لم تعد ميرا كوريان تحصي سنوات عملها في دبي منذ انتقالها إليها من مسقط رأسها في الهند ، لكنها كانت سنوات طويلة.
عاد هذا السؤال يلح عليها وهي تقوم بحزم حقائبها للعودة إلى وطنها، بعد أن قررت إدارة الفندق التي تعمل فيه في دبي الاستغناء عنها وعن آخرين إثر التراجع الحاد في نسب الإشغال عقب اندلاع حرب إيران .
ورغم خسارتها عملها، وأيضا رغد العيش في دبي، لا تشعر ميرا بأي غضب أو استياء في شعور يشاركها فيه كثير من أقرانها العائدين من الإمارات إلى الهند.
وفي مقابلة من مدينة كوتشي الساحلية في جنوب الهند، تقول ميرا كوريان إن "الجميع في المركب ذاته. لا يمكنك أن تغضب من الحرب".
ففي جميع أنحاء الخليج ، أدت حرب إيران إلى إغلاق مجالات جوية وتعطيل الشحن وتوقف المشاريع، مما وجه ضربة للثقة التي تُبقي المنطقة نابضة بالحياة.
وما زالت ملامح دبي الأخيرة حاضرة في مخيلة ميرا كوريان؛ إذ بدت مشاهد المدينة وكأنها تحبس أنفاسها. فقد أصبحت التجارة التي كانت تمر بسلاسة عبر مضيق هرمز بطيئة وتحولت إلى مسارات أخرى، فضلا عن تراجع السفر وبدأت الفنادق تخلو من نزلائها وقررت شركات الطيران تقليص رحلاتها حتى رفوف المتاجر الكبرى بدأت تفرغ.
وقالت ميرا "عندما يتوقف الناس عن القدوم، يمتد التأثير إلى تجارة التجزئة والخدمات اللوجستية، فكل شيء في دبي يعتمد على الزائرين، وبدونهم تبدأ ماكينة المدينة كلها في التباطؤ".
ميرا كانت واحدة من نحو تسعة ملايين مواطن هندي كانوا، حتى وقت سابق من هذا العام، يعملون في دول الخليج ، حيث يُشكل الهنود أكبر جالية وافدة في المنطقة. ويعملون في قطاعات تتراوح بين البناء والضيافة والخدمات اللوجستية وتجارة التجزئة والخدمات. وتبلغ تحويلاتهم إلى الهند أكثر من 50 مليار دولار (46 مليار يورو) سنويا.
وبحسب وزارة الشؤون الخارجية الهندية، عاد نحو 984 ألف مواطن هندي جوا إلى البلاد خلال الفترة ما بين أواخر فبراير/شباط ومنتصف أبريل/ نيسان، من بينهم طلاب وفئات ضعيفة أخرى إلى جانب العمال المهاجرين.
ومتحدثا للصحفين، قال أسيم ماهجان، مسؤول رفيع في الوزارة، إن جهودنا "تركز على الحفاظ على سلامة الناس من خلال غرف عمليات مخصصة تصدر إرشادات محدثة تتضمن معلومات عن توجيهات الحكومات المحلية وحالة الرحلات الجوية وأوضاع السفر".
ومع ذلك، قرر معظم العمال الهنود حتى الآن البقاء في الإمارات غير راغبين في التخلي عن وظائفهم وحياتهم التي بنوها على مدى سنوات. ويقول كثير منهم إنهم يشعرون بأنهم عالقون بين خيارين كلاهما مر؛ فخيار العودة يعني التخلي عن كل ما سافروا من أجله، أما خيار البقاء فيعني الاستمرار داخل اقتصاد يتراجع بصمت من حولهم.
وفي حال استمرار الحرب ، فسوف يواجهون تسريحات من العمل أو إجازات غير مدفوعة الأجر. أما من يقرر شد الرحال إلى الهند، فسيتعين عليهم التعامل مع أعباء قد تثقل كاهلهم، لا سيما تذاكر طيران باهظة الثمن ونفقات إعادة التوطين وسط غموض بشأن مستقبلهم المهني.
وفي ذلك، قالت ميرا في حديثها إلى DW إن شحن الأمتعة من دبي إلى كوتشي كلفها ما يزيد بنسبة 30 بالمئة عما كان عليه سابقا قبل الحرب . ورغم عودتها إلى وطنها، فإن المشاعر لا تعكس تماما إحساس العودة الحقيقية إلى الديار.
وقالت إن "لا أحد يقول ذلك بصوت عالٍ، لكن الجميع ينتظر".
وقد امتد الاضطراب الاقتصادي ليصل إلى ولاية كيرالا، وهي الولاية الهندية التي تحصل على نصيب الأسد من نسبة التحويلات المالية، إذ يعمل نحو 2.2 مليون من أبنائها في الخارج.
وبحسب بيانات مسؤولي الهجرة، فإن قرابة 90% منهم يعملون في دول الخليج .
وفي مقابلة مع DW، قال فينو راجاموني، الدبلوماسي السابق من كيرالا: "بدأ تراجع التحويلات يؤثر أيضا على السوق المحلي وعلى الشركات في أماكن مثل كيرالا. وتشير تقارير إلى انخفاض المبيعات ولا سيما في المناطق التي تتركز فيها عائلات المهاجرين إلى دول الخليج".
وأضاف أن "كل هذه الاتجاهات ستتسارع كلما طال أمد الحرب، فالثقة التي كان الآخرون يضعونها في دول الخليج باعتبارها ملاذا آمنا لتوظيف قد تآكلت بشكل خطير".
ويجسد راميش كومار ريدي، الموظف الهندي في أواخر الثلاثينيات من عمره، الصورة الأوضح لهذا السيناريو القاسي، بعد أن وجد نفسه فجأة بلا عمل.
وأمضى ريدي أحد عشر عاما يعمل فني أجهزة قياس وتحكم في مصنع للبتروكيميائيات خارج مسقط، عاصمة سلطنة عُمان ، قبل أن تُبلغه إدارة المصنع في أواخر مارس/ آذار الماضي بضرورة البدء في إجازة غير مدفوعة الأجر، منهية بذلك سنوات من الاستقرار بقرار خاطف.
وعند عودته إلى بلدة فيساخاباتنام في ولاية أندرا براديش، تبيّن أن شهاداته وخبرته التي حصل عليها من الخليج في أنظمة الضغط لن توفر له فرصة عمل جيدة، إذ إن المصفاة الأقرب إليه لا تعلن عن وظائف، ما دفعه إلى البحث عن فرصة بديلة والتقدم للعمل في شركة أمن خاصة.
وفي مقابلة مع DW، قال ريدي: "كنت في عُمان متخصصا ومستقرا مهنيا إلى أن اندلعت الحرب وتعطل كل شيء. هنا في فيساخاباتنام، خبرتي ليست ذات قيمة، لذا لا أستطيع البدء في حياتي من جديد".
ويحمل حديث راميش في طياته مؤشرات تنذر بما قد يتسبب فيه الصراع إذا طال أمده. فالعائدون إلى الهند ليسوا فقط من يعملون في مهن بدنية أو حرفية أو من يُطلق عليهم "ذوو الياقات الزرقاء"، بل يضمون فنيين ومشرفين وأصحاب مشروعات صغيرة. وبالنسبة لكثيرين منهم، كان الخروج من الخليج مفاجئا وقاسيا.
إذا استمر الصراع لفترة طويلة، فسيبدأ في التأثير على الاستهلاك وحتى السكن، وقد يُثقل كاهل الأسر بالديون مع امتداد آثار الأزمة إلى ما هو أبعد من العائلات المتضررة مباشرة.
وفي حديث إلى DW، قال أنيل وادهوا، السفير الهندي السابق لدى عُمان، إن امتداد الصراع "سيضغط تدريجيا على اقتصادات الخليج، وبالتالي على الجالية الهندية هناك. ورغم عدم حدوث نزوح جماعي مفاجئ حتى الآن، فإن حربا طويلة قد تؤدي إلى فقدان وظائف وتدفع كثيرا من الهنود، خصوصًا العائلات، إلى العودة".
وأضاف أن "سمعة الخليج كصمام أمان لتوظيف الهنود قد تتأثر حتى على المدى الطويل، مع إعادة تشكيل فرص العمل بفعل الصراع وإعادة الإعمار بعد الحرب".
وحذرت ليخا تشاكرافورتي، الخبيرة الاقتصادية في المعهد الوطني للمالية العامة والسياسات بالهند، من صدمة في سوق العمل بسبب الحرب.
وقالت في مقابلة مع DW إنه "خلال الأشهر القادمة، قد تمتد هذه الصدمة لتتحول إلى ضغوط إقليمية أوسع، مع ارتفاع مستويات الديون ونقص التشغيل وزيادة الضغوط المالية".
وأضافت أن "تداعيات الصراع الإيراني لن تظل عند تلك النقطة محصورة في الخليج، بل ستمتد لتؤثر في الاقتصاد الهندي".
ورغم أن التداعيات الاقتصادية للحرب مع إيران لم تصل حتى الآن إلى معظم مناطق الهند، إلا أن الأمر بات واقعا حياتيا بالنسبة إلى كوريان. وفي ذلك، قالت "كان لدينا في دبي حياة كاملة، أما الآن فننتظر فقط ما الذي تبقى منها".
أعده للعربية: محمد فرحان
تحرير: عماد غانم
المصدر:
DW