباب صحية.
وكانت زكي قد تولت رئاسة المتحف المصري الكبير في مايو/أيار 2024، قبل أن تغادر المنصب بعد نحو أربعة أشهر، في خطوة لم تُعلن أسبابها رسمياً حينها، كما سبق أن عيّنها الرئيس المصري عضواً في مجلس النواب.
أعادت قضية جيهان زكي النقاش حول الطريقة التي يتم من خلالها اختيار الوزراء في مصر، وهي عملية لا تعلن تفاصيلها كاملة أمام الرأي العام، لكنها تخضع -بحسب خبراء تحدثت إليهم بي بي سي- لإجراءات فحص وتحري قبل إعلان التعيينات.
ويرى عمرو هاشم ربيع، نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن آلية اختيار الوزراء تواجه عددًا من التحديات، من بينها كثرة عدد الحقائب الوزارية، إذ يبلغ عددها نحو 30 حقيبة، وهو ما يزيد احتمالات الخطأ في الاختيار مقارنة بدول أخرى يصل عدد الوزارات فيها إلى نحو 20 حقيبة.
ويُشير ربيع إلى أن عملية اختيار الوزراء تتأثر أيضاً بتعدد الجهات التي تتحرى عن الأسماء المرشحة، إلى جانب ضيق الوقت، وهو ما قد يؤثر على دقة عملية الفحص.
ويقول: "هناك حالة من ازدواج العمل والالتباس بين الجهات السيادية التي تتحرى عن الأسماء المرشحة، الذي يجعل التحري عن الأسماء غير دقيق، وبالتالي قد يتم اختيار وزراء دون التحري عنهم بشكل دقيق".
وحسب ربيع، تتم عملية التحري عن المرشحين لتولي الوزارات المختلفة في مصر من خلال جهات عدة، أبرزها جهاز الأمن الوطني التابع لوزارة الداخلية المصرية، والجهات الرقابية مثل النيابة الإدارية والرقابة الإدارية والمخابرات العامة.
لكن خالد داوود يرى أن النقاش لا يتعلق فقط بآليات الفحص والتحري، وإنما أيضاً بطريقة اختيار الأسماء نفسها، معتبراً أن الاعتبارات الشخصية والسياسية قد تلعب دوراً في بعض الحالات.
ويقول عضو الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي إن العلاقات الشخصية والولاء السياسي قد يؤثران في اختيار الوزراء في مصر، وهو ما ينعكس -بحسب رأيه- على تقييم الأسماء المطروحة، وكان من بين العوامل التي أدت إلى اختيار زكي لتولي وزارة الثقافة.
ويضيف: "هذه الآلية غير دقيقة، بدليل أن التغييرات الوزارية الأخيرة أدت إلى إقالة وزراء أداؤهم جيد والإبقاء على وزراء غير جديرين، وربما هذا ما أدى إلى الترحيب باستقالتها أيضاً. لا أحد يفسر لنا كصحفيين أو كعاملين في المجال السياسي العام لماذا يتم اتخاذ قرار باستمرار رئيس الوزراء الحالي في منصبه على مدى كل هذه السنوات الطويلة، رغم أن سجل العمل له على الأرض ليس بالضرورة الأكثر إيجابية. الشعور العام هو أن الحكومة بوزرائها ليسوا هم من يصنعون القرارات ويتخذونها".
في المقابل، يرى طلعت طه، مدير تحرير جريدة الجمهورية، أن الجهات المعنية باختيار الوزراء تعتمد على ترشيح شخصيات حققت نجاحًا في مواقعها السابقة، مثل المحافظين ورؤساء الجامعات وغيرهم.
ويعتبر طه أن حالة جيهان زكي تختلف من وجهة نظره، إذ يرى أن الخطأ جاء بعد اختيارها للمنصب وليس قبل ذلك، موضحاً أن الجهات المعنية ربما اختارتها في ذلك الوقت باعتبارها من أفضل الأسماء المطروحة، وأن المسؤولية تقع عليها وليس على الجهات التي رشحتها، بدليل نجاح وزراء آخرين.
لكنه يضيف أن هناك حاجة إلى تطوير آليات الاختيار، قائلاً: "ربما تكون هناك اختيارات تخضع للمحسوبية والشللية والمصالح المشتركة في بعض الأحيان. يجب أن تكون هناك آلية أفضل للاختيار، حتى في التعيينات والترقيات في الحكومة، وليس فقط على مستوى الوزراء".
وفيما يتعلق بالإصلاحات المطلوبة، يدعو خالد داوود إلى وجود برلمان قوي قادر على محاسبة الحكومة، بينما يرى عمرو هاشم ربيع ضرورة تطوير آلية اختيار الوزراء، لأن مصر -بحسب قوله- تستحق أفضل الكوادر.
ويضيف ربيع: "يجب أن تكون هناك جهة تفصل في اختيار هذه الأسماء التي سيتم تعيينها في الحكومة، أو إسناد الأمر برمته لرئيس الوزراء، لكي تقع المسؤولية على أي منهما أمام البرلمان والشعب والرئيس، بدلًا من الجهات الأمنية التي يجب أن تتحرى عن الأسماء المرشحة فقط دون اختيارها، فلا تكون لها الكلمة الأخيرة في تعيين الوزراء".
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة