تجاوز قطاع غزة حاجز الألف يوم على اندلاع حرب الإبادة، وسط مؤشرات إنسانية واقتصادية توصف بالأخطر في التاريخ الحديث، ولم تعد الأزمة تقتصر على الحصيلة التراكمية للضحايا، بل امتدت لتُحدث صدمة تنموية غير مسبوقة.
وفي هذا السياق، حللت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة صور أقمار صناعية وثقت التغيرات الهيكلية الكبيرة التي شهدها القطاع خلال ألف يوم من العدوان، حيث ترصد الصور وضع غزة قبل العملية البرية التي شنها جيش الاحتلال الإسرائيلي في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وصولا إلى التحول الكبير الذي وثقته أحدث اللقطات الفضائية في يونيو/حزيران الماضي.
وتُظهر صور الأقمار الصناعية تحول قطاع غزة، من بيت حانون شمالا وصولا إلى مدينة رفح جنوبا، إلى منطقة مدمرة بالكامل، إثر حرب تسببت في تضرر أو تدمير أغلبية المباني والمرافق الحيوية، وسط دمار فعلي طال 83% من المنشآت، وتضرر 94% من المؤسسات الصحية.
تكشف المقارنة بين صور الأقمار الصناعية الملتقطة لمدينة غزة في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أي قبل بدء العملية البرية الإسرائيلية، وأحدث الصور بتاريخ 18 يونيو/حزيران 2026، عن تحول عمراني جذري يصعب معه التعرف على ملامح المدينة.
فبعد أن كانت الكتل السكنية الكثيفة والشوارع والمرافق الحضرية تشكل نسيجا عمرانيا متماسكا، تظهر المدينة اليوم وقد غلب عليها لون الركام والمساحات الخالية، مع اختفاء أجزاء واسعة من الأحياء وتضرر أو تدمير أعداد كبيرة من المباني. وتعكس هذه الصور حجم الدمار الذي طال البنية العمرانية لمدينة غزة خلال ما يقارب ألف يوم من الحرب.
وتؤكد تقييمات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي أن المؤشرات الحياتية والتنموية في القطاع تراجعت بمعدل 77 سنة إلى الوراء (أي إلى ما قبل عام 1948)، بينما تُقدر احتياجات التعافي وإعادة الإعمار خلال العقد المقبل بنحو 71.4 مليار دولار.
وتُظهر صور الأقمار الصناعية الملتقطة في 18 يونيو/حزيران 2026 انتشارا غير مسبوق للخيام في مدينة غزة، حيث غطت مساحات واسعة من الأحياء والساحات المفتوحة، حتى المناطق المحيطة بالمرافق العامة، في مشهد يعكس التحول الكبير الذي شهدته المدينة بعد تدمير آلاف المنازل.
وتتفاقم هذه الأزمة الإنسانية مع تدني كفاءة مراكز الإيواء، إذ يعيش نحو 80% من النازحين في تجمعات عشوائية ومخيمات غير مدارة، فيما يواجه 96% من السكان مشاكل حادة في المأوى، لا سيما بعد أن غمرت مياه الأمطار والصرف الصحي خيام 79% منهم خلال الشتاء المنصرم، وفقا لتقرير صادر عن المجموعة العالمية للمأوى في يونيو/حزيران الماضي.
ومع حلول الصيف، تحولت هذه الخيام المكتظة إلى ما يشبه "الساونا"، كما يصفها أهالي غزة، بفعل الحرارة المرتفعة وغياب الخصوصية، مما فجر كابوسا بيئيا جديدا متمثلا في "غزو القوارض والآفات الحشرية".
وتكشف الصور عن تكدس شديد للخيام وتلاصقها داخل تجمعات عشوائية، مع ندرة المساحات الفاصلة بينها.
ووفقا لبيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، جرى الإبلاغ عن أكثر من 70 ألف حالة إصابة بالأمراض المنقولة عبر القوارض والطفيليات الخارجية منذ بداية عام 2026، حيث تُظهر مسوح مجموعة إدارة المواقع أن 83% من النازحين في أكثر من 1600 موقع يتعرضون يوميا وبشكل متكرر لهذه الآفات.
وتزداد هذه المعاناة لدى فئة ذوي الإعاقة، حيث يواجه 61% منهم صعوبات حادة في الحركة نتيجة الممرات الطينية والافتقار للمرافق المهيأة.
وفي ظل احتياج القطاع الفعلي العاجل لنحو 210 آلاف مأوى انتقالي، تواجه مقترحات الاعتماد على البيوت الجاهزة (الكرفانات) عوائق لوجستية واقتصادية حادة، إذ يُقدر الوقت المطلوب لاستيرادها بنحو 4 إلى 5 سنوات، وتصل كلفة الوحدة مع بنيتها التحتية إلى 22 ألف دولار، فضلا عن ضعف عزلها الحراري الذي يحولها إلى بيئة شديدة الحرارة صيفا. ولذلك تدفع المنظمات باتجاه الحلول الخشبية المحلية الأكثر مرونة وكلفة.
وعلى الصعيد الطبي، تشير التقديرات المحدثة في مايو/أيار الماضي لمنظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 43 ألف شخص من بين 172 ألف جريح في قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 قد تعرضوا لإصابات بليغة غيرت مجرى حياتهم، ويمثل الأطفال ربع هذا العدد بواقع 10 آلاف طفل.
وتكشف البيانات أن الإصابات الشديدة تشمل أكثر من 22 ألف حالة في الأطراف، وما يزيد عن 5 آلاف حالة بتر، وألفي إصابة في الحبل الشوكي، بالإضافة إلى أكثر من 50 ألف إصابة تتطلب إعادة تأهيل طويلة المدى.
وتُحذر المنظمة من أزمة حادة في المعدات والأطراف الصناعية، فمن بين 2300 حالة بتر جرى تقييمها، لم يتم تزويد سوى 500 مريض فقط بأطراف دائمة (أقل من 25%)، في وقت لم تدخل فيه أي معدات إعادة تأهيل للمنشآت الصحية منذ عامين (بين مايو/أيار 2024 ومنتصف أبريل/نيسان 2026)، مع بقاء شحنات المستلزمات والكراسي المتحركة معلقة بانتظار التخليص لفترات وصلت إلى 520 يوما، مما يهدد بتحول الإصابات المؤقتة إلى إعاقات دائمة.
ويأتي هذا العجز الحاد في وقت يعاني فيه القطاع الصحي بغزة من انهيار واسع جراء تداعيات حرب الإبادة الإسرائيلية، التي خلفت دمارا كبيرا في المستشفيات والبنية التحتية الصحية ونقصا حادا في الأدوية والوقود، حيث أكدت وزارة الصحة بالقطاع أن أكثر من 17 ألف فلسطيني حاصلون على تحويلات طبية للعلاج في الخارج لكنّ إسرائيل تعرقل سفرهم.
وأوضح وكيل الوزارة المكلف، ماهر شامية، خلال مؤتمر صحفي عُقد في مجمع الشفاء الطبي، أن عدد التحويلات الطبية الموثقة رسميا حتى يوم 20 مايو/أيار الماضي بلغ 17 ألفا و757 تحويلة، في حين لم يتمكن من المغادرة عبر معبري رفح وكرم أبو سالم سوى 3226 شخصا فقط، من بينهم 1204 مرضى والجزء المتبقي هم من المرافقين، محذرا من الارتفاع المتسارع لأعداد الوفيات بين المرضى والجرحى المنتظرين على قوائم الإجلاء الطبي، والذين قضى منهم بالفعل أكثر من 1500 مريض وهم ينتظرون فرصة المغادرة دون أن يتمكنوا من السفر لاستكمال علاجهم المستعصي.
وعاد معبر رفح للعمل بصورة محدودة جدا لعبور المشاة والحالات الإنسانية منذ 21 مايو/أيار 2026 وسط رقابة إسرائيلية مشددة، بعد أن شهد سلسلة من الإغلاقات الممتدة منذ مايو/أيار 2024، تخللها فتح جزئي مؤقت مطلع العام الجاري ضمن المرحلة الأولى لاتفاق وقف إطلاق النار، مما أبقى آلاف الحالات الحرجة عالقة داخل القطاع في انتظار السفر.
وامتدت الأزمات التي لا حصر لها في قطاع غزة إلى قطاع المياه وخدمات الصرف الصحي والنظافة العامة، فبحسب تحديث رسمي لمنظمة اليونيسيف صدر في 29 مايو/أيار الماضي، لا يزال الحصول على مياه الشرب يمثل تحديا يوميا يلفه الغموض لأكثر من مليوني شخص في قطاع غزة، رغم استمرار عمليات التوزيع الطارئة.
