في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
شهدت العلاقات الأمريكية الهندية محطة بارزة مع اختتام زيارة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى نيودلهي، ورغم محاولات الإدارة الأمريكية إضفاء طابع من الإيجابية والزخم على الزيارة، إلا أن القراءة المتأنية لتحليلات بعض الخبراء كشفت عن فجوة واضحة بين التفاؤل "الاستعراضي" لواشنطن والقلق الإستراتيجي الحذر لنيودلهي.
واتفقت تحليلات في صحف "نيويورك تايمز وفورين بوليسي ونيوزويك على أن الزيارة لم تكن كافية لترميم التصدعات التي أصابت العلاقات بين واشنطن ونيودلهي خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب الثانية، رغم محاولات التطمين التي حملتها الزيارة واجتماعات "الحوار الأمني الرباعي" (كواد).
وذكرت أن الهدف الحقيقي لزيارة روبيو لم يكن إطلاق شراكات إستراتيجية جديدة بقدر ما كان محاولة لتقليص الأضرار وتطمين الجانب الهندي، لكن المراقبين ذكروا أن هذه الجهود لم تتعدَّ كونها إجراءات موضعية.
ونقلت نيويورك تايمز عن الخبير الإستراتيجي كونستانتينو كزافييه قوله إن "الزيارة كانت مسكناً جيداً للألم، لكن هناك حاجة إلى دواء حقيقي لإحياء العلاقات"، مشيراً إلى أن هذا الدواء يتطلب "إعادة ضبط سياسية جوهرية بين زعيمي البلدين".
وأضاف أن الهند تخشى أن يكون ما تقوم به واشنطن لا يعدو كونه "خطة بديلة" تستخدمها للضغط على الصين، مضيفاً أن "قابلية الاستغناء عن الهند تتزايد، بينما تتراجع فائدتها".
ويتماشى هذا التقييم مع رؤية السفير الهندي السابق في كندا وإسلام آباد أجاي بيساريا الذي اعتبر في حديث لمجلة نيوزويك أن الزيارة: "جزء من مهمة لتقليص الأضرار"، وأنها كانت "ضرورية لأن العلاقات بحاجة إلى إشارات طمأنة سياسية من جانب الولايات المتحدة" بعد ما أسماه "فترة كابوس سيء من أغسطس/آب 2025 حتى فبراير/شباط من العام الحالي بسبب تعرفة ترامب الجمركية".
ورغم حملة روبيو الدبلوماسية الثقافية في مدن مثل جايبور وأغرا، وإشادته العلنية بالهند وتنظيم فعاليات احتفالية، فإن تلك الخطوات، وفقاً لفورين بوليسي، عجزت عن تبديد المخاوف العميقة في نيودلهي خاصةً فيما يتعلق بعلاقات واشنطن مع الصين وباكستان.
كما اعتبرت المجلة أن استقبال روبيو في نيودلهي من قبل موظف متوسط المستوى، وليس من قبل وزير الخارجية أو مسؤول رفيع، كان إشارة لافتة إلى حجم الفتور الهندي تجاه الإدارة الأمريكية الحالية.
ونقلت نيويورك تايمز عن البروفيسور الزائر في كينغز كوليج لندن، هارش بانت قوله إن الأزمة تكمن في: "غياب الاتساق في تعامل إدارة ترامب مع الهند، والافتقار إلى التزام علني بهذه العلاقة"، مما ترك نيودلهي "دون إطار واضح للتعامل" مع واشنطن.
هذا النهج التبادلي لم يقتصر على الملفات التجارية، بل امتد لملفات الأمن الإقليمي، حيث يشير بيساريا إلى أن: "هذه الإدارة تحدد إطار علاقاتها، ليس فقط مع باكستان بل مع الدول الأخرى، بشكل تبادلي بحت"، متهماً واشنطن بأنها أصبحت "غير حساسة لمخاوف الهند بشأن مرتكبي الإرهاب" نتيجة حسابات صفقة تبادلية مرتبطة بالمعادن الحرجة والعملات المشفرة ومكافحة الإرهاب.
وتشير التحليلات إلى خشية نيودلهي من أن تفقد ميزتها الإستراتيجية ككفة رجحان ضد الصين بمجرد استقرار العلاقات بين واشنطن وبكين، خاصة بعد لقاء ترامب الأخير مع الرئيس الصيني شي جين بينغ.
كزافييه: الهند قلقة من أن تفقد قيمتها لدى الولايات المتحدة وتصبح هذه الأخيرة قابلة للاستغناء عنها بمجرد استقرار العلاقات الأمريكية مع الصين
وحول هذا الأمر، يوضح الدكتور كزافييه أن: "الهند قلقة من أن تفقد قيمتها لدى الولايات المتحدة وتصبح هذه الأخيرة قابلة للاستغناء عنها بمجرد استقرار العلاقات الأمريكية مع الصين"، مؤكداً أن "القابلية للاستغناء تتزايد، والفائدة تقل"، وثمة خشية في أن تتحول الهند إلى "الخطة البديلة" لترامب لتهديد الصين وقتما يشاء.
وما يعزز هذه الشكوك الهندية، وفقاً لفورين بوليسي هو تصريح "صادم" سُرّب من كواليس الدبلوماسية الأمريكية على لسان نائب وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر لاندو، حذر فيه علناً في مؤتمر بنيودلهي من أن الولايات المتحدة: "لن تكرر نفس الأخطاء مع الهند التي ارتكبتها مع الصين قبل 20 عاماً".
وكانت الرسالة الضمنية التي التقطها المسؤولون الهنود بكثير من التوجس هي أن واشنطن تخشى تقديم تنازلات اقتصادية واسعة للهند قد تجعلها منافساً اقتصادياً مستقبلياً يتفوق على أمريكا نفسها.
وفي محاولة لإنقاذ الموقف وإعطاء الزيارة وزناً إستراتيجياً، تقول نيوزويك إن واشنطن استغلت مظلة التحالف الرباعي (كواد) لإيجاد أرضية مشتركة وطمأنة نيودلهي عبر مخرجات عملية ملموسة، تضمنت حشد دعم بقيمة 20 مليار دولار لتأمين سلاسل توريد المعادن الحرجة، وإطلاق مبادرات مشتركة للبنية التحتية للموانئ في جزر فيجي، وتكامل منظومات المراقبة البحرية.
وقد سارعت الهند للاستفادة من هذه المخرجات، ولكن وفق شروطها وضمن حدود واضحة، حيث نقلت نيوزويك عن المسؤول المدني الهندي السابق، ر. كومار، أن:
"رحلة روبيو لا ينبغي تضخيمها باعتبارها إعادة ضبط كاملة للعلاقات.. بل كانت شيئاً أكثر تحفظاً وواقعية: تقليص للأضرار مع وجود مخرجات"، أظهرت من خلاله الهند "أنها ستتعاون بشكل عميق، ولكن بشروطها الخاصة"، على حد تعبيره.
ورغم أن زيارة روبيو أسفرت عن بعض التفاهمات المتعلقة بالمعادن النادرة والطاقة والبنية التحتية البحرية، فإن الصحف الثلاث خلصت إلى أن هذه الخطوات لا تزال أقل من مستوى "إعادة ضبط" حقيقية للعلاقات، وأن الهند تنتظر من إدارة ترامب أفعالاً أكثر وضوحاً وثباتاً قبل استعادة الثقة الكاملة بالشراكة مع الولايات المتحدة.
ويمكن القول إن نجاح "المسكنات الدبلوماسية" والمخرجات الفنية لمنتدى "كواد" في منع انهيار العلاقات وإعادتها إلى مسار مستقر مؤقتاً، إلا أن "الدواء الحقيقي" المتمثل في استعادة الثقة السياسية العميقة وإزالة الهواجس التبادلية لا يزال بعيد المنال، طالما ظلت واشنطن تنظر إلى شركائها عبر عدسة الصفقات اللحظية والمصالح المؤقتة، وفقاً لما يستخلص من التقارير الثلاثة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة