وجدت أبوظبي نفسها، خلال حرب إيران في موقع محرج إلى حد كبير. فالدولة الخليجية هي الأكثر تعرضا، بين جيرانها، للصواريخ والمسيّرات الإيرانية، وهي، في الوقت ذاته، واحدة من أهم المنافذ المالية والتجارية التي استخدمتها طهران، على مدى سنوات، للالتفاف على العقوبات الدولية.
منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير حتى دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 8 أبريل، أطلقت إيران أكثر من 2800 صاروخ ومسيّرة على الإمارات، بحسب تقديرات رسمية. هذا الحجم من الهجمات، بحسب مصادر مطلعة وخبراء تحدثوا لـ”الحرة”، دفع أبوظبي إلى إعادة النظر بعلاقاتها المالية مع طهران.
لم تعلن الإمارات رسميا حتى الآن عن أي إجراءات في هذا المجال. لكن مصادر، بينهم خبراء وأشخاص مطلعون على هذا الملف، أكدوا لـ”الحرة” أن أبوظبي شددت إجراءاتها ضد التعاملات المالية المشبوهة المرتبطة بإيران في إطار الرد على الهجمات الإيرانية على الدولة الخليجية.
يقول الخبير الاقتصادي، رجل الأعمال الإماراتي البارز، حسين القمزي أن أبوظبي باتت تنظر إلى ملف التعاملات المالية كتهديد للأمن القومي الإماراتي، وليس مجرد امتثال أو التزام بالعقوبات الدولية.
“ما نراه اليوم هو رقابة أكبر على التحويلات العابرة للحدود، وتشديد إجراءات إعرف عميل، ومراقبة أكثر دقة لعمليات التمويل التجاري وشركات الصرافة والحوالات، إضافة إلى تدقيق أوسع في الشركات الوهمية أو الهياكل التجارية التي قد تُستخدم للالتفاف على العقوبات” يضيف القمزي لـ”الحرة”.
وكانت الإمارات، على الأرجح، أهم مركز مالي ولوجستي خارجي لإيران خلال العشرين عاما الماضية، يقول مصدر إيراني مطلع على تعاملات إيران في الإمارات لـ”الحرة”.
في مارس 2022، أدرجت مجموعة العمل المالي (فاتف) الإمارات في “قائمتها الرمادية” للدول التي تتطلب مزيدا من التدقيق لمكافحة غسل الأموال.
وعلاوة على الخضوع لمراقبة أدق، فإن البلدان المدرجة على “القائمة الرمادية” تواجه أيضا مخاطر تضرر سمعتها وتعديلات في التصنيف الائتماني، فضلا عن صعوبة الحصول على تمويل عالمي وارتفاع تكاليف المعاملات المالية.
وجرى رفع الإمارات من القائمة في عام 2024 بعد أن عملت أبوظبي على إدخال تحسينات جوهرية في أنظمتها الرقابية وتأسيسها مكتبا تنفيذيا لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
ووفقا للمصدر ذاته، فإن دبي وإيران ترتبطان بعلاقات تجارية واسعة منذ زمن طويل. كما أن عددا كبيرا من الإيرانيين والعائلات التجارية التاريخية المقيمة في الإمارات وفّرت شبكة جاهزة من شركات التبادل والتجارة.
“كانت الإمارات المركز الرئيسي لاستخدام إيران لنظام الحوالة، الذي يسمح بنقل القيمة المالية من دون الحاجة إلى نقل الأموال نقدا عبر الحدود،” يشير المصدر ذاته. ويضيف أن معظم السلع اليومية التي تشتريها إيران لا تُشحن مباشرة إليها، بل تُنقل أولًا إلى الإمارات، حيث تُفرَّغ الشحنات وتُمنح أوراقًا ووثائق جديدة لإخفاء وجهتها الحقيقية، ثم تُعاد شحنها عبر الخليج إلى إيران.
وتقول الصحافية الاستقصائية الإيرانية مهتاب ديفسالار لـ”الحرة” إن مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية تدفقت، خلال العقدين الماضيين خصوصا، عبر الإمارات سنويا، ما جعل الدولة الخليجية شريان الحياة الرئيسي الذي أبقى الاقتصاد الإيراني متصلا بالعالم”.
وثّق تقرير صادر في أكتوبر الماضي عن وزارة الخزانة الأميركية معاملات مشبوهة بقيمة 9 مليارات دولار تقريبا في عام 2024 مرت عبر النظام المالي الأميركي عن طريق شركات صرافة غير رسمية. وذكر التقرير أن شركات تتخذ من الإمارات مقرا لها تلقت 62% من تلك الأموال، وكان جزء كبير منها مرتبطا بمبيعات نفطية نفذتها شركات ذات صلة بإيران في دبي.
وقالت وزارة الخزانة الأميركية في حينها إن إيران استخدمت نظاما مصرفيا موازيا يعتمد على شركات واجهة ومكاتب صرافة في الإمارات وهونغ كونغ لتحويل عائدات النفط والالتفاف على العقوبات.
التقرير أشار بشكل مباشر إلى أن جزءا كبيرا من عمليات “الصيرفة الموازية” الإيرانية مر عبر شركات مسجلة في الإمارات بسبب سهولة تأسيس الشركات ومستويات الرقابة الأقل مقارنة بدول أخرى.
ومكّنت تلك التدفقات إيران من بيع النفط والبتروكيماويات الخاضعة للعقوبات، وشراء التكنولوجيا العسكرية، وتمويل الحرس الثوري الإيراني ووكلائه مثل حزب الله اللبناني، وفقا للتقرير.
تُعد الإمارات على الأرجح أهم حلقة منفردة في منظومة إيران للالتفاف على العقوبات، فهناك مئات الشركات الوهمية المسجلة في المناطق الحرة في دبي تقوم ببيع النفط الإيراني والبتروكيماويات وسلع أخرى إلى مشترين حول العالم.
كما تنقل شبكات الحوالة غير الرسمية وشركات الصرافة الدولارات لصالح جهات إيرانية بالكامل خارج النظام المصرفي الرسمي، ما يسمح لها بتجاوز القيود التي تمنع إيران من الوصول إلى نظام البنوك المراسلة الدولية.
“قطع هذه الحلقة من شأنه أن يعطل كامل الآلية التي تُضفى من خلالها الشرعية على الأموال قبل أن تظهر مجددا كرؤوس أموال نظيفة،” يقول محرر الشؤون الإيرانية في شبكة “إم بي إن” أندريس إلفيس. “سيكون التأثير كبيرا جدا على إيران بشكل عام والحرس الثوري الإيراني بشكل خاص إذ تُعد هذه التعاملات المشبوهة في صميم ما تستهدفه إجراءات التشديد في الإمارات”.
وفرضت وزارة الخزانة الأميركية خلال عامي 2025 و2026 عقوبات على عشرات الشركات والأفراد المرتبطين بإيران داخل الإمارات، متهمة إياهم بتسهيل بيع النفط الإيراني وتحويل الأموال لصالح الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس.
تختلف التقديرات بشأن حجم الأصول المرتبطة بإيران في الإمارات بشكل واسع، حيث يقدّرها بعض المحللين بما يتراوح بين 20 و50 مليار دولار سنويا أو أكثر، بما يشمل النفط والتجارة والعقارات والذهب والحسابات المؤسسية. وبالإضافة لتشديد إجراءاتها بحق شبكات الظل، تدرس الإمارات أيضا تجميد مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المودعة في الدولة الخليجية، وذلك وفقا لتقرير نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” في مارس الماضي.
السؤال الحقيقي هو إلى أي مدى ترغب الإمارات في المضي في مسار خنق إيران اقتصاديا؟
“الكشف عن جميع هذه الشبكات الخفية أمر معقد، وإغلاقها بالكامل بين ليلة وضحاها قد يسبب فوضى اقتصادية محلية، وحتى إذا خسرت إيران دبي بالكامل، فإنها ستلجأ ببساطة إلى تحمّل الكلفة الأعلى ونقل عملياتها إلى أحد المراكز البديلة الأخرى،” تقول ديفسالار.
بالتالي قد تلجأ إيران إلى الاعتماد على دول مجاورة أخرى تتمتع بقواعد مصرفية أكثر مرونة أو بحدود مفتوحة.
على الرغم من عدم وجود أرقام دقيقة، فإن التسريبات والاختراقات والوثائق المسربة من داخل إيران تُظهر أن الإمارات كانت المركز الرئيسي لعمليات غسيل الأموال والتهرب من العقوبات، لكنها بالتأكيد لم تكن الوحيدة. هناك مناطق أخرى تُستخدم أيضا، مثل جنوب القوقاز، وبعض دول الخليج الأخرى، وعدد من دول شرق آسيا وغربها.
في الواقع، شهدت هذه المناطق زيادة تتراوح بين 15 و20 بالمئة في حجم التجارة المرتبطة بإيران منذ أن بدأت الإمارات فرض قيودها في أبريل 2026، وفقا لمصادر إيرانية مطلعة على الملف تحدثت لـ”الحرة”.
“يعد العراق بالفعل مصدرا رئيسيا لتهريب الدولار الأميركي إلى إيران، كما استُخدمت عُمان وتركيا سابقًا في التجارة الإيرانية، رغم أن الولايات المتحدة تضغط عليهما أيضا للالتزام بالعقوبات،” تقول ديفسالار.
في ما يتعلق بالمسارات التجارية، فإن عملية التحول بدأت بالفعل. فعلى سبيل المثال، أعلنت باكستان مؤخرا فتح ممرات برية ستسمح لإيران باستبدال الموانئ الإماراتية بممر عبر الأراضي الباكستانية. وبدلا من المسار التاريخي عبر ميناء جبل علي، تتجه أنظار إيران الآن إلى موانئ كراتشي، وبورت قاسم وغوادار في باكستان، إضافة إلى موانئ في عُمان والهند.
لم يرد البنك المركزي ووزارة الاقتصاد في الإمارات بعد على طلبين للتعليق أرسلتهما “الحرة” عبر الموقع الرسمي للمؤسستين الحكومتين بشأن طبيعة الإجراءات التي اتخذتها الإمارات ضد الشبكات المالية المرتبطة بإيران.
ومع ذلك، من غير المستبعد أن تعمد أبوظبي لاتخاذ خطوات أكثر حزما ضد إيران في المستقبل في حال استمر التوتر بين البلدين.
“وارد جداً أن تشدد الإمارات من إجراءاتها مستقبلاً، خاصة إذا استمرت التوترات الإقليمية والاعتداءات الإيرانية على دولة الإمارات و الدول الخليجية الأخرىن” يقول القمزي.
وقد نرى مستقبلا، وفقا للقمزي، مزيداً من التدقيق على شركات الصرافة والتحويلات، وتشديداً على التمويل التجاري وإعادة التصدير، ورقابة أكبر على المناطق الحرة، وتعاوناً أعمق مع الجهات الرقابية الدولية ووزارة الخزانة الأميركية.
المصدر:
الحرة