وتشير البيانات إلى أن 82% من الأسر تعاني انعدام الأمن المائي، بينما يعجز ما يصل إلى 70% من السكان عن تأمين الحد الأدنى البالغ 6 لترات فقط للفرد يوميا للشرب والطهي.
كما أدى نقص المواد الكيميائية الأساسية للتعقيم وقطع الغيار وزيوت المحركات إلى تراجع إنتاج محطات تحلية مياه البحر من 20 ألف متر مكعب يوميا في مارس/آذار الماضي إلى 16 ألفا مؤخرا، بالتزامن مع توقف محطة تعبئة "المنصورة" الحيوية إثر مقتل سائقين متعاقدين مع المنظمة، مما أجبر شركاء المنظمة على نقل المياه من محطات التحلية بكلفة إضافية باهظة تصل إلى 40 ألف دولار يوميا لحماية 285 ألف شخص من العطش.
وتتكامل هذه الكارثة المائية مع تدهور بيئي حاد، حيث وصلت معدلات تراكم النفايات الصلبة إلى 5 آلاف متر مكعب يوميا بحلول مارس/آذار 2026، لتتكدس عشوائيا حول خيام النازحين ومراكز الإيواء المكتظة نتيجة إغلاق المكاب العمومية والمنشآت المدارة وتوقف حملات مكافحة الآفات.
هذا التدهور في الصرف الصحي والمياه الراكدة فجّر مخاطر صحية بالغة الخطورة، إذ رصدت اليونيسيف انتشار القوارض والجرذان ومسببات الأمراض بشكل متكرر في 80% من مواقع النزوح، فيما باتت الأمراض الجلدية متفشية بنسبة 48% بين العائلات، مما يضع الأطفال والفتيات أمام خيارات قاسية وتجارة يومية مفروضة بين شرب الماء الشحيح أو استخدامه للنظافة والوقاية من الأوبئة.
ومن الغرق في مستنقع الأوبئة والبحث اليومي عن شربة ماء وسط أكوام النفايات، تبرز معالم جريمة أخرى تمس مستقبل من نجوا بأجسادهم، حيث لم تتوقف مآلات الحرب عند حدود الكارثة البيئية، بل امتدت لتصيب العمق المعرفي للقطاع بشلل تام.
وفي هذا السياق، تؤكد تقارير منظمة اليونيسيف الصادرة في مارس/آذار 2026 أن جميع أطفال قطاع غزة، والبالغ عددهم أكثر من مليون طفل، باتوا بحاجة ماسة وعاجلة إلى المساعدات الإنسانية الإغاثية، بعد أن تعرضت 97% من الأبنية المدرسية في القطاع لأضرار أو تدمير كامل، مما حرم 700 ألف طفل في سن الدراسة من التعليم لمدة عامين ونصف متواصلة.
على الرغم من الانهيار الشامل في كافة قطاعات الحياة من مياه وتعليم وبيئة، فإن آلة الحرب الإسرائيلية لم تتوقف عن الدوران، ولا يزال القصف العشوائي والاعتداءات العسكرية مستمرة على من تبقى من الأحياء في قطاع غزة، وسط تمركز قوات الاحتلال في قطاع غزة خلف ما يُسمى بـ"الخط الأصفر"، في وقت لا يزال فيه آلاف الضحايا تحت الركام.
وتُظهر صور الأقمار الصناعية الملتقطة في 18 يونيو/حزيران 2026 عددا من نقاط التمركز العسكري الإسرائيلي في مدينة خان يونس جنوبي القطاع، وترتبط فيما بينها بشبكة من الطرق الترابية التي أُنشئت داخل مناطق تعرضت لعمليات تجريف واسعة.
بعض نقاط التمركز العسكري الإسرائيلي في خان يونس 18 يونيو/حزيران الماضي (بلانت-الجزيرة)وتشير البيانات الرسمية لوزارة الصحة في غزة حتى الاثنين الماضي، إلى أنه منذ بدء تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار المفترض في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2025، بلغت حصيلة الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة 1053 شهيدا و3406 إصابات، إلى جانب انتشال 786 جثمانا. وبذلك، ترتفع الحصيلة التراكمية الفاجعة لضحايا حرب الإبادة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 لتصل إلى 73 ألفا و66 شهيدا و173 ألفا
و514 مصابا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة