أعادت الأزمات المتلاحقة في مضيق هرمز صياغة الأولويات الاقتصادية العالمية، حيث كشفت هذه الاضطرابات عن هشاشة القطاعات الحيوية التي تعتمد كلياً على تدفق الوقود والمواد الخام عبر الممرات المائية التقليدية. هذا الواقع دفع القوى الدولية والإقليمية للبحث عن بدائل برية وبحرية أكثر أماناً، مما حول المنطقة إلى ساحة صراع جيوسياسي لإعادة رسم خرائط التجارة العالمية.
تبرز في الأفق منافسة حادة بين مشاريع كبرى، أبرزها 'الحزام والطريق' الصيني و'الممر الهندي'، حيث يسعى كل طرف لفرض نفوذه عبر السيطرة على خطوط الإمداد. وقد أدركت القوى الفاعلة أن الاعتماد على مسار وحيد يمثل مغامرة استراتيجية غير مأمونة العواقب، خاصة في ظل الاحتياج العالمي المتزايد لمنتجات الطاقة والأسمدة الضرورية للطب والزراعة.
في هذا السياق، بدأت دمشق، وبتحفيز واضح من أنقرة، في استكشاف إمكانيات تحويل موقعها الجغرافي إلى أصل استراتيجي يربط دول الخليج العربي بالاتحاد الأوروبي. يهدف هذا التوجه إلى دمج الطموح السوري في رؤية اقتصادية شاملة تجعل من سوريا ممراً حيوياً للطاقة والبضائع، مما يوفر موارد ضخمة لإعادة الإعمار دون الحاجة للقروض الدولية.
يرى مراقبون أن نجاح هذا المشروع سيشكل رافعة اقتصادية كبرى لسوريا، حيث سيخلق ديناميكية تشغيلية تستفيد منها كافة القطاعات المحلية من خلال تطوير الموانئ والسكك الحديدية. ومع ذلك، يصطدم هذا الطموح مباشرة مع المصالح الإسرائيلية التي تسعى لجعل موانئ حيفا وتل أبيب هي الركيزة الأساسية للممر الهندي ونقطة الوصل بين آسيا وأوروبا.
التصور الإسرائيلي يقوم على الهيمنة على مسارات الطاقة والتجارة لضمان الاندماج الكامل في اقتصاديات المنطقة وتحقيق عوائد مالية وسياسية ضخمة. لكن تل أبيب تخشى من أن الجغرافيا السورية تمتلك ميزات تنافسية تتفوق على البنية التحتية الإسرائيلية المتطورة، خاصة فيما يتعلق بالربط البري المباشر مع القارة الأوروبية عبر الأراضي التركية.
تمتلك تركيا خبرة مديدة في إدارة معابر الطاقة والتجارة الدولية، وهو ما يعزز من فرص نجاح المسار السوري-التركي كبديل مفضل لدى دول خليجية كبرى مثل السعودية وقطر. وتأتي هذه التفضيلات في ظل استمرار الانتهاكات الإسرائيلية في غزة ولبنان، مما يجعل الاعتماد على إسرائيل كممر تجاري مخاطرة سياسية وأمنية للدول العربية.
أفادت مصادر بأن إسرائيل بدأت تتعامل مع هذا المتغير بجدية بالغة، حيث رفعت من وتيرة اعتداءاتها العسكرية على الأراضي السورية في الآونة الأخيرة. ويبدو أن الأهداف الإسرائيلية تجاوزت الذرائع الأمنية التقليدية لتصل إلى محاولة تقويض أي فرصة لاستقرار سوريا اقتصادياً أو تحويلها إلى بيئة جاذبة للاستثمارات الدولية.
الرسائل العسكرية الإسرائيلية موجهة بشكل أساسي إلى الممولين والشركاء المحتملين في الخليج وأوروبا، ومفادها أن الأمن في سوريا يظل هشاً وقابلاً للانفجار في أي لحظة. تهدف هذه الاستراتيجية إلى دفع الأطراف الدولية لإعادة حساباتها بشأن الاستثمار في ممرات الطاقة التي تمر عبر الجغرافيا السورية، خوفاً من تعرضها للتعطيل الدائم.
من جانبه، تنبه الرئيس السوري أحمد الشرع لهذه الضغوط، حيث طالب خلال لقاءات دبلوماسية في قبرص بضرورة ممارسة ضغط أوروبي على إسرائيل لوقف هجماتها. وربط الشرع بين استقرار سوريا وبين المصالح الجيوسياسية المشتركة التي تجمع دمشق بالعواصم الأوروبية، خاصة في مجالات تأمين تدفقات التجارة والطاقة.
تواجه سوريا اليوم فرصة تاريخية للاندماج في الاقتصاد الإقليمي، لكن هذا المسار محفوف بالعقبات الناجمة عن الشراكة الهندية-الإسرائيلية التي تسعى للتحكم في التفاعلات الاقتصادية للمنطقة. هذه الشراكة تهدف إلى إعادة تشكيل النظام الاقتصادي الإقليمي بما يخدم مصالح تل أبيب ونيودلهي، ويقلص من نفوذ القوى المنافسة.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه 'الممر السوري' ليس فقط في بناء البنية التحتية المدمرة، بل في إيجاد إرادة دولية قادرة على تحدي الرغبة الإسرائيلية في احتكار ممرات التجارة. فالمشروع يحتاج إلى ضمانات أمنية وسياسية تتجاوز القدرات المحلية السورية لتشمل تفاهمات إقليمية واسعة تضم تركيا ودول الخليج.
تشير التحليلات إلى أن إسرائيل لن تتوقف عن استخدام القوة العسكرية لتعطيل أي مشروع يقلل من قيمتها الاستراتيجية كحليف اقتصادي للغرب في المنطقة. هذا الصراع على 'السيادة اللوجستية' يعكس عمق التحولات الجارية، حيث لم تعد الحروب تقتصر على الحدود الجغرافية بل تمتد لتشمل خطوط أنابيب الغاز ومسارات الحاويات.
في نهاية المطاف، يبقى الممر السوري-التركي مشروعاً واعداً يمتلك مقومات النجاح الجغرافي، لكنه يظل رهينة للتوازنات العسكرية المعقدة. وإذا لم تنجح دمشق في تأمين غطاء دولي يحمي منشآتها الحيوية، فإن الطموح الاقتصادي قد يظل معطلاً بفعل الغارات الجوية والتوترات المستمرة.
إن مستقبل المنطقة بات مرتبطاً بشكل وثيق بقدرة الدول على فرض ممراتها التجارية الخاصة، وهو ما يفسر حدة التصعيد الحالي. فمن يسيطر على طرق الوصل بين الشرق والغرب، سيمتلك مفاتيح النفوذ السياسي والاقتصادي في النظام العالمي الجديد الذي يتشكل وسط ركام الأزمات.
المصدر:
القدس