آخر الأخبار

تقديرات السياسة وحسابات النفوذ.. ماذا قدم عبد ربه منصور هادي لليمن؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

بعد 4 سنوات من نقل صلاحياته إلى مجلس قيادة رئاسي، غيّب الموت الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي عن عمر ناهز 81 عاما، مما أعاد إلى الواجهة تقييم فترة توليه البلاد والتي تُوصف بأنها من أعقد وأخطر المراحل في تاريخ البلاد الحديث.

وعلى وقع انقسام عسكري وسياسي حاد، صعد هادي الذي ظل في منصب نائب الرئيس منذ عام 1994 إلى رئاسة اليمن في انتخابات جرت في فبراير/شباط 2012، كان هو مرشحها الوحيد والتوافقي بموجب المبادرة الخليجية التي وقّعت عليها الأطراف السياسية.

رسا الاختيار على هادي ليكون بديلا للرئيس علي عبد الله صالح الذي خرجت ثورة فبراير/شباط 2011 تطالب برحيله بعد أكثر من 3 عقود من تربعه على السلطة.

مسار شائك وفرقاء متشاكسون

لم يكن الطريق الذي حددته الآلية التنفيذية للمبادرة مفروشا بالورود، إذ كان المسار شائكا أمام هادي ومليئا بالتحديات، في ظل فرقاء متشاكسون حالت التجاذبات والخلافات والاتهامات بينهم دون حسم الموقف خلال ما أُطلق عليها المرحلة الانتقالية، التي حددت فترة هادي بعامين لكنها استمرت عقدا من الزمن.

وكان أصعب تحدٍّ يقف في وجه هادي ما عُرف بهيكلة القوات المسلحة والأمن التي كانت منقسمة بين سيطرة الرئيس السابق صالح من جهة، وقيادات عسكرية مؤيدة لثورة فبراير/شباط والمعارضة من جهة أخرى، حيث أصدر هادي عدة قرارات بهدف توحيد المؤسسة الأمنية والعسكرية إلا أن كثيرين رأوا أنها لم تُنهِ فتيل الانقسام ولم تنجح في حصر ولاء كل الوحدات للدولة مما أبقى التوتر مستمرا.

وفي الجانب السياسي، شهدت فترة هادي مؤتمر الحوار الوطني بين غالبية الأطراف السياسية، الذي انطلق في مارس/آذار 2013 برعاية الأمم المتحدة، واختتم أعماله بحضور إقليمي ودولي بعد مفاوضات استمرت 10 أشهر، تمخض عنها توقيع كل المشاركين على وثيقة تنص على تشكيل دولة اتحادية.

إعلان

ويرى مراقبون أن تلك الوثيقة شكلت مصدر إزعاج للقوى المتحكمة بالساحة اليمنية خلال العقود الأخيرة، ورأت فيها محاولة لسحب البساط من تحتها مع الانتقال من المركزية في الحكم إلى دولة اتحادية متعددة الأقاليم.

مصدر الصورة حظي الرئيس عقب انتخابه بتأييد شعبي واسع (الجزيرة)

حروب على أكثر من جبهة

وتسارعت التطورات في البلاد، حيث نشط في تلك الفترة تنظيم القاعدة الذي شن هجمات وعمليات اغتيال في عدة محافظات، في حين برز الحوثيون وتمددهم المسلح في بعض المحافظات الشمالية، مما وضع الرئيس هادي وسط عاصفة من الأحداث المتتالية.

ولعل الحدث الأبرز كان سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014، ومحاصرة منزل هادي في يناير/كانون الثاني 2015 مما دفعه لتقديم استقالته، بيد أنه تمكن في عملية لم تُعرف تفاصيلها حتى اليوم من الفرار من صنعاء والوصول إلى عدن في فبراير/شباط 2015.

ومع اتساع رقعة سيطرة الحوثيين وتوسعهم باتجاه المحافظات الجنوبية وفي مقدمتها عدن، أُعلن في 26 مارس/آذار 2015 عن وصول هادي إلى السعودية وبطلب منه، وفي اليوم ذاته انطلقت عملية "عاصفة الحزم" بقيادة السعودية لدعم الحكومة اليمنية ضد الحوثيين.

ورغم تمكن القوات الحكومية بدعم من التحالف من استعادة السيطرة على عدن والمحافظات الجنوبية من العام ذاته، فإن هادي ظل غالبية وقته بالمنفى في المملكة حيث لم تهدأ مدينة عدن التي أعلنها عاصمة مؤقتة للبلاد، وظل الانفلات الأمني حاضرا علاوة على صراع سياسي وعسكري اندلع مع المجلس الانتقالي الجنوبي الذي ينادي بانفصال الجنوب عن الشمال.

مصدر الصورة الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي خلال لقاء في جدة (وكالات)

ونفذ هادي خلال تلك السنوات زيارات خاطفة إلى عدن وحضرموت ومأرب وغيرها، إلا أنه سرعان ما كان يعود إلى مقر إقامته في وضع يرجعه البعض إلى هشاشة الوضع الأمني، بينما يرى آخرون أنه أضعف موقف السلطة اليمنية وحضورها في الداخل.

وفي حدث مفاجئ، أعلن هادي في السابع من أبريل/نيسان 2022 نقل صلاحياته كاملا -في قرار قال إنه لا رجعة فيه- إلى مجلس القيادة الرئاسي المكون من رئيس و7 أعضاء، لكن هادي الذي اختفى عن الأنظار منذ ذلك الإعلان عاد إلى الإعلام بخبر وفاته.

وبحضور قيادات الدولة اليمنية، شُيّع جثمان هادي اليوم الجمعة في العاصمة السعودية الرياض التي توفي فيها ووري الثرى في مقبرة العود.

وعزّت دول خليجية وعربية وغربية ومكونات يمنية في وفاة هادي، إلا أنه لم يصدر رسميا عن الحوثيين حتى اللحظة أي موقف تجاه الشخصية التي يرونها خصما استدعى التحالف العربي لمواجهتهم مما حال دون استكمال سيطرتهم على كامل البلاد.

سجال حول أداء هادي

وفتحت وفاة هادي، ثاني رئيس لليمن بعد الوحدة عام 1990، سجالا في أوساط اليمنيين، حول المسؤولية فيما آلت إليه أوضاع البلد المنهك جراء حرب لم تضع أوزارها بعد، في حين يخيم الانقسام بين مناطق تسيطر عليها الحكومة وأخرى تخضع لجماعة أنصار الله "الحوثيين" التي تتهم الحكومة اليمنية إيران بدعمها، فضلا عن أوضاع اقتصادية وإنسانية بالغة الصعوبة.

وفي ظل القتامة التي تخيم على المشهد في اليمن، أتى رحيل هادي ليعود بذاكرة اليمنيين إلى المحطات والوقائع التي عصفت بالبلاد خلال عقد مضى.

إعلان

وكانت السنوات العشر من رئاسة هادي حافلة بالتحولات الكبرى التي ألقت بالبلاد في دوامة من الحروب والاضطرابات التي أثقلت كاهل اليمنيين على امتداد جغرافيا البلاد.

ويعتقد فريق أن هادي كان بإمكانه تفادي الكثير مما وصلت إليه اليمن من حروب وأزمات متعددة منطلقين في ذلك بأنه أصبح رئيسا وحظي بدعم شعبي وإقليمي ودولي غير مسبوق.

في المقابل، يرد آخرون أن الرجل قفز إلى وسط أحداث متلاطمة مجردا من إسناد حقيقي من الجيش ومكون سياسي يتكئ عليه، إذ إن رئيس حزبه "المؤتمر الشعبي" علي عبد الله صالح، تحالف مع الحوثيين قبل أن يُقتل على يدهم لاحقا عقب إعلانه فك الشراكة معهم، فضلا عن أن جزءا من النخبة السياسية تماهت أو صمتت أمام نخر مؤسسات الدولة بدافع الانتقام من قوى مناوئة لها.

ويذهب آخرون إلى أن توافق الأطراف الفاعلة لتنصيبه رئيسا كان وراءه اعتقاد في أنه الأنسب لتحقيق مآربها.

وإلى جانب ذلك، يرون أن مرحلة هادي كانت مثقلة بالصراعات المسلحة والسياسية سواء في صنعاء أو عدن، كما شهدت تدخلات خارجية ساهمت في تعقيد المشهد أكثر، ولا تزال حتى اليوم بعد أكثر من 4 سنوات من تولي المجلس الرئاسي قيادة البلاد.

واجه انقلابين

ويقول الأكاديمي والمحلل السياسي البروفيسور عبد الوهاب العوج -للجزيرة نت- إن هادي جاء في فترة عصيبة جدا من تاريخ اليمن، وفي خضم انقسام سياسي وشرخ عسكري كبير واتجاه نحو حرب أهلية دامية.

وأشار إلى أن الرجل بعد توافق جميع القوى السياسية ليكون رئيسا توافقيا، أصر على أن يتم انتخابه من قبل الشعب، واصفا سيطرة الحوثيين على صنعاء بالنكبة الكبرى، مشيرا إلى أن "هادي رفض التوقيع على 200 قرار بطلب من الحوثيين كما رفض انقلابهم".

وبيّن أن طلب هادي دعم التحالف العربي أنقذ اليمن الذي قال إنه لولا حدوث ذلك لتحول إلى "دولة إمامة ونظام ملالي يتبع إيران"، مقرا أن المرحلة واكبتها أخطاء نتيجة الانقسام في المؤسسة العسكرية والولاءات والتدخلات الخارجية.

ويرى المحلل السياسي أن النقطة الفارقة في تاريخ الرئيس الراحل أنه أسس لخارطة طريق من خلال مؤتمر الحوار الوطني ومخرجاته التي أجمع عليها اليمنيون كلهم، وجمع كل فرقاء العمل السياسي بمن فيهم الحوثيون.

ويشير إلى أن هادي تعرض لانقلاب في صنعاء في إشارة لسيطرة الحوثيين على صنعاء، وانقلاب في عدن في إشارة إلى سيطرة قوات المجلس الانتقالي في 2019 على المدينة.

وأكد أن الرئيس الراحل وقف ثابتا أمام "مشاريع انفصالية وسلالية" وحافظ على سيادة الدولة وعلى موقعها القانوني ومشروعية الدولة المنتخبة التي سلمها إلى مجلس قيادة رئاسي.

مصدر الصورة أثارت وفاته سجالا في أوساط اليمنيين حول أدائه خلال توليه رئاسة البلاد (الجزيرة)

مشهد متعدد الأقطاب

من جهته، يرى الكاتب والباحث اليمني نبيل البكيري -في تصريح للجزيرة نت- أن فترة تولي هادي الرئاسة لم تكن فترة حكم بقدر ما كانت فترة حروب كان الرجل فيها جزءا من مشهد متداع وحروب مستمرة، ما إن تنتهي إحداها حتى تبدأ الأخرى.

ووفقا لذلك يقول إنه "لا نستطيع أن نقيّم فترة حكم هادي بأنها فترة سياسية نستطيع من خلالها أن نقيس أداءه، بحكم أنه لم يكن في وضع مستقر، وكان في وضع حرب دائما منذ صعوده حتى عزله".

ووصف فترة حكم هادي بأنها اتسمت بالصراعات والاضطرابات والمعارك وعدم الاستقرار، كما أن جزءا كبيرا جدا من فترة وجوده رئيسا للجمهورية كان خارج البلاد في المنفى، ولم يعد أثناءها إلا فترات قليلة متقطعة.

وأضاف: "من الصعوبة بمكان توصيف فترة حكمه بدقة، وقد نظلمه إذا قلنا إنه كان يحكم"، لافتا إلى أن هادي كان جزءا من مشهد متعدد الأقطاب لكنه كان يمثل رأس الشرعية.

فَقَد إسناد الداخل والخارج

ويعتقد البكيري أن هادي فرّط في فرص تاريخية كان من الممكن أن تقوده إلى صانع تحوُّل حقيقي، لكن خانته تقديراته وخياله السياسي البسيط والضعيف، الذي لم يدرك حجم تعقيدات المشهد في اليمن.

إعلان

واعتبر أن هادي تعامل مع المشهد وكأنه لا يزال نائب رئيس جمهورية وليس رئيسا للجمهورية، مبينا أنه استمد شرعيته "بالاتكاء على الخارج أكثر من اتكائه على الشرعية الثورية التي مُنحت له عقب ثورة 11 فبراير/شباط".

وذكر أن الخارج لم يسنده كما أسنده الداخل حتى فقد الاثنتين: إسناد الداخل الذي ظل إلى آخر لحظة داعما لهادي، ولم يصدق الخارج معه إلى النهاية.

مصدر الصورة شهدت فترة تولي هادي الرئاسة تحولات كبرى (رويترز)

أخطاء وقصور

إلى ذلك، قال مدير تحرير منصة "يمن فيوتشر" نشوان العثماني -للجزيرة نت- إن هادي أمضى 18 عاما في منصب نائب الرئيس قبل أن تضعه اللحظة التاريخية على رأس السلطة في ظروف استثنائية اتسمت بانقسامات حادة وتحديات معقدة وهيمنة مراكز نفوذ تقليدية راسخة في شمال اليمن.

وأوضح أن هادي حظي بدعم إقليمي ودولي واسع، إلا أن الواقع الداخلي كان أكثر تعقيدا مما بدا عليه، مشيرا إلى أن شخصيته وقدراته وخياراته السياسية شابتها أخطاء وأوجه قصور، ولم يتمكن من أداء دور الجامع الوطني بالقدر الذي كانت تقتضيه المرحلة.

وأضاف أن هادي اتخذ في بعض المحطات قرارات وصفها بالمهمة، خصوصا عندما رفض الخضوع لضغوط ومطامع قوى إقليمية في وقت كانت فيه الدولة اليمنية تعاني هشاشة شديدة وتواجه تنافسا حادا على النفوذ.

حكم غير منصف

وأكد العثماني أن تجربة هادي السياسية تبقى محل نقد وتقييم، شأنها شأن أدائه الشخصي، إلا أن البيئة السياسية المحيطة به كانت بالغة الصعوبة ولا تزال تلقي بظلالها على المشهد اليمني حتى اليوم.

وقال إن "البلاد ورثت بعد عام 1994 منظومة حكم يمكن وصفها بشبكة نفوذ واسعة، وكان هادي جزءا منها لفترة طويلة، قبل أن يدخل في صدام معها عندما أصبح الرجل الأول في الدولة".

ورأى أن إنهاء ولاية هادي وتغيير قيادة الدولة كان خطوة ضرورية في تلك المرحلة، إلا أن تحميله كامل المسؤولية عن مسار الأحداث بمعزل عن تعقيدات الواقع اليمني يبقى حكما غير منصف.

واعتبر أن هادي لا يتحمل مسؤولية سقوط صنعاء، محملًا جماعة الحوثي والرئيس الراحل علي عبد الله صالح المسؤولية الأساسية عما حدث عام 2014.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا