آخر الأخبار

جنرالات الشاشة: في نقد العبقرية الاستراتيجية بعد المعركة!

شارك

"التخطيط ضروري لكن الخطط بلا فائدة"

بواسطة دوايت أيزنهاور

فور توقف إطلاق النار، والدماء تنزف ورائحة البارود تملأ المكان، كان المؤرخ العسكري صموئيل مارشال يقفز إلى الجبهة فورا، يجمع أفراد الفصيل أو السرية وهم لا يزالون في الخنادق، مغطين بغبار المعركة ورجفة الصدمة. يجري المقابلة مع المجموعة كاملة (الضباط والجنود معا). إذا حاول جندي أو ضابط تضخيم بطولته أو اختلاق قصة، كان زملاؤه الذين عاشوا معه اللحظة يصححون له فورا: "لا يا سيدي، أنت لم تتقدم من هذا المحور، بل كنا نختبئ خلف تلك الصخرة". هذا الأسلوب الجماعي الفوري كان يمنع "الفلترة" والكذب. كان مارشال يبحث عن الحقيقة الطازجة قبل أن تتعفن بالرواية الرسمية.

اليوم، بعد المعركة (أو ربما خلالها) تتولى وسائل الإعلام والثقافة تحويل الحقائق من لحم ودم، وحتى المفهوم الرصين إلى "مرموز فارغ": مفهوم بلا معنى ثابت، أو بالأحرى معناه مؤجّل على الدوام، يتحول إلى قالب يُعبّأ باستمرار حتى يصبح هو بذاته ساحة صراع. كلمات مثل "الشعب" و"الحرية" ينطبق عليها ذلك؛ بعد فترة طويلة من ترديدها لا نعود ندري ما الذي تعنيه بالضبط، لكننا لا نكفّ عن استعمالها، بل تزيد الحاجة لها، للمفارقة، بسبب الغموض الذي يحيط بها.

"تُستعمل كلمة الإستراتيجية اليوم لتقول أشياء مختلفة، وأحيانا متناقضة"

مؤخرا انضمت كلمة "الإستراتيجية" إلى الساحة. فهي تُستعمل لتقول أشياء مختلفة، وأحيانا متناقضة، لكن سمتها الأساس أنها تأتي دائما كتعليق على الحدث، مع أنه من المفترض أن تكون هي بالذات "استشرافية". نرى الادعاءات التي لا يرجحها مرجح سوى النتيجة النهائية، فإذا سقطت حكومة طالبان فذلك لأنه "لم يكن لديهم تفكير إستراتيجي"، ولكن حين انتصروا "كان قرار الانسحاب إلى الجبال قرارا إستراتيجيا رائعا أدى لهزيمة أمريكا".

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 سور البحار العظيم.. لماذا تبني الصين أكبر أسطول في العالم؟
* list 2 of 2 علم الأعصاب يجيبك.. لم يروج ترمب الخرافات؟ ولماذا يصدقه الناس؟ end of list
إعلان

وبالمثل "كان قرار طوفان الأقصى يفتقد للحاسة الإستراتيجية"، لأن "البيئة الإستراتيجية لم تكن جاهزة"، وفي سوريا تفتقد التجربة بالعموم "للنظرة الإستراتيجية". وهكذا تكون الإستراتيجية مرة شخصا ومرة بيئة ومرة عضوا، والكلمة التي يمكنها أن تحلّ مكان أي شيء هي غالبا بلا معنى.

حسناً، كيف تعمل هذه الأحكام؟ هذه العملية ليست تفكيرا "إستراتيجيا" بقدر ما هي "تعليق" بأثر رجعي. تفسير لأي حدث كان من خلال ردّه إلى كلمة واحدة، ولا تملك في النقاشات العابرة إلا أن توافقهم، لأن لا أحد يمكن أن يعرّض نفسه لمخاطر الوقوف في صفّ "اللاإستراتيجية" التي تعني ضمنيا الفوضى واللاعقلانية ومحدودية التفكير.

مصدر الصورة منطق الإستراتيجية الحقيقي فهو منطق التناقض والمفارقة (الجزيرة – مولدة بالذكاء الاصطناعي)

هل الإستراتيجية وهم؟

لكن ماذا لو كانت الإستراتيجية وهما فعلا؟ ماذا لو كانت مصطلحا اخترعناه يصطفّ مع طابور طويل من المصطلحات التي لا معنى لها فعليا سوى أن تمنحنا شعورا وهميا بأن الأمور تحت السيطرة وأن الكون وأحداثه يمكن تعقّلها وتوقعها. كان الوثنيون القدماء يطمئنون أنفسهم بصناعة أصنام لكل مجهول ينتظرهم، أما المعاصرون فيصنعون مفهوما ثم يظلون عليه عاكفين.

يتصدى عالم السياسة الأمريكي ريتشارد بيتس لهذا الهاجس في مقالته الشهيرة "هل الإستراتيجية مجرد وهم؟"، ويذهب إلى أننا نحكم على الإستراتيجية بأثر رجعي بعد معرفة النتائج، لكن صانع القرار يتخذها وهو ينظر للمستقبل وسط ضبابية تامة. لكي نكون علميين ومنصفين في آن، يقترح بيتس أن تقييم الإستراتيجية يجب أن يتم بمعزل عن نتيجتها النهائية، سواء كانت نصرا أو هزيمة، والتركيز بدلا من ذلك على "منطق الاختيار" في اللحظة التي اتُّخذ فيها القرار.

"إذا حكمنا بناء على النتائج فقط، فإن الإستراتيجية تصبح وهما لأننا ببساطة نكافئ المحظوظين ونعاقب سيئي الحظ"

هذا يعني أن تتقمّص ظروف اتخاذ القرار وعناصره، وتحكم عليه انطلاقاً من غرفة العمليات لحظتها لا من النتائج. فقد يكون قرار ما حكيما ونتائجه كارثية، والعكس صحيح. ماذا نقول عن إستراتيجي لديه فرصة 30% للفوز لكن ينتهي به الأمر بالنصر، مقارنة بآخر لديه فرصة نجاح 40% لكنه يخسر؟ هل نصف الأول بالحكيم والثاني بالمخطئ؟ بأي معايير يمكن القول أيُّ الخيارات محاولات معقولة لم تنجح، وأيُّها حسابات خاطئة فادحة، وأيُّها عبقرية وأيُّها مجرد حظ جيد؟

مصدر الصورة ذهب المؤرخ العسكري جاي لوفاس إلى أن دراسة التاريخ بالطريقة التقليدية تصنع حكماء بأثر رجعي (مواقع التواصل)

ولذلك ذهب المؤرخ العسكري "جاي لوفاس" إلى أن دراسة التاريخ العسكري بالطريقة التقليدية (من حفظ التواريخ، وأسماء المعارك، وأعداد القتلى، وتحركات الفصائل) هي دراسة تصنع قادة حكماء بأثر رجعي. فعلى قائد الميدان أن يدخل في جلد صانع القرار في لحظته هو. لذلك، كان يطالب الضباط بأن ينسوا التواريخ، وأن يحاولوا تقمص شخصية القائد التاريخي وقت الأزمة: ما هي المعلومات التي كانت أمامه؟ لماذا اتخذ هذا القرار "الغبي" أو "العبقري" بناء على ما كان يعرفه حينها، وليس بناء على ما نعرفه نحن الآن في كتب التاريخ؟

إعلان

بالمحصلة، يجعل النجاح الاحتمالات تبدو أفضل مما كانت عليه، والفشل يجعلها تبدو أسوأ. إذا حكمنا بناء على النتائج فقط، فإن الإستراتيجية تصبح وهما لأننا ببساطة نكافئ المحظوظين ونعاقب سيئي الحظ.

كيف تحقق النصر بإستراتيجية خاطئة؟

في عام 1940، قرر رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل مواصلة القتال ضد ألمانيا رغم سقوط فرنسا، رافضا التفاوض. هذا القرار يُعتبر اليوم "عبقرية إستراتيجية". لكنه لم تكن لدى بريطانيا فرص كبيرة بالفوز، وقد بُني قرار المواجهة على عناصر اتضح لاحقا أنها كلها خاطئة تقريبا.

فبعد 66 عاما، كتب أستاذ التاريخ بجامعة كامبريدج والمؤرخ البريطاني ديفيد رينولدز، دراسة خلص فيها إلى أن القيادة البريطانية بالغت في تقدير رغبة الولايات المتحدة في التدخل العسكري، والذي جاء متأخرا كما هو معروف، ولم يتوقعوا أن يهاجم هتلر الاتحاد السوفيتي إلا قبل أسابيع قليلة من حدوث الهجوم فعليا. الاعتماد على تدخل الحلفاء كان مجرد أمنية فُسّرت لاحقا كعنصر عقلاني استندت بريطانيا عليه.

مصدر الصورة رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل (يمين) إلى جانب الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت (وسط) والزعيم السوفيتي جوزيف ستالين (يسار) في مؤتمر طهران عام 1943 (أسوشيتد برس)

استصحب تشرشل مجموعة من الأوهام الأخرى في صناعة قراره، منها أن الاقتصاد الألماني لن يصمد أمام الحصار البريطاني، وأن ثمة مؤشرات لانقلاب جنرالات هتلر عليه، وأن سلاح الجو البريطاني سيحدث فارقا. ثم وجد تشرشل عام 1941 "تقرير بات" على مكتبه ليخبره أن طائرة واحدة فقط من كل خمس كانت تنجح في إسقاط قنابلها في نطاق 5 أميال من الهدف.!

نجح تشرشل باختصار لأن الأحداث سارت لصالحه في ظل صموده. "دعونا نختنق بدمائنا"، هكذا صرخ في أمّته داعيا إياهم لتفضيل الموت على الخضوع. جوهر قرار الصمود والقتال بذاته هو الذي جعل الوقت يعمل لصالحه، لا العناصر "العقلانية" التي اتضح أنها ليست عقلانية تماما. بل كان رأي اللورد هاليفاكس (وزير الخارجية) بالتفاوض أكثر عقلانية ووجاهة.

هاجم هتلر روسيا، وأعلنت ألمانيا الحرب على أمريكا، وفاض عالم الغيب على عالم الشهادة، وخُلقت الفرص وأُعيد ترتيب ورق اللعب. قلّب تشرشل أوراقه مجددا ناظرا لمن حوله: "ألم أقل لكم؟!".

"لو تسلّم العقل الحسابي القرار لوضع أمة بأكملها تحت مجنزرات البانثر الألمانية"

كان الصمود والقتال هو أعظم قرار جرى اتخاذه، وهو وحده الذي أتاح لمستجدات القدر ومفاجآته أن تصبح ذات جدوى للطرف الأضعف. ولو تسلّم العقل الحسابي القرار وقتها لوضع أمة بأكملها تحت مجنزرات البانثر الألمانية. من السهل أن نتندّر اليوم على قرارات هتلر وننسب له كل غباء، ومن السهل أن نصبغ على تشرشل صفات العبقرية. نحن في الحقيقة جمهور المشهد الأخير، وما نعرفه عن سير التاريخ قليل جدا لكنه كافٍ ليصنع منا خبراء الأثر الرجعي.

المنطق المتناقض مقابل المنطق الخطي

المشكلة الحقيقية في التعاطي مع الإستراتيجية أن المعلقين "الإستراتيجيين" لم يخوضوا أي حرب عسكرية، والحرب هي ميدان التفكير الأول للإستراتيجية (أنا أيضا لم أخض أي حرب، لكني أعرف من خاضوها وأستمع لرأيهم بجدية).

معرفة المعلقين في جُلّها معرفة نظرية قادمة من الكتب المدرسية التي تتحدث عن المفهوم متجاوزة أن لب الإستراتيجية "تبصُّر الممارس لا ممارسة التبصُّر"، وبدلاً من تعويض هذا النقص بمحاولة التواضع والاستماع للمقاتلين على الأرض، جرى تقييم المقاتلين من خلال هذه الكتب المدرسية. والكتب المدرسية، لأغراض الشرح والتعليم، تسلك المسلك المتدرج والسهل في عرض المعلومة، فالتعامل معها على أنها نهاية العلم يوقعنا في محاكمة الواقع المعقد وفق القواعد المدرسية، تماما كمن يستعد لإجراء عملية جراحية بمجرد أنه قرأ كتابا في التشريح.

إعلان

المعرفة المدرسية تعرض الإستراتيجية بوصفها عملية خطية تصاعدية، فلكي تصل إلى الرقم 5 عليك أن تمشي من 1 إلى 2. هذا منطق يشيع في الحياة العامة وفي التعامل مع المواد، وهو بلا شك منطق سليم: تريد أن تنقص وزنك، خفّف من تناول الطعام ومارس الرياضة – إلا إذا كنت تتبع حمية "الطيبات"!

"المعرفة المدرسية تعرض الإستراتيجية بوصفها عملية خطية تصاعدية، أما منطق الإستراتيجية الحقيقي فهو منطق التناقض والمفارقة"

أما منطق الإستراتيجية الحقيقي فهو منطق التناقض والمفارقة. في عالم الإستراتيجية "الطريق السيئ هو طريق جيد"، لأنه ببساطة غير متوقع. تحقيق المفاجأة مسألة مكلفة؛ الطريق الأطول والأصعب يمثل تحديا لمنطق الكفاءة الذي يميل إلى المسار الأسرع، ولذلك يستغربه الأذكياء غير المجرّبين.

هذا كان ما حدث في محاولة إنقاذ الرهائن في إيران عام 1980، حيث فشلت عملية "مخلب النسر" بسبب الإجراءات الأمنية الصارمة التي منعت الوحدات المشتركة من التدرب معا، مما أدى لعدم تناغم الإجراءات -بغض النظر عن الطريقة التي عرض بها فيلم "أرغو" (Argo) المسألة. يقول المعلّق: لقد كان عليهم أن يتدربوا بما يكفي، ورأيه صحيح بالطبع. لكنّ ثمن الاستعداد المثالي قد يكون كشف العملية بأكملها.

مصدر الصورة لافتة معادية للولايات المتحدة عند مدخل مقرّ السفارة الأمريكية السابقة في طهران، 5 فبراير/شباط 2026 (رويترز)

فيما خسرت ألمانيا معركة كورسك، وهي واحدة من أهم معارك الحرب العالمية الثانية، بسبب التريّث الذي جعل خطتها مكشوفة أمام السوفيت. كان انتظار دبابات "بانثر" الجديدة وأعداد أكبر من دبابات "تايغر" سببا وجيها وفق المنطق السليم لمراكمة القوة، لكنه كان خيارا قاتلا عجّل بخسارة الحرب كلها؛ إذ منح الجيش الأحمر وقتا لبناء خطوط دفاعية عميقة ونشر حقول الألغام وتكوين احتياطي ضخم. ولو أنهم تعجّلوا كان يمكن أن يكسبوا المعركة، ولو خسروها لقلنا: كان عليهم انتظار الدبابات الجديدة!

والبدهي الذي يُنسى دائما أن الطريق السيئ لا يحتفظ بعنصر المفاجأة، أي لا يظل جيدا، للأبد. فإذا اعتاد طرفا الصراع على اختيار الطرق الوعرة لتحقيق المفاجأة، سيبدأ العدو في مراقبة تلك الطرق. وقد يصبح الهجوم المباشر عبر "الطريق الجيد" في وضح النهار هو المسار الأقل توقعا، كما حدث عام 1982 حين تقدمت مدرعات إسرائيل على المحور الساحلي باتجاه بيروت بهجوم جبهوي مباشر، ففوجئ الجيش السوري الذي كان يتوقع مناورة عبر الجبال.

"أحيانا يضحّي القائد بالاستعداد المثالي ويزيد من مخاطر الفشل التنظيمي، لصالح كسب الميزة الإستراتيجية الأهم: المفاجأة"

يشبه الأمر لعبة "الغُمّاية": أنت لا تختار المكان الأجمل بل الأقل توقعا، والذي غالبا ما يكون متسخا أو مظلما وتنقصه التهوية، لكن هذه كلفة المفاجأة. وفي الجولة التالية قد يكون المكان الأكثر توقعا هو المفاجأة الجديدة، وهكذا تتقلب الأمور.

تحقيق مفاجأة قصوى، خاصة لعدو يقظ يراقبك عن كثب، سيكلّف أصحاب القرار التخفف من كثير من المسائل الضرورية، ربما يكون منها التدريب على العملية، والتهيئة النفسية، وتوسعة التشاور، والتنسيق مع الحلفاء. إنها عملية مقايضة ممزوجة بالحدس والقدر وكثير من المنطق المتناقض. القائد هنا يضحّي بالاستعداد المثالي ويزيد من مخاطر الفشل التنظيمي، لصالح كسب الميزة الإستراتيجية الأهم: المفاجأة. وقتها سيقول المعلّقون: "لقد فاتهم هذا، لم يحسبوا ذاك جيدا". وكلامهم صحيح بلا شك، لكنه علم صحيح لا ينفع وما أكثر العلم الذي لا ينفع في الحياة العملية.

مبادئ الحرب.. سهلة لكن مستحيلة

ثمة قواعد ستّ للصراع: الحيطة، والمفاجأة، والاقتصاد في القوة، والتجمّع، وملاءمة الوسائل مع الهدف، والمبادأة. تبدو مبادئ الحرب سهلة الإدراك عموما، لكن "أسهل شيء في الحرب هو أمر غاية في الصعوبة" حسب أستاذ الصنعة الجنرال كارل فون كلاوزفيتز. وذلك لطبيعة المبادئ المتناقضة، ولأن الواقع مسكون بتفاصيل تترصد رحلتنا نحو الغاية، وهي ما يسمّيها كلاوزفيتز "الاحتكاك": تلك التفاصيل اللا متوقعة المقيمة بنيويا في طبيعة الحرب والتجربة الإنسانية عموما، مثل تغيُّر الطقس، وتعطّل شاحنة، ومرض شخص مؤثر. هكذا تتآكل التصورات وتُختبر الإرادات بما لم يكن في الحسبان.

"فنّ الحرب هو إيجاد حلول وسط، على أن يأخذ الخطر والحكمة حجمهما الحقيقي"

مصدر الصورة كتاب "عن الحرب" للمؤرخ الحربي البروسي "كارل فون كلاوزفيتز" (مواقع التواصل)

نظر الجنرال جان بيرييه للقواعد الست متعجبا من صحتها ومن تناقضها في آن: تتعارض المفاجأة مع الحيطة. والاقتصاد في القوة مفهوم عندما يتعلق الأمر بالنتائج الثانوية، أما إذا احتجنا نتائج حاسمة فالاقتصاد يعني المخاطرة للتمكن من التعرض الفعّال للعدو. وتحديد الوسائل الملائمة للهدف ينطبق على الأهداف الثابتة القريبة، أما إذا كنا نبحث عن هدف حاسم فالمسافة تتباعد والمغامرة تزيد. الرغبة في تحقيق أمننا مع مفاجأة خصمنا عملان متناقضان.

إعلان

انتهى الجنرال إلى أنه لا يمكننا حلّ هذه التناقضات حلّا عاما. فنّ الحرب هو إيجاد حلول وسط على أن يأخذ الخطر والحكمة حجمهما الحقيقي. وبالتالي ليس لهذه المبادئ أي معنى عملي إذا لم تحقق التوافق والتلاؤم مع الواقع. وللمفارقة فإن التقدم التقني من الرادار إلى الأقمار الصناعية، لم يبدّد الضباب تماماً أمام صناع القرار؛ فكثرة المعلومات قد تخلق ضباباً من نوع جديد ينتج عن "التخمة المعلوماتية" وصعوبة معالجتها، مما يُبقي مسألة الحظ والصدفة قائمة دائما.

بين التخطيط والإستراتيجية

"التخطيط ضروري لكن الخطط بلا فائدة" كما قال الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور. إذن لماذا نحتاجه؟ الإجابة ببساطة: لأنه يجعل الميدان الغامض مستأنسا قبل أن يعود غامضا.

التخطيط عملية تحليلية، فيها تٌفكك الأشياء إلى أجزاء وإحصاءات ونماذج. بينما صنع الإستراتيجية عملية تركيبية إبداعية، تُدمج الأفكار لرسم رؤية مستبصرة. لا يمكن لآلة التحليل أن تصنع إبداعا لكنها ضرورية في إحداث نوع من الاستقرار في المؤسسات. لكن على الدوام علينا أن نتذكر أن الطاهي المحترف لا يبتكر وصفة طعام جديدة عبر قراءة جداول السعرات الحرارية والمكونات الكيميائية، بل يبتكرها عبر تذوّق النكهات ومزجها معا بإحساسه وخبرته في المطبخ.

يروي أستاذ الإدارة في جامعة ماكغل الكندية هنري مينتزبرغ في كتابه "صعود وسقوط التخطيط الإستراتيجي" قصة مدير تنفيذي يقضي شهورا مع مستشارين لإصدار مجلد ضخم يتجاوز 300 صفحة مليء بالجداول والرسوم البيانية ويسمّيه "الخطة الإستراتيجية"، وعند أول هزة في السوق يكتشف أن هذا المجلد لا يحتوي على فكرة واحدة ذكية لمواجهة المنافسين، لأنه ركّز على الأرقام ونسي الرؤية.

يبقى رسم الخطة طقسا يسبق كل مواجهة في محاولةً لاستئناس الغموض قبل أن يبدأ (غيتي إيميجز)

ثمة ثلاث خلاصات مفيدة قادمة من عالم الأسواق يمكن سحبها على عالم الحرب والسياسة. أولهما التعلم المستمر: لا تفترض الإدارة أنها تعرف كل شيء مسبقا، بل تتعلم من خلال الممارسة والتجربة والخطأ، ويزداد الأمر صعوبة كلما أصبح للمؤسسة تاريخ عريق وقيادة عتيقة وتقاليد راسخة.

وثانيا المرونة العالية، حيث التكيف السريع مع الاضطرابات دون انتظار دورة التخطيط السنوي. وأخيرا الاعتماد على أفراد الميدان، فالأفكار البازغة غالبا ما تأتي من الصفوف الأمامية، من رجال المبيعات والمهندسين والجنود في الميدان، لأنهم الأكثر احتكاكاً بالواقع. وهكذا يقترب التخطيط من الإستراتيجية في كونهما تدريجيا يخلوان من الثقة المفرطة في السيطرة على مجريات الأمور ويتراجعان لصيغ أقل يقينية وأكثر تواضعا بعد أن اختبرتا قسوة الواقع وصعوبته.

"الأفكار البازغة غالبا ما تأتي من الصفوف الأمامية، من رجال المبيعات والمهندسين والجنود في الميدان"

حين أراد عالم الرياضيات جون فون نيومان التأسيس لنظرية الألعاب في دراسات الحروب، استبعد استعارة الشطرنج كنموذج للمحاكاة، واتخذ من لعبة البوكر استعارة للدلالة على حضور الغيب والغموض في تفاصيل المعارك. فبينما تقوم الشطرنج على معلومات كاملة وحسابات دقيقة، تجسّد البوكر واقع الحرب الحقيقي المحجوب بضبابية المعلومات، وإن شئتَ قلتَ بالحظ أو الغيب.

حكاية للمستقبل قبل النوم

حسنا، لنحاول أن نتأكد مجددا إن كان لدينا تعريف للكلمة بعد كل ما وضعنا من استدراكات عليها.

الإستراتيجية هي فن "خلق القوة"، وهذا تعريف يتعب أستاذ دراسات الحرب في كلية كينغز بلندن، السير لورانس فريدمان، قارئه ليصل إليه، بعد أن يجبره على إتمام قراءة 700 صفحة من تاريخ الإستراتيجية. الإستراتيجية عنده "بناء المعنى في عالم مضطرب"، فهي تمنح الأفراد والمؤسسات سببا للتحرك معا من خلال إيمانهم بقصة مشتركة عن المستقبل تجعل تضحياتهم في الحاضر ذات قيمة.

وعليه يكون الهدف الأساسي من هذه السردية ليس التنبؤ الدقيق بما سيحدث، بل إقناع الآخرين، حلفاء ومرؤوسين، بالمشاركة في تنفيذها. الإستراتيجية بهذا المعنى هي فن خلق القوة من خلال القصة المقنعة، حيث يستطيع القائد تعبئة الموارد وتحفيز الناس ليتحركوا في اتجاه واحد يجعل الرؤية المستقبلية واقعا ملموسا.

"الإستراتيجية هي فن خلق القوة من خلال القصة المقنعة، حيث يستطيع القائد تعبئة الموارد وتحفيز الناس ليتحركوا في اتجاه واحد"

تدرك هذه الطريقة في التفكير أن العالم غير متوقع، لذا فهي تترك مجالا واسعا للارتجال واستيعاب الحوادث العشوائية. إن هذه الطريقة لا تضع خطوات صلبة، بل توفر إطاراً للسلوك يسمح بالتكيف مع الظروف المتغيرة مع البقاء ضمن جوهر القصة.

يرى فريدمان أن المقامر يراهن على النتيجة، أما الإستراتيجي فيراهن على العملية نفسها (مواقع التواصل)

لكن هنا يطرح السؤال نفسه، إذا كانت الإستراتيجية بهذا القدر من اللايقين والحدس والتناقض، فما الذي يفصلها عن المقامرة العمياء؟ الجواب عند فريدمان نفسه: المقامر يراهن على النتيجة، أما الإستراتيجي فيراهن على العملية نفسها. يحتاج المقامر إلى الحظ، أما الإستراتيجي فيبني صمودا يتيح له استثمار الحظ حين يأتي. الفرق يكمن في القدرة على التكيّف والبقاء في اللعبة.

المغامرة صفة أساسية في اتخاذ القرارات، وتزيد أهميتها كلما كان الهدف الذي تدافع عنه حيويا، أي ضرورياً للبقاء على الحياة. فإذا كانت الجماعة مخيّرة بين فناء مشروعها السياسي والمغامرة في الدفاع عنه بما يحمل إمكانية الفناء والنصر معا، فإن المغامرة هنا خيار شديد العقلانية. لا ينشغل المعلقون الإستراتيجيون بإيجاد مخرج يبقيك على الحياة؛ هم بارعون في رثائك وبارعون في التعقيب على أخطائك، لكن من النادر أن تجد من يتبرع لك بـ"إستراتيجية" تنقذ مصيرك.

الصمود كإستراتيجية

تحاول كل الأدبيات التي تصدّينا لها بالمراجعة أن تحوم حول معنى واحد، لكنها ما إن تمسكه حتى يفلت. فإن كانت الإستراتيجية فيها كل هذا القدر من اللايقين والتقدير والحدس، لأنها تتعامل مع واقع هذه صفته، فإننا نحاول محاصرة جيش لامرئي حوّل كل الأشياء من حولنا إلى سلاح.

تبدو الصفة الأهم في الإستراتيجي الذي يتحدثون عنه هي التواضع، معرفة حدود القدرة البشرية، وإحاطة الغيب بها.

إن الإقبال على الحرب بوعي هو الإقبال عليها بضعفنا لا بقوتنا. إننا نراكم القوة لكي نتبرّأ منها، ونربط أسلاك الأسباب ببعضها لكي نحمد الله إذا أنارت ونكبّره إذا لم تنر. وكم من المعارف التي تتجلى بـ"فسخ العزائم وحلّ العقود ونقض الهمم" حسب علي بن أبي طالب رضي الله عنه. فحقيقة التسليم هي استنفاد أسباب عالم الشهادة، لا الوقوف عندها.

"النصر بما هو ظاهرة سماوية ينزل مطرا على ذلك التفاعل الغامض بين عالم النفوس المستعدة وعالم اللامتوقع"

الثقل الأكبر في مسألة النصر ليس في الإحاطة بالأسباب في خطتنا، ولا هو عائد لذكائنا في إستراتيجيتنا، وكلها مسائل مهمة، لكن النصر بما هو ظاهرة سماوية ينزل مطرا على ذلك التفاعل الغامض بين عالم النفوس المستعدة وعالم اللامتوقع. إنه القدرة على احتمال قدرنا بما يحويه من مسؤولية وقسوة وحوادث غامضة عصيّة على التفسير. والعجز عن التفسير جزء أساسي من طبيعة المعارك لا طارئ عليها.

ذلك لأن جدارتنا بقدرنا خليط من استعدادنا وعجزنا، ومعرفتنا وجهلنا، وخطتنا القديمة الممزقة وخطتنا الجديدة التي نكتبها كل يوم، ومراكمتنا للقوة وجرأتنا على القرار. وفي ظل كل ذلك وقبله، صمودنا اللانهائي على التلة، امتدادا لصمود من تمسّكوا بتلة الرُماة في معركة أحد. لأن الصمود بذاته هو الذي يفسح المجال لاستقبال المبهج والجديد والمفاجئ من "لطف الله"، حيث تخفى الأمور القادمة مقنّعة في صورة أضدادها.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا