في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
قبل عشرة أعوام فقط، كانت الولايات المتحدة تقود أكبر حملة قضائية ضد الفيفا في تاريخها، وتلاحق كبار مسؤوليها بتهم الفساد وغسل الأموال.
أما اليوم، ومع اقتراب انطلاق كأس العالم 2026، تبدو الصورة مختلفة تماما: رئيس الفيفا جياني إنفانتينو حاضر في البيت الأبيض أكثر من أي وقت مضى، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب حاضر في تفاصيل البطولة أكثر مما اعتادت عليه كرة القدم العالمية.
هذا التحول هو ما تتوقف عنده تحقيقات كل من نيويورك تايمز ولوموند ، بينما تذهب الغارديان إلى التساؤل عما إذا كانت البطولة أصبحت مرآة تعكس طبيعة السلطة السياسية الأمريكية نفسها.
في تحقيق مطول، تروي نيويورك تايمز كيف أمضى إنفانتينو سنوات في بناء علاقة شخصية مع ترامب، شملت زيارات متكررة إلى مارالاغو ونادي دورال للغولف، وحضوره مناسبات خاصة بالرئيس الأمريكي، بل واستئجار الفيفا مكتبا داخل برج ترامب في نيويورك.
وتقول الصحيفة إن رئيس الفيفا "أغدق على الرئيس المديح والكؤوس والأوسمة"، في إطار سعيه لضمان مرور البطولة دون عراقيل سياسية أو إدارية.
ولا يخفي إنفانتينو نفسه أهمية هذه العلاقة. فقد قال العام الماضي، بحسب نيويورك تايمز: "من الضروري للغاية لنجاح كأس العالم أن تكون لديك علاقة وثيقة مع الرئيس والحكومة".
لكن السؤال الذي يطرحه كثيرون داخل المؤسسة الكروية هو: أين تنتهي البراغماتية وتبدأ التبعية السياسية؟ الرئيس السابق للفيفا سيب بلاتر، الذي تحدث لكل من نيويورك تايمز ولوموند، يعد من أكثر المنتقدين لهذا المسار.
ففي حديثه للصحيفة الأمريكية قال: "إنفانتينو يعتقد أنه يقود العلاقة، لكن لا أحد يستطيع قيادة ترامب".
أما تحقيق لوموند فذهب أبعد من ذلك معتبرا أن التقارب بين الرجلين يمثل ذروة تسييس الفيفا، وأنه ساعد الولايات المتحدة على ترسيخ نفسها قوة مهيمنة داخل كرة القدم العالمية.
وترى لوموند أن قصة النفوذ الأمريكي داخل الفيفا لم تبدأ مع ترامب، بل تعود إلى الصدمة التي أحدثها فوز قطر باستضافة مونديال 2022 على حساب الولايات المتحدة عام 2010.
قصة النفوذ الأمريكي داخل الفيفا لم تبدأ مع ترامب، بل تعود إلى الصدمة التي أحدثها فوز قطر باستضافة مونديال 2022 على حساب الولايات المتحدة عام 2010
وتنقل الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين سابقين شعورا بأن بلادهم خسرت الاستضافة رغم امتلاكها "أفضل ملف"، وأن قواعد التصويت آنذاك سمحت بتأثيرات خارجية واسعة.
ومنذ ذلك التاريخ، بدأت واشنطن استعادة نفوذها تدريجيا داخل عالم كرة القدم. فجاءت حملة "فيفاغيت" عام 2015 لتشكل نقطة تحول مفصلية.
وبحسب لوموند، فإن العملية التي قادتها وزارة العدل الأمريكية ضد مسؤولين كبار في الفيفا دفعت المنظمة إلى واحدة من أعمق أزماتها السياسية والأخلاقية.
وتنقل الصحيفة عن مصدر قضائي قوله: "لكي تبقى الفيفا على قيد الحياة وألا تُعامل كمنظمة مافيوية من قبل السلطات الأمريكية، كان عليها أن تتعاون وأن يرحل بلاتر".
لكن النفوذ الأمريكي لم يقتصر على القضاء، فقد كشفت لوموند عن عقود تجارية وقعتها الفيفا مع شبكات بث أمريكية قبل سنوات من التصويت على مونديال 2026، تضمنت مكافآت مالية كبيرة في حال استضافة الولايات المتحدة للبطولة.
وبحسب شهادة أحد القانونيين المرتبطين بالفيفا أمام المدعين السويسريين، فإن هذه الترتيبات كانت تعني عمليا أن "المباراة كانت محسومة سلفا" وأن الجميع كان يتصرف على أساس أن كأس العالم ستقام في أمريكا الشمالية.
وتدعم نيويورك تايمز هذه الصورة من زاوية أخرى, إذ تشير إلى أن الفيفا ترى في الولايات المتحدة أكبر سوق استهلاكية في العالم وفرصة تاريخية لتعزيز شعبية اللعبة وزيادة عائداتها. وتنقل عن أحد المقربين من إنفانتينو أن الرجل كان يتعامل مع ترامب بمنطق المصلحة، لأن الرئيس الأمريكي قادر على تسهيل أو تعطيل ملفات حيوية مرتبطة بالبطولة.
غير أن هذا التقارب بدأ يثير قلقا متزايدا داخل الفيفا نفسها، فحين رافق إنفانتينو ترامب في جولته الخليجية عام 2025 وتغيب عن اجتماع مهم للاتحاد الدولي، انسحب مسؤولون أوروبيون احتجاجا على ما وصفوه، بحسب نيويورك تايمز، بأنه إعطاء الأولوية لـ "مصالح سياسية خاصة" على حساب شؤون كرة القدم.
وتكشف الصحيفة أيضا أن إنفانتينو لم يكتف بالحفاظ على العلاقة مع ترامب، بل سعى إلى توظيفها داخل الفيفا نفسها.
فقد ضغط لمنح الرئيس الأمريكي "جائزة السلام" الخاصة بالفيفا أواخر عام 2025، وتصف نيويورك تايمز الجائزة بأنها أُعدت على عجل لدرجة أن الكأس نفسها جرى توفيرها من مقتنيات كانت موجودة لدى المنظمة.
أما لوموند فترى أن هذه الجائزة مثلت ذروة "اختلاط السياسة بالرياضة"، وتنقل عن أحد كبار مسؤولي كرة القدم العالمية قوله متسائلا: "كيف يمكن لرئيس الفيفا أن يحضر مراسم تنصيب رئيس دولة؟"، في إشارة إلى مشاركة إنفانتينو في حفل تنصيب ترامب.
ومع اقتراب البطولة، انتقل الجدل من أروقة الفيفا إلى قضايا الهجرة والحدود، فبحسب نيويورك تايمز، كان مسؤولون في المنظمة يخشون أن تؤدي حملات الهجرة الأمريكية إلى تنفير الجماهير أو الإضرار بصورة البطولة.
وتشير الصحيفة إلى اعتقاد بعض المسؤولين بوجود تفاهم غير معلن يقضي بعدم تنفيذ حملات مداهمة مرتبطة بالهجرة في محيط الملاعب أثناء المنافسات.
هنا تحديدا تلتقط الغارديان الخيط نفسه، لكنها تمنحه بعدا سياسيا أوسع، فالكاتبة زوي ويليامز ترى أن كأس العالم أصبحت اختبارا لطبيعة الحكم في الولايات المتحدة.
وتستشهد بحادثة تأخر السماح للمهاجم السويسري بريل إمبولو بالسفر إلى أمريكا، وبمخاوف جماهير أجنبية من التعرض لتدقيق سياسي أو أمني عند الحدود.
وتنقل عن الناشطة المناهضة للعنصرية شايستا عزيز قولها إن المشكلة الأساسية تكمن في أن "الولايات المتحدة ليست مكانا آمنا للزيارة" بالنسبة لكثيرين.
وفي قراءة أشمل، تعتبر الكاتبة أن الأحداث الرياضية الكبرى توفر للحكومات فرصة لاختبار حدود ما يمكن أن يقبله الجمهور والمؤسسات الرياضية.
شايستا عزيز: كرة القدم أصبحت "لوحة كبيرة" يمكن للسلطة السياسية أن ترسم عليها نفوذها، بينما تجد الهيئات الرياضية نفسها مضطرة إلى مسايرة الحكومات خوفا على مصالحها.
وتكتب أن كرة القدم أصبحت "لوحة كبيرة" يمكن للسلطة السياسية أن ترسم عليها نفوذها، بينما تجد الهيئات الرياضية نفسها مضطرة إلى مسايرة الحكومات خوفا على مصالحها.
ولهذا السبب لم تعد الانتقادات الموجهة إلى إنفانتينو تتعلق فقط بعلاقته الشخصية مع ترامب، بل بما ترمز إليه هذه العلاقة من تحول أوسع في موازين القوة.
فالرجل الذي كان يقدم نفسه باعتباره حامي استقلالية كرة القدم، يجد نفسه اليوم في مواجهة اتهامات بأنه سمح بتداخل غير مسبوق بين السلطة السياسية واللعبة الأكثر شعبية في العالم.
وفي النهاية، تكاد الصحف الثلاث تتفق على حقيقة واحدة: أن كأس العالم 2026 لن تكون مجرد بطولة لكرة القدم.
فبين نفوذ واشنطن المتصاعد داخل الفيفا، وحضور ترامب الطاغي في المشهد، ومخاوف الهجرة والحدود والأمن، تبدو البطولة وكأنها اختبار لعلاقة القوة بين الرياضة والسياسة.
ومن هنا يبرز السؤال الذي يطغى على كل ما عداه: عندما تنطلق صافرة البداية، من سيكون صاحب الكلمة العليا فعلا… الفيفا أم البيت الأبيض؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة