في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في غضون أيام معدودة، كشفت تطورات متلاحقة بين واشنطن وبعض العواصم الأفريقية عن ملامح إعادة تشكل لخريطة العلاقات بين القارة والقوى الكبرى، إذ تتقاطع فيها ملفات الصحة والتعدين وحماية البيانات، وتبرز في خلفيتها معروضات صينية مغرية تذكّر بأن منافسة بكين على النفوذ القاري لم تخفت بل تتعزز.
فقد أعلنت أكرا تخليها عن اتفاق صحي ثنائي مع واشنطن قيمته نحو 109 ملايين دولار خلال خمس سنوات، وفق ما أكدته أسوشيتد برس نقلا عن مسؤول غاني أوضح أن نطاق النفاذ المطلوب إلى البيانات الصحية "تجاوز ما هو مطلوب عادة للغرض المعلن"، فيما لفتت رويترز إلى أن المفاوضات التي انطلقت في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 شهدت "ضغطا متزايدا في مراحلها الأخيرة".
ويتأطر الاتفاق ضمن "الاستراتيجية الأمريكية الأولى للصحة العالمية" التي أطلقتها إدارة ترامب في سبتمبر/أيلول 2025، وتقوم -بحسب موقع "غانا ويب"- على نقل تدريجي لأعباء التمويل إلى الدول المستفيدة وتقليص الاعتماد على المساعدات.
ووفق موقع "أفريكا بريفينغ"، فقد فرضت على أكرا مهلة لحدود 24 أبريل/نيسان الماضي لإبرام الاتفاق، فاختارت السلطات الإفصاح عن رفضها بصياغة دبلوماسية، مؤكدة استمرار سعيها إلى "تعاون أفضل". وكان وزير الصحة الغاني كوابينا مينتاه أكاندوه قد كشف أواخر 2025 أن سجلات صحية غانية كانت مخزنة على خوادم في الهند ضمن عقد سابق، مما دفع الحكومة لإطلاق نظام معلومات صحي وطني بديل، مرسخة توجها واضحا نحو "السيادة على البنية التحتية للبيانات".
أما في زامبيا، فقد انقضت مهلة 30 أبريل/نيسان دون توقيع لوساكا على مذكرة التفاهم المقترحة من واشنطن بقيمة تتجاوز مليار دولار، ليدخل البلدان مرحلة التراشق العلني. ووفق ما نقلته رويترز، فقد شن السفير الأمريكي المنتهية ولايته مايكل غونزاليس -في كلمة وداع- هجوما على الحكومة الزامبية، مؤكدا أن واشنطن واجهت "غياب أي تفاعل جوهري" منذ يناير/كانون الثاني، مع مكالمات لم يُرد عليها واجتماعات ألغيت. ووصف -بحسب رويترز- اتهامات ربط المساعدات الصحية بالنفاذ إلى المعادن الحرجة بأنها "مقيتة وكاذبة تماما"، مشيرا إلى أن واشنطن لا تزال تموّل رواتب 23 ألف عامل صحي زامبي.
في المقابل، رد المتحدث باسم الرئاسة كلايسون هاماساكا بأن الحكومة "تثمن الدعم الأمريكي وتظل منفتحة على الحوار، شريطة أن يجري عبر القنوات الدبلوماسية المعتادة".
وكانت مسودة المذكرة قد كشفت أن الاتفاق يستوجب من لوساكا ضخ 340 مليون دولار من تمويلها الذاتي خلال خمس سنوات، فيما سبق أن نقلت "نيويورك تايمز" وجود مذكرة مسرّبة لوزير الخارجية ماركو روبيو، تربط الصفقة بالنفاذ إلى احتياطيات النحاس والكوبالت والليثيوم. وبينما يتواصل التمويل الأمريكي على أساس "ظرفي" يقتصر على المضادات القهقرية والوقاية من انتقال الإيدز للأطفال، يبقى الموقف الزامبي الرسمي معلقا في "صمت تفاوضي" يفسره الجانب الأمريكي رفضا، وإن لم تعلنه لوساكا صراحة.
وكانت زمبابوي رفضت في فبراير/شباط 2026 اتفاقا مماثلا لأسباب تتعلق بـ"العدالة والسيادة"، فيما علقت محكمة كينية تنفيذ اتفاق وقع بعد طعن قدمته جمعية لحماية المستهلك. ولفتت أسوشيتد برس إلى تحفظات في نيجيريا تتعلق بكون الاتفاق الأمريكي يقتصر على دعم مزودي خدمات صحية ذوي توجه ديني مسيحي. في المقابل، أفادت رويترز بأن وزارة الخارجية الأمريكية وقعت حتى نهاية أبريل/نيسان 32 اتفاقا ضمن المقاربة الجديدة بقيمة 20.6 مليار دولار، مما يعني أن خمس دول أفريقية على الأقل قبلت الشروط، فيما تواصل أخرى التفاوض.
ومن أبرز الاتفاقات الموقعة اتفاق موزمبيقي أمريكي الأسبوع الماضي، تتجاوز قيمته 500 مليون دولار، يعكس قراءة مغايرة من حكومة الرئيس دانييل تشابو التي تواجه تحديات اقتصادية واحتجاجات داخلية متواصلة منذ توليه الرئاسة في يناير/كانون الثاني 2025.
وفي تباين لافت مع منطق المشروطية الأمريكية، أعلنت الصين منح الدول الأفريقية نظام "صفر رسوم جمركية" على صادراتها إلى السوق الصينية لمدة عامين، في خطوة تأتي ضمن حزمة مبادرات أوسع ضمن منتدى التعاون الصيني الأفريقي.
وتكشف هذه التطورات عن نقطة تحول في علاقات القارة بشركائها التقليديين. فبينما تربط واشنطن مساعدتها بشروط إستراتيجية شاملة (نفاذ إلى المعادن، وإلى البيانات، وتقاسم التمويل)، تقدم بكين عرضا تجاريا واسعا دون مشروطية ظاهرة. ويبدو أن غانا تقدم نموذجا "للمساومة من موقع السيادة" بدل الرفض المطلق أو القبول الكامل.
ويبقى السؤال المفتوح: في زمن تتراجع فيه آلية المساعدات التقليدية بعد تفكيك "الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية" مطلع 2025، هل تنجح الدول الأفريقية في تحويل لحظة الضغط إلى فرصة لإعادة التفاوض على شروط الشراكة الدولية، أم أن الانقسام القاري -بين دول رفضت ودول وقعت- سيضعف موقفها التفاوضي الجماعي ويعيد إنتاج منطق "كل دولة وحدها"؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة