آخر الأخبار

فيديو.. حرفيون يبعثون الحياة فيما تبقى من مباني غزة القديمة

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

غزة- للوهلة الأولى، تبدو الأعمال الجارية في عدد من المواقع الأثرية داخل البلدة القديمة في مدينة غزة، أقرب إلى مشاريع ترميم وإعادة إعمار للمباني المتضررة. غير أن طبيعة التدخلات الميدانية تكشف أنها لا تتجاوز حدود المعالجات العاجلة، التي تهدف إلى الحد من تدهور الهياكل المعمارية الآيلة للسقوط، أكثر من كونها عمليات ترميم مكتملة المعايير.

وتتمثل هذه التدخلات في أعمال تدعيم للجدران المتشققة، وتثبيت العناصر الحجرية المهددة بالانهيار، إضافة إلى جمع الأحجار المتساقطة من مواقعها الأصلية وفرزها وتخزينها وفق آليات محددة.

كما تشمل الإجراءات توثيق المكونات المعمارية المتبقية، تمهيدًا لاحتمالات إعادة استخدامها في مراحل لاحقة من إعادة البناء، إذا توفرت الظروف الفنية واللوجستية المناسبة.

ويُشرف مركز المعمار الشعبي "رِواق" على جانب واسع من أعمال التدخل والترميم الجارية في عدد من مواقع البلدة القديمة بمدينة غزة، ضمن جهود تهدف إلى الحد من تدهور المباني الأثرية المتضررة.

مصدر الصورة في المسجد العمري تظهر الأضرار الجسيمة التي لحقت به نتيجة القصف الإسرائيلي (الجزيرة)

خسائر تراثية واسعة

تصف المهندسة نشوى الرملاوي، الاستشارية الفنية لأعمال الترميم الجارية، حجم الأضرار التي لحقت بالمباني التراثية في البلدة القديمة بأنها "واسعة وتمس بُنية التراث المعماري بشكل مباشر".

وتشير في حديثها للجزيرة نت إلى أن طبيعة المعالم المتضررة تحمل قيمة تاريخية ومعمارية لا يمكن تعويضها بسهولة، كونها تمثل طبقات متراكمة من تاريخ المدينة العمراني.

لا يقتصر الضرر على خسائر مادية في الحجر والبناء، بل يمتد ليطال الشواهد المادية على تطور المدينة عبر العصور، بما في ذلك عناصر تعكس أنماط العمارة المحلية وخصائصها الفنية، والتي تشكل جزءا من الذاكرة الثقافية للمكان.

أما تقييم الخسائر فلا يعتمد على عدد المواقع المتضررة فقط، بل على طبيعة هذه المواقع ذات الطابع الفريد، وفق مهندسة الترميم، موضحة أن "حمام السمرة"، وهو الحمام الأثري الوحيد المتبقي في قطاع غزة، دُمر بالكامل، إلى جانب أضرار جسيمة لحقت بمعالم أخرى، ما يجعل حجم الفقد مرتبطا بالقيمة التاريخية وليس بالكمية.

إعلان

وحمام السمرة، بالبلدة القديمة بغزة، أحد أهم المعالم المعمارية العثمانية في فلسطين، ويعود تاريخ إنشائه إلى عام 1300، ودمرته قوات الاحتلال الإسرائيلية بشكل كامل في 30 ديسمبر/كانون الأول 2023.

مصدر الصورة محراب ومنبر المسجد العمري في غزة يظهر وسط دمار واسع (الجزيرة)

المسجد العمري

في قلب البلدة القديمة، يبرز المسجد العمري الكبير كأحد أبرز المعالم الدينية والتاريخية في مدينة غزة. ورغم بقاء أجزاء من هيكله الخارجي، فإن القسم الرئيسي المعروف بـ"بيت الصلاة" تعرض لدمار كامل أدى إلى فقدان معالمه المعمارية الأساسية.

وفي المرحلة الحالية، تقتصر أعمال الترميم داخل الموقع على إزالة الركام، وفرز الأحجار القديمة، وتخزينها وفق تصنيفات هندسية، إلى جانب تدعيم الأجزاء المهددة بالانهيار، وتثبيت ما تبقى من العناصر القائمة ومنع تدهورها.

وتوضح الرملاوي أن هذه الإجراءات تندرج ضمن مفهوم "التدخل الطارئ"، الهادف إلى تقليل المخاطر الإنشائية، والحفاظ على أكبر قدر ممكن من المواد الأصلية التي قد تُستخدم مستقبلًا في عمليات ترميم شاملة، إذا توفرت الظروف المناسبة.

ويُعد المسجد العمري الكبير بغزة أحد أقدم المعالم الدينية والتاريخية في المدينة، ويعود تاريخه إلى بدايات الفتح الإسلامي لفلسطين في القرن السابع الميلادي.

مصدر الصورة يعود تاريخ المسجد العمري الكبير في غزة إلى بدايات الفتح الإسلامي لفلسطين في القرن السابع الميلادي (الجزيرة)

سوق القيسارية

إلى الجنوب مباشرة من المسجد العمري الكبير، وعلى بعد أمتار قليلة منه، يمتد سوق القيسارية التاريخي المعروف بـ"سوق الذهب"، في تلاصق عمراني يعكس وحدة النسيج التاريخي في قلب البلدة القديمة بمدينة غزة.

ويُعد السوق من أقدم الأسواق في المدينة، إذ يعود تأسيسه إلى الحقبة المملوكية، ويتميز بتكوينه المعماري القائم على الممرات الضيقة المسقوفة والأقواس الحجرية المتتابعة التي شكلت عبر عقود طويلة بيئة تجارية متواصلة داخل مركز المدينة القديمة.

وخلال الجولة الميدانية، يظهر السوق اليوم بوصفه امتدادًا مباشرًا لحالة التضرر التي لحقت بالمسجد العمري المجاور، نظرا لتلاصقهما. وقد تعرض خلال الحرب الحالية لأضرار إنشائية متفاوتة في عدد من أجزائه.

مصدر الصورة نشوى الرملاوي: الأضرار في المواقع التراثية بغزة تتجاوز التوقعات وتمس الذاكرة المعمارية للمدينة (الجزيرة)

سوق مدمر

وفي 4 يوليو/تموز 2024، تعرض السوق لقصف مباشر أسفر عن تضرر واضح في مدخله الشرقي، وانهيار أجزاء من بنيته الحجرية، إلى جانب أضرار إضافية طالت أجزاء متفرقة داخله.

ورغم ذلك، لا يزال السوق يحتفظ بوظيفته التاريخية بوصفه المركز الأبرز لتجارة الذهب في قطاع غزة، والمكان الوحيد من نوعه الذي يستمر في أداء هذا الدور دون منافس، ما يعكس استمرارية وظيفته الاقتصادية رغم التغيرات والضرر البنيوي الذي لحق به.

وتقول المهندسة نشوى الرملاوي، إن سوق القيسارية يمثل أحد أهم المكونات التراثية في البلدة القديمة بغزة، ليس فقط من حيث قيمته المعمارية، بل أيضا لكونه جزءًا من منظومة عمرانية متكاملة مرتبطة مباشرة بالمسجد العمري والمحيط التاريخي المجاور له.

إعلان

وتوضح الرملاوي أن الضرر الذي لحق بالسوق لا يمكن فصله عن السياق العام لتدهور النسيج التاريخي في المنطقة، مشيرة إلى أن السوق يمثل مبنى تراثيا فريدا من نوعه، ليس فقط في غزة بل في القطاع بأكمله، وأي فقدان لعناصره الأصلية يعني خسارة جزء من الذاكرة العمرانية والاقتصادية للمدينة.

مصدر الصورة مروى الحرتاني تشرح أضرار منزل عائلة شحيبر الناتجة عن قذيفة إسرائيلية (الجزيرة)

منازل تراثية متضررة

وفي الأحياء السكنية بغزة القديمة، ما تزال العديد من المنازل التراثية صامدة، بعد أن نجت مرتين، الأولى خلال الحرب العالمية الأولى عام 1917 حينما دمرت بريطانيا غالبية البلدة القديمة، والمرة الثانية خلال حرب الإبادة الإسرائيلية التي بدأت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 واستمرت عامين.

ويعود معظم المباني التراثية بغزة إلى العهدين العثماني والمملوكي، وتعكس الطراز المعماري التقليدي القائم على الفناء الداخلي والأقواس الحجرية والجدران السميكة.

ومن بين هذه المنازل، منزلا عائلتي فرح وشحيبر، اللذان خضعا لتدخلات عاجلة بعد تعرضهما لأضرار مباشرة وغير مباشرة جراء القصف، ما أدى إلى تشققات في الجدران وانهيارات جزئية في الأسقف.

وداخل منزل عائلة شحيبر، الذي تعرض لقذيفة مباشرة، تُقيم عائلة النازحة مروى الحرتاني مع أسرتها بعد فقدان منزلهم الأصلي.

وتصف الحرتاني الحالة الإنشائية للمكان قائلة إن أجزاء واسعة من الجدران والدرج المؤدي للطابق العلوي انهارت، إضافة إلى وجود فتحات كبيرة في الأسقف بين الغرف.

تدخلت الطواقم الفنية لتدعيم الأجزاء الخطرة وتثبيت العناصر المهددة بالانهيار، في حين لا تزال بعض المرافق الأساسية، مثل المطبخ والحمام، خارج الخدمة ويجري استخدامها بشكل بدائي عبر تغطيات مؤقتة، وفق المواطنة الفلسطينية في حديثها للجزيرة نت.

حمام السمرة في البلدة القديمة بغزة بعد تدميره بالكامل وغياب ملامحه المعمارية (الجزيرة)

سباق إنقاذ

في منزل عائلة فرح، يواصل الفنيون العمل على تدعيم عناصر معمارية متضررة، وسط سقالات معدنية تسند قوسا حجريا متصدعا، بفعل القصف العنيف الذي تعرضت له المباني المحيطة به حيث انهار سقف إحدى الغرف، وتصدعت بعض الجدران.

تركز التدخلات الحالية على إصلاح الانهيارات والتصدعات وتثبيت الجدران المتضررة. ووفق المهندسة نشوى الرملاوي فإن خصوصية العديد من المباني التراثية في غزة، تكمن في كونها مأهولة بالسكان وليست منشآت متحفية، وهو ما يفرض سرعة في التدخل لتأمينها.

وتحذر من أن تركها دون دعم فوري قد يؤدي إلى تفاقم التصدعات وانهيار أجزاء إضافية بفعل الزمن والعوامل البيئية، وبالتالي تعريض سكانها للخطر.

عمال يجرون أعمال ترميم للمدخل الشرقي لسوق القيسارية في غزة بعد تعرضه للقصف خلال الحرب (الجزيرة)

خلف الخط الأصفر

تشير المهندسة الفلسطينية نشوى الرملاوي، إلى أن جزءا كبيرا من المواقع الأثرية في قطاع غزة يقع ضمن نطاقات يصعب الوصول إليها ميدانيا، ولا سيما المناطق الواقعة خلف ما تسميه إسرائيل بـ"الخط الأصفر"، حيث تحول القيود الإسرائيلية دون إجراء أي عمليات فحص مباشر أو تقييم هندسي دقيق لحالة المباني هناك.

وتعد تلك المواقع جزءا من النسيج التاريخي المتصل للمدينة، لكنها اليوم خارج نطاق العمل الفعلي للطواقم المختصة.

والخط الأصفر هو مصطلح يُطلَق على المنطقة الأمنية العازلة التي فرضتها إسرائيل عسكريا داخل قطاع غزة، وتشمل أكثر من نصف مساحة القطاع، ويحظر على الفلسطينيين دخولها أو الاقتراب منها.

ويقتطع الخط الأصفر قرابة نصف البلدة القديمة، حيث يقع داخل حدوده حيّا الشجاعية والتفاح؛ وهما الحيّان اللذان يضمان إرثا تاريخيا غنيا يشتمل على العديد من المساجد الأثرية، والمواقع التراثية، والمنازل العتيقة.

إعلان

وتوضح الرملاوي أن غياب الوصول إلى هذه المواقع لا يعني فقط تعذر تنفيذ أعمال الترميم، بل أيضا فقدان القدرة على توثيق حجم الأضرار بشكل علمي ومنهجي، وهو ما يخلق فجوة معرفية في تقييم الخسائر التراثية.

وتضم المعالم التي تقع في تلك المناطق، مبان دينية وسكنية وتجارية ذات طابع تاريخي، إلا أن المعلومات المتوفرة عنها أصبحت محدودة للغاية، وتعتمد في كثير من الأحيان على معطيات غير مكتملة أو تقديرات غير ميدانية، وهو ما يعزز الخشية على مصيرها.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا